الحوار المتمدن - موبايل



العامليون الاسلاميون والعلمانيون الذين درسوا في العراق في القرن العشرين

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 5 / 25
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


العامليون : نسبة الى جبل عامل . وهو الاسم التاريخي – الجغرافي لمنطقة جنوب لبنان حاليا , وقيل بانها اخذت اسمها من قبائل عاملة االعربية اليمنية التي هاجرت اليها بعد انهيار سد مارب . واختلف الباحثون حول تاريخ تشيع افراد هذه المنطقة , فبعضهم يرجع ذلك الى قدوم ابو ذر الغفاري الى بلاد الشام ابان ولاية معاوية بن ابي سفيان , والبعض الاخر يرجعه الى قيام الدول والامارات الشيعية في العصر العباسي كالدولة البويهية في العراق والحمدانية في بلاد الشام والفاطمية في مصر . الا انني اعتقد ان اصول اهالي هذه المنطقة هو من الموالي النبط (سكان العراق الاصليين) الذين دخلوا الاسلام بعد الفتح العربي , واطلقت عليهم المصنفات العربية تسمية الفرس بدعوى ان بلادهم كانت تقع تحت سيطرة الساسانيين الفرس , فيما ان القوم هم بقايا العراقيون الاصليون اصحاب الحضارات السومرية والاكدية والبابلية والكلدنية القديمة , وكانوا قد اعتنقوا المسيحية وفق المذهب النسطوري قبل الاجتياح العربي – الاسلامي , ويتكلمون اللغة الارامية ضمن اللهجة السريانية الشرقية , ويطلق عليهم العرب تسمية (النبط) اي القوم الذين استنبطوا الماء . وابلغ دليل عندنا ماذكره البلاذري في كتابه (فتوح البلدان) بان الفرس قدموا الى لبنان في العصر الاموي , فيما ان الواقع هو ان هؤلاء من النبط الموالين للبيت العلوي , لان الفرس لم يتشيعوا اصلا انذلك . ويرجع سبب تهجير هؤلاء الى منطقة جنوب لبنان على ساحل البحر المتوسط هو الرغبة بالتخلص منهم بعد اثارتهم للفتن والاضطراب والتمرد ضد السلطة الاموية الفتية , ومولاتهم للبيت او الحزب العلوي , علما ان هذا الاجراء لم يكن الوحيد الذي اتخذه معاوية في سبيل تهدئة العراق من الثورات المستمرة ضد نظام حكمه بعد تسلمه السطة في اعقاب تنازل الامام الحسن , فقد عمل على تهجير الاف العوائل العربية – الشيعية من قبيلة عبد القيس الموالية للحزب العلوي الى خرسان وبلاد ماوراء النهر.
استمرت الصلات الثقافية والدينية بين العراقيين واخوانهم في جبل عامل قائمة ولم تنقطع طيلة قرون عديدة , فقد رثى العلامة المفيد المتوفي عام 413 هجرية في بغداد الشاعر العاملي عبد المحسن الصوري (ت 419 هجرية ) بقوله
ياله طارقا من الحدثان الحق ابن النعمان بالنعمان
صيحة اصبحت تبلغ اهل الشام صوت العويل من بغدان
وكان الطابع العام الذي يغلب علي تلك الصلات هو قدوم العامليين للدراسة في الحوزة العلمية في النجف وكربلاء والحلة , والاستقرار فيها او العودة بعد حصول على مرتبة عالية او متميزة من العلم , ويقال ان الرائد الاول في الدراسة هو اسماعيل ابن الحسين العودي الجزيني العاملي عام 580 هجرية الذي درس في حلقات العلماء عندما كانت الحوزة العلمية في الحلة ثم عاد الى بلدته جزين , الا ان اشهر من قدم للعراق في طلب العلم هو الشهيد الاول محمد بن مكي واخته فاطمة العاملية اللذين حصلا على اجازة الاجتهاد . الا ان اقوى الصلات واهمها ماحصل في القرن العشرين , فقد تميز هذا القرن ليس بالكثرة العددية من قدوم العامليين للدراسة فحسب بل وحتى في النوعية التي توزعت على التوجهات الاصلاحية والعلمانية والثورية , فضلا عن التقليدية السائدة .
الا ان السؤال الذي يطرح نفسه : لماذا يتميز العامليون عند عودتهم الى بلدهم في المسارات الاصلاحية والثورية والعلمانية , فيما لم يحصل لاقرانهم من العراقيين من طلبة الحوزة العلمية هذا التمايز ؟ اعتقد ان الجواب على هذا السؤال المشروع يتخذ مسارات عده اهمها :
1 . اختلاف الواقع السياسي والمذهبي بين العراق ولبنان . فالحرية النسبية التي يتمتع بها اللبنانيون والنظام التوافقي – الطائفي يسمح بظهور هكذا شخصيات اصلاحية تعبر عما يجول في نفسها من الامال وتطلعات نحو الاحسن , وتسمح للتعبير عن مكنونات الهوية من اراء ومفاهيم واشكالات ومعالجات , فيما ان الواقع الاستبدادي العراقي قبل عام 2003 وهيمنة النظام البعثي – الطائفي كان لايسمح بظهور مثل تلك الشخصيات الاصلاحية التي هى في الاصل نتاج الحرية والتعددية السياسية , وتحتاج بالتالي الى جدل ثقافي وحراك ديني من اجل ان تبلور اراءها الاصلاحية ضمن نسق معرفي او مشروع محدد يعتمد تلك المسارات التجديدية , وحتى لو ظهرت مثل تلك الشخصيات المتميزة فان مصيرها هو السجن او الاعدام كما في حالة الشهيد محمد باقر الصدر .
2 . الطموح المرجعي عند طلبة العلوم الدينية في الحوزة العلمية في النجف يمنعهم من الخروج من النمط التقليدي الى المسار الاصلاحي . فطالب العلم ماان يدخل الى هذا المعترك الحوزوي حتى يجعل نصب عينيه الارتقاء العلمي من اجل الحصول على الاجازة او شهادة الاجتهاد التي توفر له المكانة العالية والمنزلة الرفيعة , وبالطبع ان تلك المكانة لايستطيع الحصول عليها الا من خلال تبني المسار التقليدي السائد عند المرجعيات الاصولية ومكاتبها وحاشيتها التي بيدها مفاتيح الارتقاء للطالب والمجتهد على حد سواء , وان اي خروج من تلك المتبنيات الراسخة منذ مئات السنيين سيعرض صاحبها الى التشكيك والاتهام والاقصاء وغيرها .
3 . رفض المؤسسة الدينية الشيعية في العراق لاي مسارات اصلاحية جذرية او فاعلة في المتبنيات الاسلامية , على اعتبار ان تلك المسارات تزعزع مفهوم الهيمنة الروحية والسيادة على المقلدين والاتباع , لان هذه المسارات الاصلاحية هى في الاخير تصب في صالح المنطلقات العصرية والتحديثية والتنويرية والنزعات المساواتية , وهذه المنطلقات تضعف السلطة الروحية والرابطة الدينية وتنزع نحو التشكيك والتمرد والعلمانية .
4 . الرفض البنيوي عند المجتمع العراقي لاي مسارات اصلاحية – دينية . فمن المعروف ان التماهي بالشوؤن الدينية والطقوسية ينحصر عند العامة من الناس اوالمتعلمين التقليديين الذين ينفرون بطبيعتهم النفسية والتقليدية من اي مطاراحات او توجهات تضم انماطا تجديدية او تنويرية , ليس بسبب ان فهمهم للدين الطقوسي والكلاسيكي يتناسب مع افكارهم الساذجة والبدائية فحسب , بل لانها تتوائم مع النزعة التطهيرية التي يسعون ورائها او رغبتهم بتقديس المظاهر التي تخلق لهم نوعا من البروز والرياء والتباهي , فيما يتسامى عامة المثقفيين العصريين الى فضاء العلمانية والمنظورات الايديولوجية والراديكالية التي تطرح حلولا جاهزة ومستعارة للاشكالات المستعصية في المجتمع العراقي , وهى بالمجمل تتقاطع تقاطعا حادا مع الدين او المؤسسة الدينية , وترفض اي انماطا اصلاحية يكون الدين جانبا منها او مرتكزا دلاليا فيها .
على اية حال , يمكن توزيع العامليون الذين درسوا في العراق خلال القرن العشرين الى ثلاث اقسام : (علما ان هناك قسما اخر يضم العامليون التقليديون الذين لم يجعلوا لحياتهم بصمة واضحة من الانماط الثلاث وضمت شخصيات عدة ابرزها الشيخ علي الكوراني وعبد الكريم الزين العاملي ومحمود مغنية وعلي الزين وحسين محمود مكي وغيرهم)
اولا : العامليون الاصلاحيون .
ثانيا : العامليون العلمانيون .
ثالثا : العامليون الثوريون .
اولا : العامليون الاصلاحيون : وهم اكثر العامليون تميزا وانتشارا وقدما , وانقسمت اراءهم الاصلاحية ضمن ثلاث مسارات هى : الاصلاح الاسلامي العام , كما في دعوات السيد محسن الامين ومحمد حسين فضل الله . والاصلاح المذهبي الذي ينحصر ضمن الطائفة الشيعية , كما في دعوات الشيخ محمد جواد مغنية ومحمد مهدي شمس الدين . والاصلاح اللبناني المحلي الذي يقتصر على الرغبة في تطوير وتعديل الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للجماعية الشيعية في لبنان فقط , كما في دعوة السيد موسى الصدر وعبد الحسين شرف الدين . ويمكن تلمس اهم الاراء الاصلاحية للعامليين بحسب الاهمية :
1 . السيد عبد الحسين شرف الدين : رغم ان السيد شرف الدين قد عاش في العراق اكثر من (32) عاما , اي منذ ولادته في الكاظمية عام 1873 وحتى عام 1905ميلادي , نال خلالها درجة الاجتهاد المطلق، الا انه استقر بعدها في جبل عامل، وسكن مدينة صور وأسهم في النهضة العلمية والأدبية هناك , كما عمل على التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال الحوارات البنّاءة مع مشايخ وعلماء أهل السنّة وخاصة في مصر . اضافة إلى هذا فقد اعتنى شرف الدين بتعليم الناشئة , فأسس المدرسة الجعفرية في صور عام 1938 كما كان له الدور الأساس في بناء مدرسة الزهراء. وأسّس نادياً سمّاه (نادي الإمام الصادق) للاحتفالات الدينيّة والمحاضرات الثقافيّة . ولرعاية الفقراء والمساكين أسّس (جمعيّة البرّ والإحسان) والجمعية الخيرية الجعفرية. وهو من أوائل العلماء الشيعة الذين التفتوا إلى المهاجرين في أفريقيا , فأرسل المبلّغين إلى هناك , كان في مقدمتهم ولداه السيد صدر الدين والسيد جعفر . كما أسس الكلية الجعفرية والروضة الجعفرية للأطفال بقسميها البنين والبنات.
