الحوار المتمدن - موبايل



بروج يسارية عاجّية ..

زكي رضا

2017 / 5 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


جلست مع أوّل خيوط الفجر على أحد أرصفة ساحة الطيران "المسطر" متحديا إرهاب الميليشيات والسلطة ومفخخات الإرهاب وسط عدد كبير من الأُجَراء الذي لا يملكون الا قوّتهم العضلية لبيعها في سوق العمل، من أجل توفير لقمة خبز لهم ولعوائلهم البائسة. كنت من القليلين الذين تقدّم بهم العمر بين جموع شابّة أنهكها الجوع والأنتظار لكسب لقمة خبز مغمّسة بكرامة لازالت باقية عند الكثير ممّن لم تدنس كرامتهم في العمل ضمن أحزاب السلطة وميليشياتها. ولأن العرض أكبر من الطلب في سوق العمل، فأنني رأيت نفسي والكثيرين ممّن لم تتعلّق ذرة تراب واحدة "بمساحيهم" لعدم إشتغالهم لأيّام نتحاور بأمور مختلفة ومنها بل وعلى رأسها هو الوضع السياسي بالبلد.

جلست وأنا أعدّل من وضع نظّاراتي بين مجموعة من الشباب متحدثّا إليهم عن ضرورة إنظمامهم الى نقابات عمّالية لضمان حقوقهم، وضرورة قراءتهم للأدب الماركسي ليتسلّحوا بفلسفة علمية كي يقّوضوا بها النظام السياسي المتهريء. كما وعلى القادمين منهم من الأرياف العودة إليها وتشكيلهم للسوفخوزات والكولخوزات، وضرورة دخول المكننة في الأنتاج والتوزيع. قلت وأنا أتبختر كالطاووس بينهم أن يحددوا موقفهم بدقّة من قوى اليسار وأن يجدوا لها تعريفات ماركسية ثورية حقيقية، لتمييزها عن الحركات الماوية والتروتسكية أو تلك المصنفة كيمين بالحركة الشيوعية. وقبل أن أنهي مداخلتي حول جوهر الفهم المادّي للتاريخ وضرورة دراسة ميتافيزياء الإقتصاد السياسي لبناء مجتمع شيوعي بالعراق، رأيت نفسي أركض بعيدا هربا من عصي يحملها هؤلاء الكادحين بعد أن ضاقوا ذرعا بفلسفتي الفارغة.

بالتأكيد أنّ ما جاء أعلاه ليس سوى ثرثرة، الا أنّي أراها اليوم ضرورية بعد أن تسلّح البعض لوأد بادرة حوار "يساري يساري"، من خلال بحثه عن تعريفات لليسار ومكانته في مسيرة نضال شعبنا. وكأن الصراع الفكري بين "اليساريين" والحزب الشيوعي العراقي هو ما يهم الجماهير، وليس بحثها عمّن يقودها الى الخلاص من أوضاعها المزرية والكارثية وهي ترى وطنها يتمزق وتنهب ثرواته. لا يا أيها السادة، ما هكذا تروى إبل شعبنا العطشى للحرية والخبز. أمن المعقول أن لا تتفق قوى اليسار وهي التي عليها أن تتقدم صفوف الجماهير على أصغر قاسم مشترك يجمعها وهذه الجماهير، أي وجودها في الشارع وقيادتها بشعارات آنية وملحّة، لتحوّل أي تقارب ولو كان هامشيا الى صراع فكري. هل ستشبع جماهير شعبنا من الصراع الفكري الذي يريد البعض تسويقه لغاية في نفس يعقوب؟ أين هي المعامل والمصانع والمزارع، دعونا من هذا لنسأل أين هي المدارس والمعاهد والجامعات وما هو مستواها؟ وما هي لغة الخطاب التي علينا إستعمالها للتواصل مع أبناء شعبنا حيث الفقر تجاوز الـ "30%" والبطالة تجاوزت الـ " 28%"!! هل نتحدث اليهم عن ضرورة تعريف اليسار ودوره في بناء الشيوعية بالعراق!! أم ضرورة التحدث إليهم بلغة أقرب الى فهمهم لدفع أكبر عدد ممكن منهم وهم متضررون بالفعل لخوض نضال مطلبي من أجل تحررهم وخلاصهم ممّا هم فيه.

هل إذا ما توصّلنا مثلما يريد "العاجّيون"، الى تعريف اليسار وضرورة عدم صهر وذوبان اليساريين والأشتراكيين في الحزب الشيوعي مثلما يروّج البعض. فأن الطريق ستكون سالكة لبناء مجتمع شيوعي أو إشتراكي في أسوأ الأحوال!!؟ أليس من ألأصوب التعامل مع الواقع السياسي الموجود اليوم والبحث من خلاله على حلول عملية بعيدا عن التنظير الفكري الذي لا تفهمه الجماهير ولا علاقة لها به، من خلال تشديد التظاهرات والإعتصامات والبحث عن طرق توسيعها للضغط على قوى السلطة المتحاصصة؟ أنّ التنسيق "ليس الذوبان مثل يتخيل البعض" بين القوى اليسارية والديموقراطية والمدنية "علمانية" على مستوى الشارع، أو الجلوس الى طاولة حوار من أجل تعزيز الحوار هذا لا يعني الإنخراط الفعلي بما يسمى بالعملية السياسية أو المشاركة بالأنتخابات التي يقف البعض على الضد منها. لكن إن إستطاعت هذه القوى من خلال ضغطها على السلطات بتوفير فضاء صحي للإنتخابات بالشروط التي يتفق عليها كل التيار المدني، فأنّ مشاركة القوى اليسارية والديموقراطية والمدنية بالإنتخابات سيكون له أثره على الخارطة السياسية.

دعونا أن نبلغ الديموقراطية أوّلا ولنفكر بعدها بالإشتراكية والشيوعية، أنّ الجدل الفكري الذي يريده البعض عمودا فقريا فولاذيا ليس سوى جدل بيزنطي لن ينتهي مطلقا. فلنترك بروجنا العاجّية أيتها السيدات والسادة، ولنلتفت الى الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقية بالتغيير. وأني أؤكد لكم هنا من أنها لا تفهم ما تريدونه ولكنها تريد أن تفهمكم عمّا ما تريده هي..







اخر الافلام

.. الليلة | الإعاقة لا تلغي الطاقة.. مقولة تختصر إرادة إسلام مد


.. سوريا.. واشنطن وموسكو تستبعدان الحل العسكري


.. بث مباشر.. وصول الحريري الى بيروت




.. جولة جديدة للحوار الفلسطيني في القاهرة


.. القمة الثلاثية في سوتشي.. ومستقبل سوريا