الحوار المتمدن - موبايل



التجربة الصوفية لا تتم إلا بالمجاهدة

علجية عيش

2017 / 6 / 13
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


التجربة الصوفية لا تتم إلا بالمجاهدة
باحثون في الفكر الصُّوفي: "أهْلُ البَيْتِ" منبع "التَّصَوُّفِ فِي العَالَم الإسْلاَميِّ كُلّهِ


أرجعت دراسة أن ظهور التصوف في العالم الإسلامي بدأ على يد أهل البيت، و ذلك انطلاقا من الرسول صلى الله عليه و سلم، ثم الإمام علي سلام الله عليه، و منه انتقل التصوف إلى ابنه الحسن، ثم الحسين بن علي، و أخذه عنه أبو جعفر محمد البدير، ثم جعفر الصادق بالمدينة المنورة سنة 200 هجرية، ثم إلى الشيخ معروف الكرفي ببغداد، ثم الإمام الجنيد سنة 221 هجرية، و منه انتقل التصوف إلى الإمام أبو يزيد البسطامي سنة 234 هجرية، ثم الإمام الحبيب العجي و أخير الإمام الحسن البصري، و الطرق الصوفية عديدة، يذكر المؤرخين الطريقة الرحمانية، الطيبية الوزانية، الطريقة العمارية، التيجانية، القادرية و غيرها..

التصوف هو علم يُعْرَفُ به تزكية النفوس و تصفية الأخلاق و تطهير الظاهر و الباطن لإدراك السعادة الأبدية، يقول ابن الجوزي في كتابه " تلبيس ابليس" أن التصوف ظهر قبل سنة مائتي ( 200 ) للهجرة، و قال الأوائل ان التصوف عندهم رياضة النفس، و مجاهدة الطبع برده عن ألخلاق الرذيلة، و لقد اجمع علماء الإسلام و في مقدمتهم الإمام القشيري الذي هو أقرب عهدا من زمن ظهور التصوف أنه لا يعرف كيف أتت هذه التسمية ، و يؤكد القشيري في رسالته أن التصوف لا اشتقاق له من جهة العربية، و لا قياس، و لهذا يظل التصوف في الثقافة العربية الإسلامية مجهول الأصل، غير أن العلامة عبد الرحمن ابن خلدون عرفه في مقدمته الشهيرة على انه علم من علوم الشريعة الحادثة في الملّة، و أصله أن طريقة هؤلاء لم تزل عند سلف الأمة و كبارها من الصحابة و التابعين، و الانقطاع إلى الله و الإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها، كما اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية و المتصوفة، و قد ورد في كتاب " نصوص غير منشورة" الذي جمعه و نشره العلامة ماسنيون، أنه لم يكن السالكون لطريق الله في العصور السالفة و القرون الأولى يعرفون التصوف، و إنما الصوفي لفظ اشتهر في القرن الثالث الهجري، و الصوفي كما يقول أبو الزكات البلفيقي هو رجل عادل، تقي صالح، و لا مخل بأدب من الآداب، لا ينتصر لنفسه، و لا يفكر في غده، العلم خليله و القرآن دليله، و الحق حفيظه و وكيله، نظره إلى الخلق بالرحمة، و نظره إلى نفسه بالحذر و التهمة، و يقول المتصوفة أن المبادئ الصوفية النقية هي التي تعبر عن روح القرآن و جوهر السنة النبوية، و هذي المبادئ هي التي تتلمذ أصحابها على أفعال الرسول، و التجربة الصوفية كما يقول الجنيد لا تتم إلا بالمجاهدة، و المجاهدة لا تتم إلا بالصبر على قهر إرادة الجسد، و طرح رغبات النفس المادية، و الصوفي أو المتصوف رجل رقيق المشاعر نقس القلب، لا يفكر في نفسه و لا في مصلحته، و يقدم مصلحة الناس و الأمة على كل شيئ، تموت بداخله كل النزعات البشرية من أنانية و جشع و حب للسلطة و التهافت على الدنيا، و عماد الصوفية هي حب الخير للناس، فقضية الصوفية والتصوف يحتلان أهمية كبرى في الحياة الفكرية المعاصرة، كونها من القضايا الشائكة والمعقدة في التاريخ الثقافي والديني، ولطالما دار حول هذه المسألة جدال كبير وأسالت الكثير من الحبر، خاصة بعد ظهور الحركات الإسلامية والسلفية على الخصوص، فقد كان ينظر إلى المتصوف ذلك الإنسان "الزاهد" الذي طـَلـَّقَ الدنيا وتركها كلية وتعلق قلبه وعقله بالخالق وحده، مقتديا في ذلك بالرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال في حديثه "كن في الدنيا كأنكَ غريبٌ أو عابـِرَ سبيلٍ"، والداعي إلى تحرر النفس من الشهوات والملذات وتطهيرها غير آبه بما يحدث في العالم من تغير وتطور، ويجعل من التأمل الدائم في ملكوت الله مسلكه حتى يصل إلى حالة من الذهول، كل هذا بحثا عن الكمال، الذي يتمثل كما يقول أهل الاختصاص في التأمل الروحاني يوصل صاحبه إلى مستوى وجداني قد يجعله يتحد مع ربه بعدما يصفي باطنه من الرذائل ويحليها بأنواع الفضائل، ولو أن البعض ذهب إلى التفريق بين (التصوف والزهد) ونفوا وجود الزهد في الإسلام نفياً قاطعاً، واعتبروه بـِدْعَةً دخيلة على الدين.