في الجانب السياسي وقف بقوة إلى جانب الثورة العربية الكبرى، وكان من المنادين بالوحدة السورية تحت راية الملك فيصل. وكان له دور بارز في مؤتمر وادي الحجير (عام 1920) والحضّ على مقاومة الوجود الفرنسي في بلاد الشام , وله خطاب بليغ دعا فيه إلى نبذ التفرقة الطائفية ، وانتخبه المؤتمر مع السيد عبد الحسين نور الدين والسيد محسن الأمين ليلتقوا الملك فيصل ويفاوضوه بإسم العامليين , وحكم عليه الفرنسيون بالإعدام غيابيا وأحرقوا داره ومكتبته النفيسة التي تضم عشرات المخطوطات، فاضطر إلى الهرب خارج لبنان . فسكن دمشق فترة من الزمن، وبعدها ذهب إلى مصر، ومنها إلى فلسطين وأقام في قرية تسمى (علما) قرب الحدود مع جبل عامل . وبعد استقرار الأوضاع أُسقط الحكم عنه فعاد إلى أسرته في مدينة صور. وقد اثبت دور السيد عبد الحسين شرف الدين الاصلاحي والعلمي وخاصة في كتابه المثير للجدل (المراجعات) الشيخ محمد جواد مغنية بقوله (لولا محسن الامين وعبد الحسين شرف الدين لاكلتنا الذئاب وطمعت فينا الكلاب) .
2. السيد محسن الامين : ولد في قرية شقرا التابعة الى قضاء بنت جبيل عام 1865 ووصل الى النجف للدراسة عام 1891 واستمر فيها حتى عام 1901 حيث عاد بعدها الى جبل عامل , ثم انتقل بعدها للسكن في دمشق حتى وفاته بها عام 1952 ودفن في مرقد السيدة زينب . لايمكن الاحاطة بمشروع السيد الامين الاصلاحي لتعدده وشموليته , الا انه اتخذ مسارين : الاول التقريب بين المذاهب الاسلامية ورفض التفرقة الطائفية , ويذكرون بهذا الصدد قصص عدة اهمها , ان الفرنسيون ارادوا إصدار قانون الطوائف، الذي اعتبر المسلمين الشيعة في نطاق الأقلّيات ، فأرسل إليهم رسالة قال فيها : "بصفتي الرئيس الروحي للطائفة الإسلامية الشيعية في سوريا ولبنان، أرجو فخامتكم أن تحيطوا علماً باستنكار المسلمين الشيعيّين لهذا القرار، ولهذه التفرقة المصطنعة بين المسلمين"... وبعدها عزموا على إحداث منصب رئيس علماء الشّيعة في سوريا ولبنان معاً، وقرّروا تعيينه لهذا المنصب، وأصدروا فيه مرسوماً ، فرفض ذلك بكلّ قوّة ، بالرغم من إصرارهم وتوسيط بعض زعماء الطائفة , وقال عبارته الشهيرة (من يعمل موظفا عند الله لايستطيع ان يكون موظفا عند المندوب السامي) .
أصدرت الحكومة السوريّة في عهد الاستقلال قراراً في الانتخابات النيابية، أدخلت الشيعة فيه ضمن نطاق الأقليات، فقدّم السيد الأمين كتاباً للحكومة ، قال لهم فيه : إنّ الشيعة تعتبر المسلمين طائفة واحدة ، ولا تريد الافتراق عن إخوانها السنّة. وهكذا، خضعت الحكومة ، وقرّرت أن المسلمين طائفة واحدة لا فرق بين سنيّهم وشيعيّهم ، وأنّ هذه المقاعد المعيّنة للمسلمين في جميع أنحاء الدّولة السوريّة ، هي للسنّة والشّيعة على السّواء. وجاء السيّد الأمين شخص سنيّ، وقال له : أريد أن أتحوّل إلى التشيّع، فقال له السيد : لا فرق بين السنّة والشيعة ، فكلّنا مسلمون. وأصرّ ذلك الشخص ، فقال له : انطق بالشهادتين، فنطق بهما، فقال له : الآن صرت شيعياً ، لأن التشيّع لا يزيد على ذلك.. وكان يؤكّد أنّ الوحدة الإسلاميّة لا بدّ من أن تقوم على الأسس الأصيلة للإسلام، وعلى الحوار الموضوعي العلمي الّذي يرتكز على فهم كلّ من المسلمين للآخر، بعيداً عن الفهم الخاطئ والنقل الكاذب.
والمسارالاخرالذي نادى به السيد الامين هو قضية اصلاح الطقوس الحسينية التي يقوم بها عوام الشيعة واهمها قضايا التطبير والتشبيه وضرب الدمام والنفخ في البوق وخروج النساء للمواكب وتعالي الاصوات المزعجة من الجوامع والحسينيت وذكر الروايات الضعيفة والاسطورية وغير العقلانية من قبل الخطباء وغيرها , ونشر تلك اراءه الاصلاحية في كتيب حمل عنوان (رسالة التنزية لاعمال الشبية ) التي اثارت جدلا محتدما في بلاد الشام عرضه الى انتقاد بعض رجال الدين التقليديين الذين حرضوا عليه العامة من الناس , وبعض الشعراء المرتزقة الذين هجوه في ابيات عدة اهمها البيت الشعري المعروف للخطيب العراقي صالح الحلي :
ياركبا اما مررت بجلق(اسم لدمشق) فابصق بوجه امينها المتزندق
وقد انتقل هذا الجدل والصراع الى العراق ومقر الحوزة العلمية في النجف , حيث ايد المرجع الاعلى في وقته السيد ابو الحسن الاصفهاني اراء الامين الاصلاحية , فيما حرض الخطيب المعروف صالح الحلي الناس والعوام ضده , واطلق على معسكر الاصلاحيين تسمية (الامويين) فيما اطلق على معسكر التقليديين اسم (العلويين) وقيل ان تلك التداعيات هى التي ادت الى مقتل ابن السيد الاصفهاني . كما ايد الامين بعض رجال الدين المعروفين اهمهم رائد الاصلاح العراقي السيد هبة الدين الشهرستاني وعبد الكريم الجزائري وجعفر البديري وعلي القمي ومحسن شرارة , فيما عارضه اخرون , عرف عن بعضهم الاصلاح والتجديد امثال محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ النائيني وعبد الحسين شرف الدين ومحمد جواد البلاغي وعبد الحسين صادق العاملي ومرتضى ال ياسين . وقد اشاد بخطوة الامين الاصلاحية الدكتور علي الوردي بقوله (يعجبني من المصلحين في هذا العصر رجلان الشيخ محمد عبدة في مصر والسيد محسن الامين في الشام ) .
3 . محسن شرارة : ولد في بنت جبيل عام 1901 وتوفى عام 1946 . انتقل الى النجف للدراسة في الحوزة العلمية هناك , لعب خلالها دوراً محورياً في ثقافة عصره . اسس هو ورفاقه الطلبة العامليون القاطنون في النجف جمعية "الشبيبة العاملية النجفية" ضمت : شعراء وأدباء وعلماء يدعون إلى التجديد , ابرزهم الشيخ حسين مروّة والسيد هاشم الأمين والشيخ علي الزين . عاد إلى جبل عامل عام 1935 فأسهم في إنعاش الحياة الثقافية والسياسية فيه عموماً وفي بنت جبيل خصوصاً، وألقى المحاضرات الثقافية والقصائد في الأندية الأدبية والحسينيات .
في صيف عام 1928 - وخلال تواجده في العراق - نشر الشيخ محسن شرارة في مجلة العرفان ثلاث مقالات متتالية ذاعت شهرتها واثارت جدلا في الاوساط الدينية , وأضحت تلك المقالات محطة ينبغي الوقوف عندها في مسيرة التجدّد والإصلاح الديني والفكري , وتمكن هذا الشيخ الشاب ابن السابعة والعشرين من أسر القلوب التواقة إلى التغيير والتطوير ومجاراة العصر، وإثارة غضب المحافظين الذين طبعت شخوصهم على التعلّق بكل ما هو قديم . وقد تضمنت هذه المقالات نقداً شديداً لمناهج الدراسة الدينية في النجف , ودعت إلى تطبيق الإصلاح ، كما انتصر للسيد محسن الأمين في دعوته لإصلاح شعائر عاشوراء ، التي أحدثت وقتها استنكاراً واسعاً شعبياً ودينياً بفعل الحملات التي شنّت عليه , وصوّرته بمظهر من يريد أن يلغي شعائر عاشوراء , فانبرى الشيخ محسن يومها في مواجهة الجميع وأعلن تأييده صراحة للمرجع الأمين . وأبرز ما جاء في تلك المقالات : أن النجف الجعفري والأزهر السني يعيشان عصر انحطاط ناتج عن استئثار البعض بالأموال , مما أورث كسلاً بفعل رغد العيش عند تلك الطبقة دون الطبقة المحرومة من العلماء والطلبة الذين أصبحوا في عوَز وفاقة".
