الحوار المتمدن - موبايل



-متاهة- الشرعية فى مصر ! (1952 – 2017م)

سعيد علام

2017 / 5 / 29
مواضيع وابحاث سياسية







"متاهة" الشرعية فى مصر !
(1952 – 2017م)



سعيد علام
القاهرة، الاثنين29/5/2017


فى لقطة عامة .. تعيش مصر حالياً، بالرغم من مظاهر الاستقرار الشكلى، الذى يجتهد فى ان يغطى على نار محمية تحته، تعيش مصر "متاهة" شرعية الحكم، "السلطة"، وتطل برأسها مظاهر تنازعاتها، العنيفة والناعمة، التى تطال، على ما يبدو، اعلى سلطة الحكم.

السلطة التى تحكم الان، تحكم بـ"شرعية" الامر الواقع، شرعية سلطة يوليو 52 الممتدة، بالرغم من فشلها، ذائع الصيت، على مدى اكثر من ستة عقود، فى تحقيق اياً من مبرر استمرار وجودها "شرعيتها"، بفشلها فى تحقيق كلً من، التنمية والعدالة!.

اما القوى الدينية المناؤه لسلطة يوليو العتيقة، فهى تنازعها الشرعية، وتبحث عن شرعية لها، للاستحواز على سلطة الحكم، تستمد مبررها، فى جانب، من تأكل شرعية السلطة الحاكمة، لفشلها فى تحقيق التنمية والعدالة، المبرران لوجودها، وعلى الجانب الاخر، تستمد مبررها من "شرعية" نفوذها الواسع على الارض.

اما القوى المدنية المناؤة للنظام، (يسارية وليبرالية)، لاتملك سوى تصورات عامة مبهمة، عن مبادئ واهداف نبيلة، عن الحرية والعدالة والكرامة، ولان المبادئ والافكار لا تتحول الى قوة "شرعية"، الا عندما تتبناها الجماهير، وبسبب ان القوى المدنية ليس لديها نضالات مباشرة متصلة، فى الاماكن الطبيعية لوجود هذه الجماهير، فهى بالتالى لا تملك القدرة، او الجرأة، على ان تطرح نفسها كبديل عن النظام القائم، - طبعاً ليس المقصود بالجرأة هنا، جرأة القول، فما اكثره لديها -، لذا فهى، غالباً، ما تكتفى بترديد هذه المبادئ والافكار النبيلة، فى وسط البلد، فى الـ"داون تاون"!،(1)



"وكأنك يا أبوزيد ما غزيت" !

مصر منذ 1952 فى رحلة "متاهة" البحث عن الشرعية، فبعد خلع الملك، وشرعية "ذاته الملكية" الضامرة، بحث "الضباط الاحرار" عن شرعية لاستيلاهم على السلطة، فوجدوها "نظريا" فى المبادئ السته،(2) ومن اجل فتح الطريق امام شرعيتهم "عملياً"، كان التحرك فى اتجاهين متناقضين ومنسجمان فى آن. الاتجاه الاول، بمصادرة مجال العمل العام، بحل الاحزاب السياسية "المدنية"، اما الاتجاه الثانى، بقتح مجال العمل العام امام أكبر تنظيم سياسى دينى "الاخوان المسلمين"!، ان التناقض بين الاتجاهين الاول والثانى، بخلاف كونه تناقض مؤقت، مرحلى، ينتهى بانتهاء دور الاخوان فى اضفاء الشرعية على حركة الضباط، بخلاف ذلك، فهو تناقض "ينسجم" مع رغبة السلطة الوليدة فى الاستحواز، ليس فقط على السلطة السياسية، وانما ايضاً على السلطة الدينية،(3) التى كانوا يدركون مدى اهميتها الحيوية فى "مشروع" كسب الشرعية، والتى ادركوا اهميتها، بحكم نشأه معظهم – الضباط الاحرار -، كأعضاء فى جماعة الاخوان المسلمين، والرؤية عن كثب على مدى اهمية ونفوذ "سلطان" الدين على الجماهير. ومنذ هذه اللحظة التاريخية بدأ الصراع على السلطة السياسية والدينية، الصراع على الشرعية، بين الاخوان المسلمين وسلطة يوليو الممتدة، حتى اليوم، ولفترة قادمة.