إخوان الصفاء و ظهور الحركة الصوفية

يفرق الباحثون بين الطرق الصوفية والمرابطين، و على حد قولهم فقد تعايش رجال الطرق الصوفية في بداية أمرهم مع المرابطين مظهرين احترامهم لما اكتسبوه من نفوذ ثم أخذوا يحلون محلهم حتى أدمجوا فيهم كلية، و لأن الصوفية مشتقة من الصفاء فلعل أول فرقة نشأت هي فرقة "إخوان الصفاء" كمذهب فلسفي في حوالي القرن الرابع الهجري بعد ظهور الحركة الصوفية، وكما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: إن عصرنا هذا عصر حضارة ذكية الفكر عارمة الهوى وليس يجدي في تقويمها إلا أصحاب بصائر نيّرة وقلوب عامرة لهم من رحابة ألإطلاع والأفق ما يسدد حُكـْمَهُمْ ويـُقـْنِعُ خُصُومَهُم " وقبل هذا أشار الشيخ محمد الغزالي إلى أصناف الناس وكان ما يُشْعِرُهُ بالضيق صنفان من الناس: (صنف حار العاطفة قليل الدراية، وصنف ظاهر الجحود لا يدري شيئا أو يدري الأمور على نحو بعيد من الحقيقة)، كما أن معظم الكتابات التي نوقشت في هذا المجال (الفكر الصوفي والطرق الصوفية والزوايا) تعود إلى المستشرقين، وقام باحثون بترجمتها والتحقيق فيها، لاسيما والكتابات حول الطرق الصوفية ما زال يلفها الغموض لاختلاف الأفكار والميول والمذاهب، ووقع الباحثون في تضارب وتناقضٍ انقسموا إلى مُؤيد ومُعارضٍ، و قد عرّف الدكتور محمود العقيل من سوريا باحث في الدراسات القرآنية والإسلامية وخبير في الأعشاب الصوفية بأنها انعتاق روحاني متجليا في الجماليات الكمالية مسترشدا في ذلك بكلام معروف الكرفي أحد علماء الصوفية في الشرق في شرحه معنى الإنعتاق الروحي بالقول: " من عرف أحدًا لم يعرف الله".
أما الدراسة التي أجراها الدكتور عبد الله حمادي بينت وجود مدرستان صوفيتان في الحضارة العربية الإسلامية اعتصمتا بالكتاب و السنة، و اتخذتا من سيد المرسلين إمام و قدوة، و جعلتا من أشواق الحب الإلهي، و من إلهامات الروح القرآني منهجا في المعرفة الربانية، و تنسب المدرسة الصوفية الأولى إلى مؤسسها الأول الإمام محمد القاسم الجنيدي ببغداد، اتخذت من المساجد منبرا لنشر دعوتها، و جعلت من حلقات الذكر و التبتل معاهد لتخريج العلماء الذين تزخر بذكرهم كتب الأصول الصوفية، و هي مدرسة سنية انتشرت بكثرة في رقعة العالم الإسلامي عبر التاريخ، و زادت توسعا مع الفيلسوف ابن مسرّة ، و أنجبت كبار الصوفية و هو علي بن عبد الله النميري السشتري اللوشي عام 668 هجرية الموافق لـ: 1212 للميلاد، ثم الصوفي الكبير ابن عباد الزندي المشهور برسائله الصوفية المتوفي عام 1388 ميلادي، و الإمام الشاذلي صاحب الطريق الشاذلية التي ترجع في أصولها إلى مدرسة الجنيد، ثم الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي الذي يتوسط مغالاة الاباضية و تعصب الظاهرية، و قد صارت طريق ابن عربي تعرف بالطريقة الأكبرية، بعدما بلغ صاحبها ( ابن عربي ) منزلة قطب الأقطاب، و هو اول من استعمل التوشيح في التصوف، ثم نجد الشيخ عبد الرحمان الجيلالي أو الجيلاني المولود ببلدة جيلان من بلاد فارس عام 470 هجرية الموافق لـ: 1077 للميلاد، ثم انتقل إلى بغداد، و هناك أخذ العلوم و أسس الطريقة القادرية، قال عنه المؤرخ ابن كثير أن الجيلالي كان يعظ الخلفاء و السلاطين و الوزراء و القضاة و الخاصة و العامة و لا تأخذه في الله لومة لائم، و عرفت طريقته انتشارا في مختلف أرجاء العالم، و قد دخلت الطريقة القادرية مبكرا إلى الجزائر، و يعود الفضل إلى الغوث أبي مدين شعيب دفين العباد بتلمسان، الذي تتلمذ على يد الشيخ الجيلالي الذي أخذ عنه الطريقة و ألبسه الخِرقة، و هي بمثابة الإجازة العلمية و الروحية التي يتوج بها النجباء من المريدين، و آخر هذه الطريقة الصوفية هو الشيخ عبد الكريم الجيلي المتوفي ببغداد عام 1428 م ، و المدرسة الصوفية الثانية أسسها الإمام أبو نصر السراج الطوسي بنيسابور، و قد اقتدى اثر الطوسي صاحب كتاب " اللمّع" الهجويري في كتابه " كشف المحجوب"، تتلمذ عليه أبو عبد الرحمن السلمي صاحب الطبقات.