ثم يشيد بعد ذلك بالمصلح الأزهري الشيخ محمد عبده الذي قال بيت الشعر المشهور:
ولكن ديناً قد أردت صلاحه أحاذر أن تقضي عليه العمائم
يقدم الشيخ شرارة مرافعة حول الحياة الدينية والثقافية والأدبية في النجف , فيرى أن من يحتضون الحركة الثقافية والإصلاح ليسوا سوى اقلية من المفكرين من بعض رجال الدين والأدباء والشعراء ، أما الباقون فهم صامتون خوفاً على مراكزهم من سطوة الزعامات المتنفذة . وفي رأيه إن الإصلاحيين غير قادرين على إدخال العلوم الحديثة في تدريسهم الديني بقدرما كان طلابهم عاجزين عن إتقان العلوم العصرية . أما إدارة الحوزات فهي تشكو فقدان التنظيم فيها ، وأموال الخمس والزكاة مهدورة , ولا بدّ من إقامة مؤسسة تكلّف إدارة الأموال وإرسال المبشرين . ويرى الشيخ محسن أنه لا بدّ من إدخال العلوم العصرية إلى المنهاج الحوزوي: كالحساب والطب والجغرافيا والهندسة والتاريخ وكذلك الفلسفة وعلم الكلام .
4 . السيد موسى الصدر : ولد في مدينة قم الايرانية عام 1928 حيث درس العلوم الدينية بعد نيله الشهادتين في علم الشريعة الإسلامية والعلوم السياسية من جامعة طهران في عام 1956. , توجه بعدها السيد موسى الصدر إلى النجف لإكمال دراسته تحت إشراف المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم وزعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الخوئي . وفي عام 1960م توجه للإقامة في مدينة صور اللبنانية بعد تمهيد ولقاء سابق مع السيد عبد الحسين شرف الدين قبل وفاته , واستمر فيها قائما حتى اختفائه وتغييبه القسري في ليبيا عام 1978 .
كان للسيد الصدرمساهمات اصلاحية توزعت على جميع مسارات التربوية والاجتماعية والاقتصادية للشيعة في جبل عامل , الذين كانوا يعانون من التهميش السياسي والفقر والجهل والبطالة وحكم العوائل الاقطاعية المتنفذة , فرفع شعار (لن يبتسم لبنان والجنوب يبكي) فقام بمبادرات اصلاحية عديدة اهمها :
-- تفعيل عمل جمعية البر والإحسان في مدينة صور، التي كان قد أسّسها عبد الحسين شرف الدين سابقا .
-- بناء مدرسة جبل عامل المهنية، والتي تعتبر أوّل صرح علمي في الجنوب، بل في مناطق الشيعة عامّة، التي تخرّج حتّى الآن المئات كل عام ، كما أنّ لهذه المدرسة السبق في تخريج بعض الشهداء ضمن ماعرف بالمقاومة ضد اسرائيل .
-- تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية المعروفة بحركة أمل في عام 1974، وقد صادفت بداية الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بشقيه : محافظة الجنوب ومحافظة النبطية ، فكان لحركته من أجل المحرومين وجناحها العسكري حركة امل السبب الرئيسي في إزالة ذلك الاحتلال. ومع ذلك فقد نأى بنفسه عن التدخل في حرب لبنان الأهلية بل سعى لإنهائها من خلال الاعتصام والاحتجاج بالاضراب عن الطعام
-- أسّس موسى الصدر جمعية كشافة الرسالة الإسلامية ، التي قال عنها (انها نوع من أنواع صيانة المجتمع , إنها التأمين الفطري عندما يهاجم البشر أعداؤه (المرض..الخ) وكان همّها الأساسي هو الاعتناء بتنشئة جيل هادف رسالي وريادي، يمتاز بأخلاقيات إسلامية عالية، يعمل على خدمة المجتمع)، وقد انتشرت هذه الجمعية بسرعة في مختلف المناطق اللبنانية والاغتراب اللبناني، وقد اعتبرت أولى المؤسسات الرسالية في العالم العربي والإسلامي التي تهتم بالفئة العمرية ما بين 7 سنوات و 18 سنة.
-- سعى السيد موسى الصدر حثيثاً لإنشاء الجامعة الإسلامية , وذلك من خلال المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ، الأمر الذي تحقق , ولكن بعد أن تمّ اختطافه بسنوات.
-- عمل الإمام الصدر حثيثاً على توحيد كلمة اللبنانيين جميعاً بكل طوائفهم ، سواء المسلمون في ما بينهم ، أو المسلمون والمسيحيون ، فجال على كل القرى اللبنانية ، وسعى إلى إنهاء أي فتنة مذهبية ، وألقى المحاضرات في الجامعات والمساجد والحسينيّات والكنائس ، ممّا انعكس إيجاباً على مستوى التعايش الإسلامي المسيحي .
-- أُنشئ "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" عام 1967 ليتولى شؤون الطائفة ويدافع عن حقوقها ويحافظ على مصالحها ويسهر على مؤسساتها ويعمل على رفع مستواها. ونص قانون المجلس على أن يكون له رئيس يمثله ويمثل الطائفة ويتمتع بذات الحرمة والحقوق والامتيازات التي يتمتع بها رؤساء الأديان.
5 . الشيخ محمد جواد مغنية : ولد عام 1904 م في قرية طيردبا من جبل عامل، درس على يد المرجع الشيخ حسين مغنيّة. ثم سافر إلى النجف عام 1925 وبقى فيها للدراسة حتى عام 1936 ، ثم عاد إلى جبل عامل وعينته جمعية العلماء العاملية إماما خلفا لأخيه الأكبر الشيخ عبد الكريم مغنية ، ثم عين قاضيا شرعيا في بيروت ثم مستشارا للمحكمة الشرعية العليا فرئيسا لها بالوكالة ، إلى أن أحيل للتقاعد. والشيخ من الذين أبدعوا في شتى الميادين الإسلامية والاجتماعية والوطنية، توجه بإنتاجه وأفكاره بصورة خاصة إلى جيل الشباب في المدارس والجامعات والحياة العامة ، فكان يعالج في كتبه المشاكل والمسائل التي تؤرقهم وتثير قلقهم كمسائل العلم والأيمان ، والحضارة والدين ، ومشاكل الحياة المادية والعصرية، وكان يقضي في مكتبته بين 14 إلى 18 ساعة من اليوم والليلة ، وله أيضًا الكثير من المقالات والنشرات، وكان كثير الدفاع عن التشيع بلسانه وقلمه ضد التجني والافتراءات التي يطلقها بعض الطائفيون والاقصائيون ، الا انه كان يسعى ايضا الى التقريب بين المسلمين , فألف الكتب ونشر المقالات بهذا الشان , وكانت له لقاءات وعلاقات خاصة مع شيخ الازهر محمود شلتوت مؤسس دار التقريب بين المذاهب الاسلامية في مصر في الستينات وصاحب الفتوى الشهيرة بجواز التعبد بالمذهب الجعفري . توفي الشيخ مغنية ليلة السبت في التاسع عشر من محرم الحرام سنة 1400 ه‍ ، الموافق 1979 م ونقل جثمانه إلى النجف وشيع تشييعا كبيرا , صلى عليه المرجع السيد الخوئي، ودفن في إحدى غرف مقام الإمام علي .
6 . الشيخ محمد مهدي شمس الدين : ولد الشيخ محمد مهدي بن عبد الكريم شمس الدين في النجف عام 1936 . وكانت ولادته أثناء هجرة والده من لبنان إلى العراق لطلب العلم. بقي الشيخ شمس الدين مع والده حتى بلغ الثانية عشرة من عمره, حيث عاد أبوه إلى لبنان وتركه في النجف لتحصيل العلوم الدينية , ودرس مقدمات الأصول والبلاغه والمنطق في الحوزة العلمية , أتم دراسته على مستوى الخارج في الفقه على يد المرجع الديني محسن الحكيم، وفي الفقه والأصول على يد السيد أبو القاسم الخوئي . ألف الشيخ شمس الدين ما يزيد عن الثلاثين كتابا , بعضها في القضايا اللبنانية المحلية . نجا من محاولة اغتيال بسيارة مفخخة في عام 1990 ابان تداعيات الحرب الاهلية اللبنانية . توفي في بيروت في شهر كانون الثاني من عام 2001 إثر مرض عضال .
قضى الشيخ شمس الدين في العراق ما يقرب من 35 عاما، حيث انقسمت هذه السنين بين تحصيل العلوم الدينية وبين المشاركة في العمل الإسلامي، وبناء المساجد والمكتبات، والتدريس في كلية الفقه. واستطاع الشيخ التأثير بالواقع الاجتماعي والديني بحكم مسؤوليته في منطقة الفرات الأوسط ، وأن يعطي الوكالة التي يمتلكها بعض الحيوية في الواقع والسلوك والممارسة، وقد عبر عن هذه الحقيقة بقوله "...عملنا في النجف وفي منطقة الفرات الأوسط , وكان مركز العمل في الديوانية منذ سنة 1961 وحتى 1969، أي حتى العودة إلى لبنان. وقد ساهم في إنشاء المكتبة العامة التي كانت تؤدي وظيفه مركز إسلامي عام. بالإضافة إلى إنشاء أو المشاركة في إنشاء ما يزيد على 20 مسجدا في نفس المحافظة وما يحيط بها".
شارك الشيخ شمس الدين مع الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد حسين فضل الله في تأسيس مجلة (الأضواء) في النجف , ورافق السيد محمد باقر الصدر في الانضمام الى حزب الدعوة الإسلامية عام 1957 . قد تأثّر به العديد من الطلبة اللبنانيين المقيمين في الحوزة العلمية بالنجف , وبالسيد محمد حسين فضل الله , وانخرطوا في هذا الحزب . وبعد عودته إلى وطنه لبنان عمل إلى جانب السيد موسى الصدر في خدمة قضايا اللبنانية وتحصينه من اخطار الداخل والخارج , فتعاونا على نقل فكرة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلى الوجود , وإنشاء مؤسساته الخدمية والخيرية , فكان مستشفى الزهراء ومؤسسة البرج الشمالي ومدينة " الصدر " في البقاع من اهم مشاريعة الاجتماعية . كما دعم الشيخ شمس الدين السيد موسى الصدر في مشاريعه المؤسساتية الخاصة التي قام بها مثل تاسيس حركة المحرومين في لبنان وافواج المقاومة اللبنانية "امل". وبعد تغييب الصدر عام 1978 استقلّ الشيخ شمس الدين- بعد جهود مضنية – بذلها لتأسيس الجامعة الإسلامية في لبنان , ثم كافح بكل ما اوتي من عزم وقوة على انجاحها واستمرارعطائها , ولم يغفل عن رعايتها حتى بعد مماته , حيث اوصى لها بمبلغ ضخم صرف بكامله على المبنى الجديد الذي افتتح في اواسط العام 2004 . كما عمل على إقامة المؤسسات الثقافية والعلمية ذات الاختصاصات المتعددة كالمعهد الفني الإسلامي والحوزة العلمية " معهد الشهيد الأول للدراسات الإسلامية " ومدرسة الضحى في بيروت ومبرة السيدة زينب في الجنوب ومجمع الغدير الثقافي في البقاع. كل ذلك من خلال الجمعية الخيرية الثقافية التي يرأسها.
بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران عام 1979م وبالرغم من وقوفه إلى جانب الثورة الإسلامية وقيادتها , الا انه كان يؤكد على إستقلالية الشيعة في لبنان ككيان مستقل , نظرا إلى التنويع الطائفي والمذهبي في لبنان، وحذّر القوى السياسية الشيعية اللبنانية من مغبة تقليد نموذج الحكم الاسلامي في الجمهورية الإسلامية الايرانية في لبنان .
كان للشيخ شمس الدين ارتباطاً وثيقاً مع حركة أمل التي كان يعدها (معتدلة ووطنية) . وفي المقابل كان حزب الله يعتبر مشروعاً سياسياً – ثورياً وعالمياً مدعوماً من قبل جمهورية ايران الإسلامية ، ولم يرغب الشيخ شمس الدين الابتعاد عن حركة أمل التي كان صديقه السيد موسى الصدر وراء تاسيسها . ألا ان المعارك المسلحة بين حركة أمل وحزب الله - والتي أريق فيها الدماء - ادت إلى وضع نظريته المسماة بنظرية ولاية الأمة على نفسها في مواجهة نظرية ولاية الفقيه. ففي مراجعته الثانية لمقدمة كتابه (نظام الحكم والإدارة في الإسلام) والذي تم تحريره في العقد الرابع من القرن العشرين , أعاد النظر في نظريته المسماة ولاية الأمة على نفسها ضمن موقفه الرافض لنظرية الديمقراطية ، وصرّح بأنه كان سابقاً يعتقد التباين التام بين الديمقراطية والإسلام , لكنّ الآن وصل إلى مستوى من القناعة أن : لا شرعية للنظام السياسي في زمن غيبة المعصوم , ولا حاكمية للأمة , إلاّ من خلال آلية الديمقراطية , ودعا صراحة الى حاكمية (العلمانية المؤمنة).
للشيخ شمس الدين العديد من الرحلات إلى الدول العربية في أواخر العقد الأخير من القرن العشرين , دعى بها الشيعة العرب إلى الإندماج في مجتمعاتهم التي يسكنون فيها، إضافة إلى سعيه الحثيث للمصالحة بين الأنظمة السياسية القائمة في تلك الدول وحركاتها الإسلامية المعارضة , وطالب بالمرجعية الوطنية , اي ان تكون لكل دولة فيها مرجعيتها الخاصة وليس كما هو سائد الان في المرجعيات العابرة للدول , لااعتقاده ان ذلك ربما يسبب تحسسا عند الحكومات السنية التي تحكم جماعات شيعية .
7 . السيد محمد حسين فضل الله : ولد في النجف عام 1935 ودرس العلوم الدينية في الحوزة العلمية في النجف، في سنّ مبكرة جداً. ففي حوالي التاسعة من عمره ، بدأ بالدراسة على والده السيد عبد الرؤوف فضل الله ، وتدرّج حتى انخرط في دروس الخارج في سنّ السادسة عشرة تقريباً ، فحضرعلى كبار أساتذة الحوزة آنذاك، أمثال: المرجع الديني أبو القاسم الخوئي، والمرجع الديني محسن الحكيم، ومحمود الشاهرودي، وحسين الحلي . كما اهتمّ فضل الله بالنشاط الثقافي في النجف ، فانتُخب عضواً في المجمع الثقافي لمنتدى النشر , وقد أصدر مع بعض زملائه - ومنهم السيد محمد مهدي الحكيم نجل المرجع السيد محسن الحكيم - مجلة خطّية باسم "الأدب". وعندما أصدرت جماعة العلماء في النجف مجلة (الأضواء) سنة 1960 - وهي مجلة ثقافية إسلامية - كان السيد فضل الله أحد المشرفين عليها مع السيد محمد باقر الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين , حيث ان السيد الصدر كان يكتب الافتتاحية الأولى فيها والسيد فضل الله الصفحة الثانية , وقد تم جمع هذه المقالات في كتاب "قضايانا على ضوء الإسلام". وعندما غادر النجف نقل عن السيد محمد باقر الصدر أنه قال : كل من خرج من النجف خسر النجف إلا السيد فضل الله خسره النجف.
انتقل محمد حسين فضل الله من العراق إلى لبنان في سنة 1966 بناء على طلب الاهالي ، وبدأ نشاطه التبليغي في مسجد الإمام علي في النبعة ، وأسس هناك حوزة المعهد الشرعي الإسلامي. وقد أنشأ عدة جمعيات خيرية ومقرات للأيتام والمستشفيات الخيرية .
توفي نهار الأحد الواقع في 04/07/2010 في مستشفى بهمن في حارة حريك إثر نزيف حاد اصابه في المعدة , وذلك بعد معاناة طويلة مع المرض. ودفن بجنب قاعة الزهراء الملحقة بمسجد الإمامين الحسنين في محلة حارة حريك في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت , بعد أن صلى عليه أخوه السيد محمد علي فضل الله.
اشتهر السيد فضل الله بآرائه الاجتماعية والدينية المعتدلة ، حيث أصدر عدة فتاوى أو آراء دينية بارزة ، من بينها تلك التي تحظرعلى الشيعة عادة ضرب الرؤوس بآلات حادة أثناء مراسم عاشوراء إحياء لمقتل الإمام الحسين , وكان أوّل من دعا إلى إثبات هلال شهر رمضان من خلال الأرصاد وعلم الفلك. كما أصدر عدة فتاوى ضد جرائم الشرف ، وكان يقول إن النساء اللواتي يتعرضن لسوء معاملة على أيدي أزواجهن يمكنهن ضرب أزواجهن دفاعا عن النفس . وأصدر السيد فضل الله فتوى شرعية بحرمة سبّ الصحابة وأمهات المؤمنين زوجات النبي محمد ، ويعتبر السيد فضل الله أول فقيه أفتى بطهارة كلّ إنسان بغض النظر عن دينه ومعتقده ، وكذلك أعتبر أن كلّ صيد البحر حلال إلا ما كان مضرّاً وساماً ، وأعتبر كذلك أن الغروب يتحقق بمجرد سقوط قرص الشمس ولا يشترط الأنتظار إلى ذهاب الحمرة المشرقية كما هو شائع بالفقة الجعفري , وبذلك اجاز الصلاة والافطار في شهر رمضان مع أذان أهل السنة . واجاز ايضا النظر للافلام الاباحية من اجل التخلص من البرود الجنسي والنظر للمراة الشبة عارية في اوربا واعتبر طلاء الاظافر عند النساء غير عازل للماء في الوضوء . كما طرح اراء جدلية كثيرة زعزعت ثوابت المذهب الشيعي منها نفي وجود الولاية التكوينية عند الائمة المعصومين , وشكك بوفاة السيدة الزهراء او مقتلها او كسر ضلعها في حادثة الباب , وشكك ايضا في صحة زيارة عاشوراء وفي حديث الكساء المشهور .
ثانيا : العامليون العلمانيون : تميز القرن العشرين بظاهرة لم تحصل سابقا في جبل عامل وهى تحول الطلبة الدارسيين في الحوزة العلمية في النجف من الدراسة الدينية الى النمط او المسار العلماني , وياتي هذا التحول في سياق التاثر بالتوجهات العلمانية التي اكتسحت الساحة الفكرية والسياسية في العراق بعد تاسيس الدولة عام 1921 وبما ان الشيعة في لبنان يتميزون - مثل اقرانهم شيعة العراق - بانهم عابري الهوية والطائفة , فان تلقيهم للمنظورات العلمانية وتبنيهم للمطاراحات الوطنية والقومية والليبرالية والماركسية كان تلقائيا وظاهرا , على اعتبار ان الهوية الشيعية لم تكن محل ترحيب ضمن الافق المعرفي والثقافي الاسلامي الكبير الذي تهيمن عليه المركزية السنية الحاكمة , وان التلاحم مع هذه الهوية سيشكل قيمة مضاعفة من الاقصاء والتهميش والاستهداف ان لم يكن التخوين والتكفير, وان الحل هو في التسامي عنها الى المنظورات الكونية والتعالي الى فضاء القيم العالمية التي عبرت عن روح العصر , وشكلت بالتالي اساسا للتلاحم والانصهار والتلاقي بين الاديان والمذاهب والقوميات والاثنيات المتعددة والمتباينة . ويبدو ان النزعة المساواتية بين الاقليات في العالم التي تطرحها القيم الليبرالية والتنويرية الحديثة هو من جعل المركزية السنية في حالة رفض وانفصام واغتراب مع تلك القيم الحضارية الغربية , لانها لاتتصور في يوم من الايام ان تتنازل عن مكانتها السامية والرفيعة , وان تكون في محل المساواة مع الشيعي والمسيحي واليهودي والصابئي او باقي الاقليات الاخرى . ومن اهم الشخصيات العاملية التي تحولت نحو المسار العلماني :
1 . الشهيد حسين مروة : ولد في لبنان عام 1907من عائلة متدينة , ارسله والده الى النجف للدراسة الحوزوية , واستمر بهذا المجال من عام 1924 وحتى عام 1938 . ترك بعدها الدراسة الدينية واتجه الى السياسة والادب ، وانضم الى الحزب الشيوعي العراقي ، متاثرا بالقراءات التي كان يقوم بها في المكتبات العامرة هناك , حتى قال عبارته الشهيرة (تعلمت الماركسية في النجف) , ويقال انه تاثر بكراس البيان الشيوعي الذي اعاره له القيادي العراقي حسين محمد الشبيبي . عين فترة من الزمن مدرسا في مدينة الناصرية , شارك في تظاهرات عام 1948 ضد معاهدة (برتسموث) , ادى بالحكومة الى اسقاط الجنسية العراقية عنه , كتب خلالها مقالا في جريدة الاحرار البغدادية عام 1949 بعنوان (انا عراقي ..وان) وعاد الى بلده الاصلي لبنان , واصبح واحدا من اهم المنظرين والمفكرين الماركسيين في العالم العربي ، ومن كبار قادة الحزب الشيوعي اللبناني . الا انه اغتيل اثناء الحرب الاهلية اللبنانية في بيروت عام 1987 رغم عمره الذي قارب الثمانين عاما . وعند احتفالية التابين قال المنظر الماركسي المعروف مهدي عامل (قتلوك لانك شيعي وشيوعي) . ويعد كتابه (النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية) في اربع اجزاء , واحدا من اهم التطبيقات والتنظيرات الماركسية على المطارحات الفلسفية والفكرية والكلامية في التاريخ الاسلامي .