حقق عبد الناصر "شرعية قصيرة الاجل"، شرعية فرد لا شرعية نظام، فكل الانجازات "الحقيقية" التى حققها، ارتبطت بشخص وليس بدولة، بعد ان تم اذابة كل سلطات الدولة فى شخصه، لتتوج هذه المرحلة بفلسفة: "الكل فى واحد"!، بعد ان تم مصادرة حق التنظيم المستقل، بعد ان شلت كل المبادرات الفردية .. حتى وصل الامر ان سمى نظام الدولة بأسم عبد الناصر "النظام الناصرى"!، على غرار الدولة الوحيدة فى العالم المسماة بأسم مؤسسها "السعودية"! .. لما سبق، كان من السهل النقوص عن كل هذه الانجازات "الحقيقية"، وما كان لها ان تصمد، بالنقوص عن الاستقلال الوطنى ومعاداة الاستعمار، بالنقوص عن الاستقلال الاقتصادى والتنمية .. الخ، "وكأنك يا أبوزيد ما غزيت"!.


استمرت سلطة يوليو، مع السادات ومبارك مستمدة شرعيتها من شرعية سلطة يوليو الممتدة، بخلاف بعض منشطات الشرعية، من قبيل بعض الحريات الشكلية، (المنابر ثم الاحزاب)، بخلاف ذلك لم يلقى شعب مصر، على مدى ستة عقود، سوى الفساد والرشوة والمحسوبية، اى لم يلقى سوى الشقاء وفقدان الامل، حتى جاءت 25 يناير 2011، لينقض عليها الاخوان المسلمون "بغشامة" وانتهازية سياسية أصيلة، وبتشجيع من المجلس العسكرى، مفوض سلطة يوليو الممتدة، بترك الحبل لهم على الغارب حتى يلتف حول اعناقهم، وقد كان، لتذوق الجماعة الامرين، كما لم تزقها من قبل، خلال السنة البائسة من حكم الاخوان الوهمى!.(4)




وعايزنا نرجع زى زمان، قول للزمان ارجع يا زمان !

من المحزن ان قوى مهمة مثل القوى القومية الناصرية، لاتملك سوى ان تحلم بعودة "شرعية" النظام الناصرى، الحقبة الناصرية، مرة اخرى!، مع بعض التحسينات بالطبع!، انها فى جرأة تحسد عليها، تجد لديها من الشجاعة، المغلفة بشرعية انتمائها لسلطة يوليو 52 - وان فى مرحلتها الاولى – ان تبث الاوهام التى تتناقض مع حقائق التاريخ، ومع المصير المحتوم، والتطور المنطقى لسلطة الفرد، "المستبد العادل"، التى تمثلت فى النتائج القسرية لهزيمة 67، قبل ان تتجسد على يد السادات، الذى اختاره عبد الناصر وهو فى كامل وعيه، هذا الوعى الذى عنى قبل اى شئ اخر، وعيه بمغزى الهزيمة المزلة، وما تعنيه لمستقبل شرعية سلطته، شرعية سلطة الفرد، التى حرص هو نفسه على تأسيسها وترسيخها!،(5) تنسى او تتناسى هذه القوى الناصرية، ان النظام الحاكم الحالى، الذى تناؤه، ما هو سوى التطور الطبيعى، "التاريخى"، للنظام الناصرى الذى تريد استعادته الان، ولكن فى سياق زمنى، "تاريخى"، مغاير!، لذا يحق لنا ان نذكرها بأنه اذا كنت "عايزنا نرجع زى زمان، قول للزمان ارجع يا زمان!.