القراءة البرزنجية

و عن طريق الرحلات انتشرت الصوفي في أقطار العالم الإسلامي، حيث شهدت الجزائر انتعاشا كبيرا للفكر الصوفي على أيدي متصوفة و طريقتهم منتشرة و لها اتباع كثيرون، ففي قسنطينة مثلا نقرأ عن الشيخ عبد المجيد الفاطمي و هو من كبار المتصوفين في مدينة قسنطينة، ولد الشيخ عبد المجيد الفاطمي في 13 أكتوبر 1901 م بحي الجزارين بمدينة قسنطينة و توفي في 07 أكتوبر 1985م ، نشا في وسط عائلة محافظة و تربى يتيم ألأم، فاحتضنته عمته والدة الشيخ حسونة علي خوجة، تعلم الشيخ عبد المجيد الفاطمي القرآن على يد أبيه سي الطاهر إمام مسجد سيدي لخضر ، و كان تلميذا للعلامة عبد الحميد ابن باديس، حيث تميز بصوتهو مَلَكة الحفظ الفائقة ، مما أهله لنيل الشهادة العلمية بامتياز في حفظ القرآن و قراءة البرزنجي في الفترة ما بين 1914 – 1915 للميلاد بمسابقة مغاربية نظمت بتونس ، كما شارك في تظاهرة ثقافية بمدينة سكيكدة constantine et philippeville ما بين 1925-1926م حيث برز بصوته الفريد المؤدي للسماع الروحي، و يعتبر الشيخ عبد المجيد الفاطمي من كبار القراء، أمضى حياته و هو يتعلم و يعلم القرآن و قراءة البرزنجي بجامع سيدي الكتاني، و مسجد سيدي لخضر، و زاوية عبد الرحمن باشتارزي، و بأحياء و أماكن مختلفة بمدينة قسنطينة ، منها منزل سي حسونة علي خوجة، و تتاكثف هذه القراءات خاصة في ليلة الـ: 27 من شهر رمضان الكريم، و يوم المولد النبوي الشريف، حتى اليوم السابع، و في صلاة التراويح بين الركعتين، يقوم سي عبد المجيد الفاطمي بمعية رفقاء دربه بالقراءات الملحنة،و نقرأ للشيخ عباس بن الملود اليعلاوي ، الذي ينسب إلى فريق بني يعلى و هم سكان الجهة الشرقية من بلاد القبائل الصغرى، و لهذا كان أهل قسنطينة يعرفونه باسم الشيخ عباس اليعلاوي، كان الشيخ عباس مدرسا بزاوية سيدي عبد المومن، ثم الزاوية التيجانية السفلى، ليستقرّ بالزاوية التيجانية بحي الخرازين، كما كان يقرأ البرزنجي في ليلة المولد النبوي الشريف، و كان لا يرجو من الناس جاها و لا شكورا و لسان حاله يردد: " إن أجري إلا على الله"، و كان في أقواله و أعماله و أحواله يحكي سيرة السلف الصالح، و ظل على هذه الحال إلى أن توفي بالجزائر العاصمة سنة 1973 م ، و ترجع القراءة البرزنجية نسبة إلى مفتي الشافعية الإمام جعفر بن إسماعيل البرزنجي، و هو جعفر بن إسماعيل بن زين العابدين بن محمد الهادي ، بن زين العابدين بن حسن بن عبد الكريم بن محمد بن رسول البرزنجي الموسوي الحسيني، يمتد نسبه الشريف للسيد إسماعيل بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين، و البرزنجي نسبة لقرية برزنج من بلاد الكرد عمرها جده عيسى بن علي بن يوسف الموسوي، و في هذه القرية ولد جعفر البرزنجي عام 1250 هجرية، و كان أباه قد سافر إليها و مكث فيها أكثر من أربعين سنة قبل أن يرجع إلى المدينة عام 1271 للهجرة، و تولى إفتاء الشوافع، ثم تولى إفتاء الشافية ابنه جعفر موضوع الحديث.


علجية عيش







اخر الافلام

.. التحالف يشن غارات على مواقع تابعة للحوثيين في صنعاء والحديدة


.. 13-12-2017 | نشرة أخبار اليوم.. لأهم الأخبار من #تلفزيون_الآ


.. طائرة النقل العسكري آن-72 تصل الى مطار تمركزها الدائم في مقا




.. مصر.. ترحيب واسع بنتائج زيارة بوتين


.. مباشر.. بدء أعمال -قمة القدس- بمشاركة 16 زعيما على مستوى رؤس