واما حياته الصحفية والادبية فهى متعددة , احتوت على محطات عدة ابرزها رئاسته لتحرير مجلة (الطريق) الشهيرة من عام 1966 حتى 1987، وعضواً في مجلة النهج الصادرة عن مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، وكتب في جريدة الحياة زاوية يومية بعنوان (مع القافلة) , كما درّس الشهيد مروة مادة (فلسفة الفكر العربي) في الجامعة اللبنانية – بيروت.
أصدر العديد من الكتب اهمها :
1)الثورة العراقية
2)قضايا أدبية.
3)دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي.
4)تراثنا كيف نعرفه.
5)النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية.
6)ولدت شيخاً وأموت طفلاً (سيرة ذاتية).
7)دراسات في الإسلام ـ بالاشتراك مع باحثين ـ.
2 . الاديب محمد علي شرارة : ولد في قرية بنت جبيل في جنوب لبنان عام 1907 وهاجر ايضا الى العراق لدراسة العلوم الدينية في النجف ، الا انه ترك الدراسة مثل زميله الشهيد حسين مروة , واتجه الى الادب والسياسة والثقافة , وانضم الى الحركات الماركسية الاولى في العراق . وكانت علاقته مع السلطات في العهدين الملكي والجمهوري متوترة على الدوام , حتى انه تعرض الى الابعاد مرات عديدة . له العديد من المؤلفات الادبية والسياسية , عين فترة من الزمن مدرسا في مدينة الناصرية , في العام 1948 شارك في الانتفاضات الشعبية على الوضع القائم ، فاعتقل في كانون الثاني 1949 وظل معتقلا زهاء الشهرين ثم فصل من وظيفته. بعد اعتقاله الأول اشتغل في بعض الأعمال التجارية ، ولكنه سرعان ما ترك التجارة وعمل في احدى المدارس الأهلية. اعتقل ثانية في العام 1952 وقدّم للمحاكمة فحكم عليه بالسجن سنة واحدة. بعد انقضاء فترة الحكم عليه , رجع إلى لبنان سنة 1954 وقام بالتدريس في احدى المدارس الأهلية ايضا , وظل يواصل الكتابة والنشر حتى العام 1958 حين قامت حركة 14 تموز فعاد إلى العراق , وأعيدت إليه حقوقه في مجال عمله وعاد إلى التدريس والكتابة. ولكنه سرعان ما اختلف مع النظام الجديد , فقبض عليه وحكم بالسجن ثلاثة أشهر. عاد بعدها عام 1961 إلى لبنان. في عام 1962 دعي لتدريس اللغة العربية في جامعة بكين في الصين، وعمل في الترجمة في مجلة (بناء الصين) ، فلم يلبث في هذا العمل سوى بضعة شهور. ترك الصين وسافر إلى لبنان وبقي فيه حتى العام 1968 مارس خلال ذلك التدريس والكتابة والترجمة ونظم الشعر، ثم عاد إلى العراق وظل فيه حتى السنة 1974 حيث عاد إلى لبنان مرة اخرى وسكن في بلدته الأولى بنت جبيل، ولكن قيام احداث الحرب الاهلية سنة 1975 في لبنان اضطرته إلى العودة إلى العراق صيف سنة 1976 وهناك توفرت له أسباب الكتابة والمطالعة بعد أن كانت قد خفت عنه الأعباء العائلية بتخرج أبنائه وبناته من الجامعات. توفي في بغداد عام 1979 ودفن في النجف . وهو والد الاديبة والمترجمة المعروفة حياة شرارة , التي كانت ولادتها في النجف عام 1935 وانتحرت بقصة ماساوية مع ابنتها (مها) في بغداد عام 1997 . والكاتبة بلقيس شرارة زوجة المعماري رفعت الجادرجي ابن السياسي العراقي الليبرالي المعروف كامل الجادرجي .
قال في قصيدة ، وهي من شعره عندما كان مدرسا في ثانوية الناصرية (جنوب العراق) :
على وحي الهوى خفقت بنودي وفي نغماته دوى نشيدي
بمدرسة العواطف رف قلبي وبين ضلوعها رفت مهودي
انا الذكرى التي طارت وحامت على الدنيا بأجنحة الخلود
أنا الحب الذي ربط البرايا بأسلاك أشد من الحديد
تهز الكائنات بمن عليها إذا ما استيقظت نغمات عودي
أرق من الهوى لغة وأحلى من النشوى وتمتمة الوليد
سكبت على القلوب ندى رقيقا كأنداء الصباح على الورود
دعوني املأ الدنيا حنانا وأشدو بالنشائد والقصيد
على شفتي جميل طاف لحن شجي عبقري من نشيدي
وفي ديوان قيس لاح ضوء سماوي مشع من وجودي
ومن روحي أطل الوحي شعرا على (ولادة) وأبي الوليد
وكان الشهيد حسين مروة ومحمد علي شرارة قد اسسوا في عام 1925 مع بعض طلبة الحوزة المتنوريين من جبل عامل - اهمهم هاشم الامين ومحسن شرارة وعلي الزين - جمعية أطلقوا عليها اسم "الشبيبة العاملية ـ النجفية" تهدف إلى رقي العلوم وتجديد الأدب ومحاربة التقليد الأعمى . وقد ابتعدوا بعض الشيء عن نظام التدريس ، والبحث عن قيم ومقاييس أدبية جديدة. وقد كانوا متأثرين للغاية بالمؤلفين المصريين: طه حسين، محمّد حسين هيكل، أحمد أمين، العقاد، وأحمد شوقي . ونشروا مقالاتهم واشعارهم في الصحف والمجلات العراقية والعربية امثال العرفان والهاتف لجعفر الخليلي وغيرها .
3 . الشاعر عبد الروؤف الامين (فتى الجبل) :. ولد في قرية شقرا في جنوب لبنان عام 1900 واكمل دراسته الابتدائية والثانوية في سوريا , وحصل على شهادة البكالورويس في الادب العربي من الجامعة السورية في دمشق عام 1933 , وهو اول عاملي يتخرج من هذه الجامعة . واخذ ينشر قصائده السياسية خلال تلك الفترة باسم مستعار هو (فتى الجبل), سافر بعدها الى العراق عام 1939 وعين مدرسا في الحلة والنجف , ثم في ثانوية المنتفك (الناصرية) مدرسا للادب العربي , ومحررا في جريدة الهاتف البغدادية . عاد الى لبنان عام 1945 بسبب الاضطراب السياسي في العراق , وعين مفتشا تربويا ثم موظفا في وزارة الشوؤن الاجتماعية حتى احالته الى التقاعد . توفى في بيروت عام 1970 , له عدة دوواين شعرية جمعت كلها في ديوان واحد عام 1996 . وال الامين هم من اهم العوائل العلمية في لبنان و ويعود اصلهم الى الحلة في العراق , هاجر قسم من اجدادهم الى لبنان واستقروا هناك , وظهر عندهم علماء مجددين ومصلحين ومن اهمهم السيد محسن الامين العاملي والمنظر الليبرالي محمد حسن الامين والكاتب والباحث المعروف حسن الامين وغيرهم .
4 . المنظرالماركسي كريم مروة : ولد في عام 1930 في بلدة حاريص العاملية (جنوب لبنان)، وختم القرآن وهو في عمر الثامنة، ثم تابع دراسته على شيوخ قريته، وعندما بلغ السابعة عشر من عمره أي في العام 1947 ، أرسله والده الشيخ أحمد مروه إلى النجف الأشرف لمتابعة دراسته فيها مع ابن عمه حسين مروة , الذي تخلّى عن العمامة وأخذ يدرّس هناك ، فتبعه على ذلك ، وفي عام 1948 وقعت الإضطرابات في العراق ضد معاهدة بورتسموث (الوثبة) وشارك فيها كريم مروة , وأصبح يُعدّ من الشيوعيين العراقيين. وبعد فشلها , عاد إلى لبنان في عام 1949 منتسبا إلى الحزب الشيوعي فيه، وتمّ تعيينه معلّما لمدة سنتين في بلدة شمسطار البقاعية.
في عام 1952 دخل دار المعلمين وانتسب إلى الجامعة اللبنانية في قسم الأدب العربي. وترأس في نفس العام وفد (الشبيبة الديموقراطية اللبنانية السورية) إلى المؤتمر العالمي ل(إتحاد الشباب الديموقراطي)، وأصبح عضوا في اللجنة التنفيذية وفي الهيئة القيادية اليومية للإتحاد . وفي اواخر الخمسينيات عمل في تحرير جريدة النور التي كان يصدرها الحزب الشيوعي في سوريا، وكان وقتها الحزب الشيوعي موحدا بين سوريا ولبنان . وعندما وقعت الإنتفاضة في بيروت ضد كميل شمعون عام 1958 ، ترك سوريا والعمل في الجريدة وتوجه إلى لبنان , وشارك بالأعمال العسكرية وكان مسؤولا عن مستودعات الأسلحه في بيروت.