وهم الشرعية، وشرعية الوهم !

مثل الذى اطلق كذبة، ثم اخذ يرددها، حتى صدقها هو نفسه!، بعض قيادات الاخوان الهامة، تدرك حقيقة ما حدث فى اعقاب 25 يناير 2011، وتعلم حجم الممارسات الانتهازية السياسية التى مارسها الاخوان، بضوء اخضر من الجلس العسكرى، الذى مارس بدهاء مشهود له، نيابة عن سلطة يوليو العتيقة، خدعة "اتركه يمارس جشعه، حتى يهل أماتته بالتخمة"!، مارس الاخوان هذا الجشع الانتهازى، على حساب طموحات شباب وشعب 25 يناير، الا ان هذه القيادات التى تعرف الحقيقة، لا يمكنها ان تعترف، او تسمح لغيرها بان يعترف، بحقيقة المسار الذى اوصل الاخوان للسنة البائسة من الحكم الوهمى، لان هذه القيادات نفسها منخرطة فى هذه الممارسات الانتهازية بالكامل، بل كان لها "شرف" قيادة هذا الاتجاه .. لا يمكن لهذه القيادات ان تعترف بان "الشرعية" المبنية على الانتخابات، المزعومة والمغتصبة بالتدليس والكذب والخداع والانتهازية، - وهو نفس الكأس الذى تجرعته هى لاحقاً -، ان هذه "الشرعية"، شرعية الانتخابات، لن تعود، لانها تعلم ان مواصفات اللحظة التى "اقتنصت فيها الجماعة حكم مصر"، لا ضمانة، بل من المستحيل، ان تتكرر بنفس المواصفات مرة اخرى .. لايمكن لهذه القيادات ان تعترف بان "الشرعية"، شرعية الانتخابات، المنادى بها هى مجرد وهم يتم الترويج له لدى البسطاء، من خلال شرعية الوهم، المعتمد "شرعياً" لديهم، اساليب الايهام والغموض المعتادة لديهم منذ شيخهم البنا، والتى لا يحتاج عند "الضرورات" الى الشرف او الامانة، فى "شريعة" الانتهازية السياسية .. وبالرغم من وضوح الحقائق، الا ان هذه القيادات تدرك ان ورقة "شرعية الانتخابات"، هى اقوى ورقة لديها الان لتقايض عليها، مقابل اى قدر من المكاسب، اذا ما تنازلت عنها، ماذا سيتبفى لها ؟!، وما التكرار الممل لمبادرات "الاصطفاف"، الا وسيلة فى هذا السياق، سياق اللهث من اجل تفاوض المنكسر، فى مرحلة "الاستضعاف"، لحين مجئ مرحلة "التمكن"!، ولا عزاء للمخدعوين من الشباب، شاربى البراءة ، ودافعى الضريبة، ولا عزاء للنخبة، من شاربى الليمون الجدد!.(6)



دوام الحال من المحال !