على إثر انفصال الحزب الشيوعي السوري عن الحزب الشيوعي اللبناني تم تعيينه عضوا مرشحا في المكتب السياسي . وفي عام 1966 أصبح عضوا أصيلا في مكتب الحزب وفي أمانته . انفجرت أزمة بينه وبين جورج حاوي من جهة وبين الحرس القديم في الحزب الشيوعي من جهة ثانية , على خلفية تدخّل السوفيات في قرارات الحزب والاشكالات المتعلقة بخصوص فهم النصوص الإشتراكية والماركسية، فتقرّر إرساله إلى موسكو لإعادة تأهيله في مدرسة الحزب الأممية هناك.
عمل خلال المؤتمر الثاني والثالث (1966 و 1972) في الحزب الشيوعي اللبناني على إصدار قرارات تاريخية منها العلاقة الغير مشروطة مع الإتحاد السوفياتي ، وإعادة النظر ببعض مفاهيم ماركس، والتخلّي عن دكتاتورية البروليتاريا واعتبارها غلطة تاريخية ، والتأكيد على أن الإشتراكية هي ديموقراطية في أساسها ، كما عمل في هذين المؤتمرين على إعادة الإعتبار للقضية القومية والفلسطينية. وفي المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي في العام 1999 قرر عدم ترشيح نفسه لأي مقعد في الحزب , وتفرّغ للكاتبة ونقد التجربة السابقة .ونشر مايقارب العشرين كتابا في الفكر العربي الحديث .
5 . السيد هاني فحص : ولد السيد في بلدة جبشيت (النبطية) عام 1946 وتوفى عام 2014 ، تلقى الدراسة الابتدائية في القرية والمتوسطة في مدينة النبطية. تابع دراسته الثانوية و نال شهادة الدروس الثانوية (الموحدة السورية) كطالب حر. بعدها هاجر إلى النجف عام 1963 ودرس في حوزتها الدينية، ونال إجازة (بكالوريوس) في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية الفقه في النجف.
عاد من العراق عام 1972 ليستقر في بلدته جبشيت . انتسب إلى حركة فتح الفلسطينية ايام وجودها في لبنان، وهو عضو في المؤتمر الدائم للحوار اللبناني ، كذلك فهو عضو في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى . ترشّح للانتخابات الفرعية عام 1974 متحالفا مع كمال جنبلاط، ولكن سرعان ما انسحب من المعركة بسبب اعتراض السيد موسى الصدر آنذاك. عاد وترشح للانتخابات النيابية عام 1992 عن محافظة النبطية ولم يحالفه الحظ . مارس عمله الديني إماما لبلدة جبشيت من العام 1972 وحتى العام 1975 شارك في تأسيس وتفعيل منتدى ادباء جبل عامل مع عدد من الأدباء والشعراء الجنوبيين . شارك في قيادة انتفاضة مزارعي التبغ المطلبية عام 1972.
عندما بدأت الثورة الإيرانية عام 1979 على إنشاء التواصل بين ياسر عرفات والامام الخميني، ورافق ياسر عرفات على نفس الطائرة التي زارت إيران بعد أيام من انتصار الثورة الإيرانية ضد الشاه . و في عام 1982 سافر إلى إيران مع عائلته وأقام فيها حتى العام 1985، عمل خلالها مستشاراً في مكتب إعلام الحوزة في قم ، ومشرفاً على مجلة (الفجر)، كما أقام علاقات مع بعض المراجع فيها مثل الشيخ منتظري وغيرهم. وخلال أيام وجوده في إيران سافر في بعثات خارجية مع الإيرانيين إلى الغابون ومدغشقر وكينيا والكاميرون في نشاطات تهدف لتسليط الضوء على القضية الفلسطينية .
يعتبر السيد هاني فحص من الأعضاء المؤسسين للفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي، وكذلك من المؤسسين (للقاء اللبناني للحوار) كما انه عضو في الهيئة الشرعية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ومن المقربين لرايسه الشيخ محمد مهدي شمس الدين. وعين عضوا في الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين واستقال منه بعد المؤتمر الأول. وفي أكاديمية أهل البيت في عمان في الأردن، وكذلك في منتدى الوسطية في عمان أيضا. واصبح عضوا في مجلس إدارة ومجلس أمناء مؤسسة ياسر عرفات الخيرية الثقافية.
6 . محمد حسن الامين : وُلد في بلدة شقرا التابعة الى قضاء بنت جبيل سنة 1946 ، تابع دراسته الابتدائية والمتوسطة في بلدته في نفس الوقت الذي كان يتابع فيه دراسته على يده والده في علوم اللغة والنحو والصرف والمنطق . هاجر إلى النجف عام 1960، فدخل كليّة الفقه وتخرّج منها في العام 1967 ، ثم تابع دراساته العليا حتى العام 1972، حيث عاد إلى جبل عامل وسكن بلدته شقراء حتى العام 1975 واصبحت له علاقة مع الشهيد حسن الشيرازي . دخل سلك القضاء الشرعي الجعفري وعُين قاضياً في مدينة صور حتى عام 1977 حيث انتقل إلى مدينة صيدا , وبقي رئيساً لمحكمتها حتى سنة 1997 حيث نُقل إلى المحكمة العليا مستشاراً وما زال حتى الآن.
كتب الشعر في فترة مبكرة من عمره. وشارك في إصدار وتحرير (مجلة النجف) مع نخبة من الأدباء والكتاب , وشارك في إصدار وتحرير (مجلة الكلمة) ومجلة (عبقر) أيام تواجده في النجف . وللسيد الامين اراء اصلاحية وعصرية ادرجها في مؤلفاته ومقالاته ولقاءاته الصحفية والتلفزيونية , ومن اهم مؤلفاته :
الاجتماع العربي الإسلامي
نقد العلمنة والفكر الديني
بين القومية والإسلام
الإسلام والديموقراطية
مساهمات في النقد العربي
وضع المرأة الحقوقي بين الثابت والمتغير
حقوق وواجبات المرأة المسلمة في لبنان (مع آخرين)
الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، سمو الذات وخلود العطاء.
تميزت اراء السيد محمد حسن الامين بغلبة النزعة الليبرالية والتنويريه الظاهرة عليها , مع انتقاد لافت للنظر للايديولوجيات الدوغمائية والراديكالية مع تاكيد على اهمية الحرية والتعددية والديمقراطية , ففي مسار انتقاده للايديولوجيا قال السيد الامين : الإيديولوجيا هي نظام فكري سياسي يعطى طابع القداسة، وقد تكون هذه الإيديولوجيا دينية وقد تكون غير دينية كالإيديولوجيا الماركسية. فالإيديولوجيا منهج بشري ورؤية بشرية يراد لها أن تكون ذات سطوة وقداسة، وبالتالي فالإيديولوجيا هي ضد العقل، وهي إذا كانت دينية هي نظام فكري ديني ورؤية للدين وتفسير له يتحوّل إلى عقيدة، وهنا تكمن الخطورة في أنها تحوّل رؤيتها للدين إلى عقيدة، وبالتالي تستبعد دور العقل. نحن أمة استطاعت الأدلجة أن تنخرها نخراً، وأن تسبب لها الهزائم والمشاكل، وبالتالي فأنا ضد الإيديولوجيا حتى لو كان فيها فائدة. ستالين أنجز الصناعة في روسيا ولكنه قتل عشرات الملايين من الروس، فالاستبداد يمكن أن ينجز أموراً إيجابية، ولكنه رغم ذلك مرفوض، وبالتالي الإيديولوجيا قد تكون فيها منافع أحياناً، ولكنها في مآلاتها الأخيرة هي تصادر العقل الذي نحن أحوج ما نكون إليه كما قلت في مقدمة كلامي، نحن أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار للعقل، وتقديس الإيديولوجيا هو جزء من استبعاد العقل.
وحول موقفه من الليبرالية قال السيد الامين في احدى الحوارات الفكرية معه : لست ميالاً لاستعمال مصطلح الإسلام الليبرالي. ولكنني ميال إلى اكتشاف القيم الجوهرية والإيجابية في النزعة الليبرالية التي نشأت في سياق التطور الغربي للمجتمعات السياسية في الغرب. ومن دون شك أن الليبرالية الحرية وقيام المجتمع على النظام الحر وحرية الفرد بالذات، أنا أنظر إليها بإعجاب حينما أرى هذه المجتمعات استطاعت أن تتخطى أطواراً كثيرة في تقدمها ولكن أظن أن الاجتماع الإسلامي لا يمكنه أن يكون ليبرالياً بالمعنى الغربي للكلمة، ذلك أن لدينا نحن المسلمين رؤيا للإنسان وللكون وللتاريخ. في الليبرالية توجد حرية الفرد المطلقة وعدم التدخل في شؤونه الخاصة بصورة مطلقة أيضاً. فنشهد الآن مثلاً في الغرب أن عدم وجود نظام أو نسق للقيم الأخلاقية كان بسبب هذه الليبرالية، ونجد أن هناك مفاسد كثيرة يشهدها المجتمع في العالم الغربي. أنا أعتقد أن المجتمع الإسلامي محصن ضد هذا النوع من الليبرالية. بقدر ما يحتاج المجتمع الإسلامي إلى جرعة الحرية الكبيرة جداً، بقدر ما هو محتاج إلى هذه القيم الدينية والأخلاقية. فيمكن إذن أن نأخذ من الليبرالية حسناتها، ولكن لسنا مجبرين أن نأخذ سيئاتها. ونحن ننتمي إلى نسق قيم جاء به الإسلام، يعني مثلاً وفي المنطق الليبرالي يحق للإنسان أن يشرب الخمرة أن يزني أن أن أن... إلخ ولكن أين هي نتائج ذلك في المجتمع الغربي؟! أين تفكك الأسرة في المجتمع الغربي؟! أين المفاسد والظلم الذي يقع على الإنسان في المجتمع الغربي؟ ومن هنا فإن الليبرالية في معناها السياسي وبمعنى حرية الفرد أي أن يقول وفي ان يقرر وفي أن يكون فاعلاً في المجتمع أنا أعتقد أن المسلمين مدعوون إلى الأخذ بها لأنها من المسائل الضرورية والحيوية في الاجتماع الإسلامي دون البعد الأخلاقي الذي لسنا بحاجة إليه لأن عندنا نسقاً قيمياً يؤمن به المسلمون ويشكل عاصماً لهم دون الوقوع في السلبيات التي وقع بها الغربيون أنفسهم.