اما السلطة الحاكمة فى مصر الان، والتى هى، بالاساس، تستمد شرعيتها من سلطة يوليو 52 العتيقة، الا ان استمرارها على نفس اسس استراتيجية سلطة يوليو الممتدة، السياسية والاقتصادية، والتى تتجسد فى محاولة السيطرة على كل طبقات المجتمع، من خلال استراتيجية الاستحواز على السلطتين، السياسية والدينية، من خلال دستور ينص على: ان الدين الرسمى للدولة، الاسلام، والشريعة الاسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع .. اذا لم تكن هذه هى الدولة الدينية؟!، فما هى الدولة الدينية اذاً ؟!. ولان الدولة كيان سياسى، فاذا ما سميت الدولة، دولة اسلامية، اذا صار الدين صفة سياسية، موضوعا سياسيا، اى اصبح جزءا من الحقوق العامة، عندها اصبح من حق اى مؤسسة او جهة او مواطن، بل من واجبهم، مناقشة المواضيع السياسية المرتبطة بدولتهم. ذلك هو جوهر المخاطر والمشاحنات والجدلات التى تظهر من وقت لاخر، لتكفر قطاع من المواطنين، ليجرى قتلهم، بما انهم كفار، سواء كانوا من المواطنين المسيحين او المسلمين، لذا يصبح فصل الدين عن الدولة هو السبيل الوحيد لاتقاء مثل هذه المخاطر والمشاحنات، والتى تستنزف جهود الامة وتخلق الشقاق، والتى تهدد سلامة الوطن ووحدة شعبه واراضيه، بدون هذا الاساس لدولة المواطنة، فان اى حديث عن "تصحيح الخطاب الدينى"، يصبح حديث بلا معنى.
ان سلطة الحكم الحالى، تمارس سلطتها من خلال تحالف القوى العسكرية والامنية مع قطاع من الرأسمالية، "رأسمالية المحاسيب"، ان الاستمرار على نفس هذه الاسس الاستراتيجية، وهذه التحالفات، وان من خلال اداءات "نسخ" متجددة، لن يؤدى الى نتائج مختلفة، عن نفس النتائج التى حققتها سلطة يوليو العتيقة على مدى العقود الستة الماضية = الفشل، لانه بدون تغيير نوعى لهذه الاستراتيجية، لا يمكن انتظار نتائج مختلفة، مفهوم تاريخياً، انه لا يمكن ان تتخلى اى سلطة حكم عن امتيازاتها، التى تمنحها اياها هذه السلطة ذاتها، لا يمكن ان تتخلى عن السلطة من تلقاء نفسها، او من خلال نصائح المصلحين، الا انه من خلال نفس النموذج الذى يحذر منه رموز السلطة، الشعب، كى لا تصبح مصر مثل سوريا او العراق او ليبيا او اليمن او السودان .. الخ، من خلال نفس هذا النوذج الذى يتم التحذير منه، على السلطة ان تكرر نفس هذا التحذير، ولكن هذه المرة لذاتها، فعلى الرغم من اعتقاد السلطة القائمة، - كما هو حال كل سلطة كانت قائمة -، بأنها قادرة على الحفاظ على سلطة حكمها، - سواء خلال 6 ساعات او اكثر او اقل -، الا انه سيظل دائماً، اقتسام سلطة الحكم افضل من ضياعها، فدوام الحال من المحال، هكذا هى حكمة التاريخ.(7)








سعيد علام
إعلامى وكاتب مستقل
saeid.allam@yahoo.com
http://www.facebook.com/saeid.allam
http://twitter.com/saeidallam






المصادر:

(1) نخبة الداون تاون.
http://www.civicegypt.org/?p=72789
(2) المبادئ الستة لثورة يوليو 1952.
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9_23_%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%88
(3) الصراع على السلطة الدينية فى مصر.
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=558391
(4) خبرة يناير: بين براءة الثوار ودهاء النظام العتيق!.
https://www.sasapost.com/opinion/january-experiance/
(5) ملاحظة نقدية: عن بحث جلبير الاشقر: "الشعب يريد".
http://www.civicegypt.org/?p=72710
(6) خبرة يناير: بين براءة الثوار ودهاء النظام العتيق!.
https://www.sasapost.com/opinion/january-experiance/
(7) مصر مثل سوريا، مصر مثل مصر!.
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=537757







اخر الافلام

.. الغوطة.. حصار يزداد تفاقما


.. اخبار عربية | قوى المعارضة السورية تتفق على ارسال وفد موحد ا


.. اضواء على العراق: مقدمة برنامج 22 تشرين ثان 2017




.. كمال يلدو: عن كيفية تعامل الدولة والمواطن الكريم مع آثارنا ا


.. الميليشيات الإيرانية.. والمستنقع السوري