7 . حسن الامين : ولد في دمشق في العام 1908 . وهو من أسرة علمية أصلها من بلدة شقرا العاملية (جنوب لبنان) كان والده (السيد محسن الأمين) قد هاجر إلى النجف لتحصيل العلوم الدينية فيها، وعاد واستقرّ في إحدى ضواحي دمشق حيث أسس فيها مدرسة عُرفت فيما بعد بالمدرسة المحسنية . عاش بدايات طفولته في دمشق، وبقي فيها حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 . بعد انتهاء الحرب عاد مع والده إلى دمشق، والتحق بالمدرسة العلوية (التي أصبحت بعد ذلك المدرسة المحسنية) .
كتب أول مقال أدبي له في مجلة العرفان وهو في سنّ الخامسة عشرة من عمره , وتوسّط له مدير المدرسة الأستاذ أديب التقي لنشره رغم عّلاته كما يعبّر السيد حسن الأمين . وفي عام 1927 ميلادي نصحه والده بالذهاب إلى النجف ومتابعة تحصيل العلوم الدينية فيها ، فوصل اليها معتمرا الطربوش على رأسه كعادة الشاميين والمصريين انذاك ، إلا ان بعض معارفه نصحه ان يستبدل الطربوش بالعمامة مراعاة للتقاليد النجفية ، لكنه لم يلبث في النجف أكثر من ثلاثة أسابيع , غادر بعدها العراق وعاد إلى أسرته , لأنه لم يقتنع بأساليب الدراسة هناك .
لم يجد في سوريا ولبنان عملا أو وظيفة رسمية، وذلك بسبب مناهضته للفرنسيين، مما اضطره للبحث عن العمل في العراق , فعين أستاذا للأدب العربي في ثانوية الحلة عام 1938, وفي عام 1940 انتقل من الحلة إلى دار المعلّمين الريفية في الرستمية في ضواحي بغداد. واستمرّ فيها أستاذا للأدب العربي فترة من الزمن حتى تركها عائدا الى لبنان .
في ايلول عام 1942 تم تعيينه حاكما لمحكمة النبطية . وفي صيف 1945 عاد إلى العراق مرة اخرى أستاذا للأدب العربي في معهد (الملكة عالية) للبنات , وكان الشعر الحديث (الشعر الحر) في أول أيامه آنذاك ، فعمل على نشر قصائد لنازك الملائكة في مجلة العرفان , وكانت أولى القصائد التي تُنشر لها، ومن دون علمها . وفي العام 1949 وبعد أربعة أعوام قضاها في العراق ، عاد إلى دمشق وأقام متنقلا بينها وبين بيروت وشقرا ولازم والده الذي توفي في العام 1952 . عكف بعدها على متابعة إصدار سلسلة (أعيان الشيعة) التي كان السيد محسن الأمين قد وصل فيها إلى الحرف (سين) وبعد فراغه من هذه السلسلة , تفرّغ للكتابة والتأليف والبحث وأخرج أكثر من خمسين مؤلفا في التاريخ والفكر والادب .
لم يتزُوّج حسن الأمين ومات عازبا, رغم أنّه أحب أكثر من مرّة في حياته ، ففي العراق كان له أكثر من حبّ ، وفي الأرجنتين أحبّ إحدى الأديبات هناك ، وفي خريف عمره كان يخلد إلى خلوة حميمة مع امرأة من عائلة مرموقة كانت تبادله الإعجاب والمودة والمحبة ، وقد توفيت قبله فبكاها شعرا , توفى عام 2002 .
ثالثا : العامليون الثوريون : يتميز النمط الثوري العاملي بانه مسارات الرفض والمقاومة عنده موجهه الى الخارج , وتحديدا الى دولة اسرائيل المجاورة لجنوب جبل عامل التي كانت تحتل ارضا لبنانية منذ عام 1978 تصاعدت مع الاكتساح الشامل عام 1982 ووصولها حتى العاصمة بيروت , ولم تكن الظاهرة الثورية موجهه الى الداخل , كما هو حاصل في العراق مثلا وباقي الشعوب العربية التي يهيمن عليها الطابع الاستبدادي والطائفي والاثني والعائلي في الحكم , وذلك بسبب توفر الحرية والتعددية الثقافية والسياسية في لبنان اولا , وطبيعة النظام التوافقي – الطائفي الذي تاسس وفق وصايات دولية وصيرورات تاريخية تبلورت في القرن التاسع عشر ثانيا . ويرجع السبب الاساس في تصاعد النمط الثوري العاملي – الشيعي في لبنان – وحتى غيره في المجتمعات الشيعية – الى حالة الاستلهام والتاثر بالثورة الاسلامية الايرانية عام 1979 التي ايقظت الهوية الشيعية المكبوتة والمقموعة من قبل المركزية السنية في العالم الاسلامي , فكان ااوضح تجلياتها وتاثيراتها المباشرة تاسيس حزب الله اللبناني . ومن اهم الشخصيات العاملية الثورية التي درست في العراق خلال القرن العشرين :
1 . الشيخ راغب حرب : اول امين عام (غير رسمي) لحزب الله اللبناني . ولد عام 1952 في السابعة من عمره، دخل المدرسة الرسمية في بلدته جبشيت، ليتلقى فيها علومه الأولى، ثم توجه بعدها إلى منطقة النبطية لمتابعة المرحلة التعليمية المتوسطة.‏ في أوائل العام 1969 غادر الشيخ بلدته إلى بيروت لطلب العلم , وبعد سنة عاشها في مسيرة العمل الإسلامي ذهب إلى النجف قاصدا حوزاتها العلمية .‏ هناك تتلمذ على أيدي أساتذتها الكبار.‏ ثم عاد الشيخ إلى لبنان عام 1974 بسبب مضايقة ومطاردة النظام البعث في العراق انذاك للعلماء الشيعة وطلاب العلم الأجانب. بعد ثلاث سنوات من إقامته في النجف ، تتلمذ فيها على يد عدد من العلماء وتعرف فيها على الشهيد السيد محمد باقر الصدر والسيد عباس الموسوي, رجع الشيخ إلى لبنان , ووضع بيته في النجف، تحت تصرف صديقه العراقي "الشيخ فالح".
أقام بعد عودته من العراق في مسقط رأسه في جبشيت. ومع بروز حركة السيد موسى الصدر المطلبية التي توجها بإنشاء (حركة المحرومين) وجناحها العسكري المقاوم أفواج المقاومة اللبنانية (أمل) كان الشيخ راغب من أوائل الملتحقين بها , حيث كان لدروسه الأثر الكبير في نفوس العاملين الذين انضموا إلى الحركة.
أولى الشيخ العمل الإنساني أهمية كبرى وكان يزور الفقراء البائسين ليستكشف أحوالهم ويتفقد أمورهم.‏ وقد أنشئ الشيخ بالتعاون مع "الجمعية الخيرية الثقافية" "مبرة السيدة زينب (ع)" لمساعدة الفقراء والأيتام.‏ . كما أنشأ الشيخ "بيت مال المسلمين" بما كان يتوفر من إمكانات متواضعة وهي جمعية للقرض الحسن. وقد استطاعت هذه القروض البسيطة حلّ العديد من المشاكل المالية لدى قطاع واسع من المواطنين , وقد سعى في بناء مدرسة ابتدائية للأطفال أرض عائدة للوقف في بلدة الشرقية .
في حزيران 1982 بدا الاجتياح الاسرائلي لجنوب لبنان وتصاعد بسبب التواجد الفلسطيني المسلح في المنطقة الذي يقوم بعمليات ضد الاسرائيليين , ونظم راغب حرب العمل العسكري المسلح ضد هذا الوجود من خلال تنظيمات حركة امل والمقاومة الاسلامية اللبنانية التي تطورت لاحقا الى تنظيم حزب الله , وكانت اغلبية المواجهات والعمليات العسكرية تحصل مع التنظيم المسلح اللبناني التابع الى الجيش الاسرائيلي والذي يطلق عليه تسمية (العملاء) برئاسة سعد حداد وانطوان لحد .
في 16 شباط من عام 1984 قام الاحتلال الإسرائيلي عبر اتباعه باغتيال الشيخ راغب , وحصل ذلك بعد أن أنهى الشيخ قراءة دعاء كميل وتوجه للسهر مع بعض إخوانه في بيت بجوار منزله , وأثناء خروجه اطلق الرصاص عليه. وكان استشهاد الشيخ راغب حرب من الأحداث الحاسمة في مسيرة المقاومة في لبنان , فقد أججت أعمال المقاومة وزاد من فعاليتها . وأطلق عليه لقب (شيخ الشهداء) . وقد نعاه نبيه برّي زعيم حركة امل بعبارته الشّهيرة :" لقد تحوّل كلّ راغبٍ بالحرب إلى راغب حرب "
2 . صبحي الطفيلي : ولد في عام 1948 في بلدة بريتال اللبنانية (في منطقة البقاع اللبنانية) . تلقى علومة الأولى في منطقته متأثّر بالخطاب الإسلامي , وسافر إلى النجف لاكمال دراسته الدينية فيها , كان أبرز أساتذته فيها السيد محمد باقر الصدر . انتسب إلى صفوف حزب الدعوة أبان وجوده في النجف . وفي عام 1979 عاد إلى لبنان واسس تجمعا أطلق "تجمع علماء المسلمين" الذي ضمّ العديد من العلماء المسلمين، واتخذ من منطقة البقاع مقراً له.
بعد انتصار الثورة في إيران في عام 1979 , ساعد الحرس الثوري الإيراني على العبور إلى لبنان وتدريب مجموعات خاصة لمقاومة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 , شارك مع مجموعة من قيادات العمل الإسلامي والميداني في تأسيس حزب الله اللبناني , انتخب كأول أمين عام لحزب الله اللبناني وذلك في العام 1989م. وركّز في عهده على تصعيد عمليات المقاومة الإسلامية المسلحة ضد الوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني .
في عام 1991 جرت انتخابات ثانية في حزب الله , وتم انتخاب السيد عباس الموسوي خلفا له ، عاد الشيخ صبحي الطفيلي كواحد من أعضاء مجلس شورى حزب الله . بعد استشهاد السيد عباس الموسوي في عام 1992، كان الشيخ صبحي الطفيلي هو من أعلن باسم مجلس شورى حزب الله ، بيان تنصيب السيد حسن نصرالله أمينا عاما , وذلك قبيل دفن السيد عباس الموسوي. في الانتخابات النيابية اللبنانية العام 1992 اعترض الشيخ صبحي الطفيلي على دخول حزب الله إلى البرلمان اللبناني , تطورت الى قيام الحزب بفصله عام 1998 بعد تنظيمه عصيانا مدنيا ضد الحكومة اللبنانية دون موافقة الحزب , وقد تبنى لاحقا مواقف مضادة كليا من الحزب وايران حتى انه دعم الثورة السورية التي اندلعت عام 2011 ضد الرئيس بشار الاسد .
3 . السيد عباس الموسوي : ثاني امين عام لحزب الله اللبناني . ولد عام 1952 في منطقة الشياح في الضاحية الجنوبية . درس العلوم الإسلامية في النجف في العراق على يد اعلام بارزين عرفوا بالاصلاح والثورية امثال السيد محمد باقر الصدر ومحمد باقر الحكيم ، ودّع العراق بعد تسع سنوات قضاها هناك (1970- 1979) , بسبب الملاحقات التي قامت بها السلطة البعثية لرجال الدين ، وكان أول عمل قام به بعد عودته الى لبنان هو جمع طلاب العلوم الدينية الذين أُبعدوا من النجف في حوزة واحدة ،اطلقوا عليها حوزة الإمام المنتظر، في مدينة بعلبك, وذلك بدعم وتمويل السيد محمد حسين فضل الله . سعى بعدها إلى تأسيس تجمع العلماء المسلمين في عام 1979، ليكون أول تجمع علمائي في لبنان ويتسع لاحقاً ليضم الموالين للثورة الإيرانية .‏‏ ساهم سنة 1982 في تأسيس حزب الله ، وأصبح في سنة 1985 مسؤول شورى الحزب في الجنوب. انتخب أميناً عاماً له سنة 1991 خلفا للشيخ صبحي الطفيلي . في عام 1992 اغتالته إسرائيل إثر عودته من احتفال بذكرى اغتيال الشيخ راغب حرب أقيم في قرية جبشيت في جنوب لبنان من خلال صاروخ اطلق من طائرة . خلفه في أمانه الحزب السيد حسن نصر الله .
4 . السيد حسن نصر الله : أمين عام حزب الله اللبناني منذ عام 1992 وحتى الان . وُلد في عام 1960 في بلدة البازورية الجنوبية القريبة من مدينة صور (10 كلم شرقي صور) عام 1960. اضطر وبسبب ضيق حال العائلة , وانعدام فرص العمل في بلدته الجنوبية التي كانت تشكو كغيرها من قرى وبلدات المنطقة من الفقر والإهمال والحرمان للنزوح مع عائلته إلى مدينة بيروت , وهناك أقامت العائلة في منطقة الكرنتينا في أطراف العاصمة , مساعدا والده السيد عبد الكريم نصر الله في بيع الخضار والفاكهة.
أتم دراسته الابتدائية في مدرسة حي "النجاح"، ثم درس في مدرسة سن الفيل الرسمية. وبعد أن اندلعت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 رجع مع عائلته إلى بلدته البازورية في الجنوب , وهناك تابع دراسته الثانوية في مدرسة ثانوية صور الرسمية للبنين. وخلال وجوده في البازورية التحق حسن نصر الله بصفوف حركة أمل التي أسسها السيد موسى الصدر، وكان خياره يبدوغريبا حينها عن توجهات البلدة السياسية التي كانت تأخذ الطابع الشيوعي والماركسي , وذلك لكثرة الشيوعيين الموجودين فيها إبان ذلك الوقت، ثم أصبح مندوب الحركة في بلدته.
في مدينة صور تعرّف نصر الله إلى محمد الغروي الذي كان يقوم بتدريس العلوم الإسلامية في إحدى مساجد المدينة باسم السيد موسى الصدر، وبعد مدة من لقائهم طلب نصر الله من الغروي مساعدته في الذهاب إلى مدينة النجف ، وبالفعل فإن الغروي ساعده في الذهاب إلى النجف بعد أن حمّله كتاب توصية للسيد محمد باقر الصدر ، وبوصوله إلى النجف لم يكن قد بقي بحوزة نصر الله قرشا واحدا، وهناك سأل عن كيفية القدرة على الاتصال بمحمد باقر الصدر, فدلوه على شخص يدعى عباس الموسوي، وعندما التقى به خاطبه نصر الله بالعربية الفصحى ظنا منه أنه عراقي , لكنه فوجئ بأن الموسوي لبناني (والذي سيكون امين عام حزب الله لاحقا) من بلدة النبي شيث البقاعية , وهذا اللقاء كان محور تغير هام في حياة نصر الله، كونه قد اسس الى صداقة قوية ومتينة ستقوم بين الرجلين الذين كتبا فصلا هاما من تاريخ لبنان الحديث , عبر مساهمتهما في إنشاء وتأسيس حزب الله اللبناني عام 1982 .
بعد لقاء نصر الله بمحمد باقر الصدر، طلب الصدر من الموسوي رعاية نصر الله والاعتناء به وتأمين ما يلزم له من مال واحتياجات , كما عهد له بتدريسه، وكان الموسوي صارما في دوره كمعلم , وبفضل تدريسه المتشدد استطاع طلابه أن ينهوا خلال سنتين ما يعطى عادة خلال خمس سنوات في الحوزة، هذه الأجواء أمّنت لنصر الله الفرصة بإنهاء علومه الدينية في فترة سريعة نسبيا حيث أنهى المرحلة الأولى بنجاح في العام 1978.
في هذه الفترة كان المناخ السياسي العراقي قد بدأ بالتغير بشكل عام , حيث أخذ نظام البعث الحاكم بالتضييق على الطلبة الدينيين من مختلف الجنسيات، ويبدو أن وضع الطلبة اللبنانيين كان أسوأ من غيرهم , حيث بدأت التهم تلاحقهم يمينا وشمالا, تارة بالانتماء إلى حزب الدعوة , وتارة أخرى بالانتماء إلى حركة أمل , وأيضا بتهم الولاء إلى نظام البعث السوري الحاكم في سوريا والذي كان في عداوة مطلقة مع نظام البعث العراقي .
في أحد تلك الأيام اقتحم رجال الأمن العراقي الحوزة التي كان يدرس بها نصر الله بهدف إلقاء القبض على عباس الموسوي , الذي كان حينها مغادرا إلى لبنان , فلم يجدوا سوى عائلته فأخبروها بمنعه من العودة مجددا للعراق. ومن حسن حظ نصر الله أنه لم يكن موجودا في الحوزة حينها , حيث تم اعتقال رفاقه الباقين، وهنا أدرك أنه لم يعد هناك مجالا للبقاء بالعراق , فغادر عائدا على وجه السرعة إلى لبنان قبل أن تتمكن السلطات العراقية من إلقاء القبض عليه. وبعد أن عاد نصر الله إلى لبنان التحق بالحوزة الدينية في بعلبك , وهناك تابع حياته العلمية معلما وطالبا ، إضافة إلى ممارسته العمل السياسي المقاوم ضمن صفوف تنظيم حركة أمل الشيعية التي كانت قد بلغت أوجها في ذلك الحين .
في عام 1992 اغتالت إسرائيل أمين عام حزب الله عباس الموسوي فتم الاتجاه إلى انتخاب حسن نصر الله أمينًا عامًا للحزب بالرغم من صغر سنه , ولكن يبدو أن صفات نصر الله القيادية وتأثيره الكبير على صفوف وقواعد حزب الله قد لعبت دورا مؤثرا في هذا الاتجاه , وبالفعل فإن انتخابه كان له الأثر الأبرز في تثبيت وحدة الحزب بقوة بعد الضربة القاسية التي تلقاها لتوّه . ‏ وفي ذلك العام وبعد أشهر قليلة من اغتيال الأمين العام السابق الموسوي فإن حزب الله اختار الدخول إلى قلب المعترك السياسي اللبناني , فشارك في الانتخابات النيابية التي جرت في ذلك العام , وحصد عددا من المقاعد النيابية عن محافظتي الجنوب والبقاع , وهذه الكتلة كبرت وازدادت عددا في الانتخابات النيابية اللاحقة أعوام 1996 و 2000 و 2005 وهي تعرف باسم " كتلة الوفاء للمقاومة ". وبعد وصول حسن نصر الله الى منصب امين عام , إتخذ موقفاً حازما ضد إسرائيل . ففي عام 1993، قتل 26 جندي إسرائيلي من قبل حزب الله .وإستمر الحرب قائمة حتى عام 2000 , حتى إضطرت إسرائيل أن تغادر لبنان , الا ان التوتر بين الطرفين قد استمر بعد ان اعتبر الحزب ان هناك اراضي لبنانية مازالت تحتلها اسرائيل , فاندلعت الحرب مرة اخرى في تموز 2006 .
ملاحظة : كثير من هذه التراجم والمعلومات استقصيت من الويكيبيديا وهى تفتقر في بعضها للدقة والموضوعية وتعتمد التمجيد في نصوصها وخطابها , الا انها في المجمل اعطت مقاربة عامة للموضوع .







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | #روسيا.. الشرطة تقتل رجلاً بعد طعنه 8 أشخاص ب


.. أخبار خاصة | أطفال سوريون يعيدون الأمل لمدينة #الباب


.. أخبار خاصة | أطفال سوريون يعيدون #الأمل لمدينة الباب




.. أخبار عربية | النظام السوري يستهدف #جوبر بالغازات السامة


.. الحياة -تعود- إلى برشلونة