الحوار المتمدن - موبايل



القرن الحادي والعشرين البترول-المياه-السياسية

رمضان حمزة محمد

2017 / 6 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


في الآونة الأخيرة أصبحت المياه كالبترول ذات أبعاد سياسية، يحسب لها حساب في المحافل الدولية وأصبحت مورداً استراتيجياً للدول التي تسيطر على منابعها كتلك الدول التي لديها منابع البترول. ولذا وفي ضوء الأهمية القصوى لطبيعة الموارد المائية في منطقة الشرق الأوسط والتي باتت قضية بالغة الخطورة والأهمية مما لا يترك أمام الأطراف المعنية خلال السنوات القليلة القادمة إلا خيارات محدودة. حيث بالرغم من أن إجمالي كمية المياه في العالم تقدر بحوالي (1.4) مليار كيلومتر مكعب إلا أن حوالي (98%) منها مالحة و(2%) منها عذبة ولكن أكثر من نصف كمية المياه العذبة أما متجمد أو في أعماق يصعب الوصول إليها.
إن الاهتمام بموضوع المياه أصبح الشغل الشاغل للحكومات والهيئات الدولية حيث تضاعفت الحاجة إلى مياه الشرب حوالي أكثر من (8) ثمان مرات منذ بداية القرن الحالي ويستهلك نسبة (27%) من كمية المياه العذبة السطحية منها والجوفية للاستخدام البشري بينما تستخدم نسبة (73%) الباقية للأغراض الزراعية والصناعية ولهذا لجأت الدول المتقدمة إلى استخدام التقنيات الحديثة في مجال الإرواء وغيرها للحد من هدر المياه العذبة والمحافظة على الاحتياطي الجوفي منها.
ولهذا فإن السياسيين باتوا يدركون خطورة الأوضاع حيث ذكر الأمين العام للأمم المتحدة الاساق بطرس غالي بأن الحرب المقبلة ستكون بسبب المياه وقال العاهل الأردني الراحل بأنه سوف لن تندلع حرب أخرى في المنطقة إلا بسبب المياه ويوافقه في الرأي الرئيس السوري الراحل حيث أدرك أهمية المياه لبلاده، عندما وقع اتفاقية صداقة مع لبنان أضاف إليها بنداً سرياً ينص على قيام القوات السورية بحماية منابع نهر اليرموك التي تقع في لبنان وتمر في سورية والدفاع عنها إذا اقتضى الأمر ذلك ولم توقع اتفاقية السلام المبرمة بين إسرائيل والفلسطينيين إلا بسبب عدم الاتفاق على توزيع المياه ومحاولة إسرائيل بتغير مجرى نهري الأردن والليطاني وتوجيها إلى الغرب أو صحراء النقب بحكم احتلالها للأراضي التي تقع على شواطئ هذين النهرين، ولذا نرى بأن شمعون بيريز يخالف رأي الزعماء العرب في مجال المياه فيقول في كتابه (الشرق الأوسط الجديد) الذي ترجمه السيد محمد حلمي (إنني أستبعد الحروب بسبب مشكلة المياه لأن المياه في الشرق الأوسط ملك للمنطقة مما يستدعي قيام هيئة إقليمية تشارك فيها كافة الأطراف متجاوزة حدود المصالح).
وبناء على النظرة الإسرائيلية لمشكلة المياه فإننا نتوقع أن تكون المياه إحدى نقاط الخلاف الأساسية في مفاوضات السلام بين الدول العربية وإسرائيل، فإسرائيل تريد تأمين مواردها المائية بالاعتماد على الموارد المائية العربية، حيث قامت إسرائيل بالتأثير على موقف مصر السياسي وذلك بإقناع أثيوبيا بإنشاء بعض السدود على روافد النيل الأزرق وهو المصدر الرئيس لمياه النيل وتنبهت مصر فوراً إلى مدى خطورة هذا الإجراء وقامت بتنبيه أثيوبيا إلى خطورة الأمر وأنه يتنافى تماماً مع الاتفاقيات الموقعة بين مصر واثيوبيا من ناحية وبين مصر ودول حوض النيل الثمانية من ناحية أخرى.
أما فيما يخص العراق وسورية فكما نعلم بان منابع نهري دجلة والفرات ينبعان من أراضي كوردستان تركيا وقامت تركيا بتنفيذ مجموعة من المشاريع جنوب شرق الأناضول (GAP) وأثرت ذلك بشكل ملحوظ على الوارد المائي لهذين النهرين لكل من سوريا والعراق، وكان ذلك واضحاً عندما قامت تركيا بقطع مياه الفرات لمدة ثلاثة أسابيع عام 1990 بحجة إملاء سد أتاتورك حيث قامت تركيا بهذا الإجراء لتنبيه جاراته بأنه بالإمكان اللعب بورقة المياه طالما ليست لديها منابع بترول، وأنها أدركت بأن (لتر من الماء قد يكون أغلى من لتر من النفط) في المستقبل القريب، وغدت هذه قاعدة عامة في الشرق الأوسط حيث أن الدول الواقعة في أعالي الأنهار تمسك بيدها ماسورة المياه والاستثناء الوحيد من هذه القاعدة هي مصر حيث أن مصر استطاعت ولحد الآن تأمين مياه النيل بفضل قوتها العسكرية وتقدمها التقني وعلى العكس قامت تركيا بإحكام سيطرتها على منابع نهري دجلة والفرات، وتقوم برفع وخفض منسوب المياه متى ما شاءت ضاربة أحكام الاتفاقات الدولية عرض الحائط.
وهناك سببان لذلك، أولهما أن تركيا تملك كميات هائلة من المياه وعدد كبير من السكان وعدم امتلاكها للبترول الموجود بوفرة لدى جاراتها العرب إلا أن الملاحظ والمتتبع للسياسة التركية في مجال المياه يرى أن تركيا تعاني من ضغوط من تلكم الدول المتأثرة من سياسة تركيا بهذا الشكل حيث لجأت هذه الدول بدعم الأحزاب والفئات المناهضة للحكم التركي، وباتت هذه النقطة حالياً إحدى النقاط الأساسية في العلاقات التركية-السورية، إضافة إلى جملة أسباب أخرى منها قضية الأسكندرونة ومشروع مياه السلام الذي تبناه الرئيس التركي الراحل توركوت أوزال.
حيث أن حوض نهري دجلة والفرات مليئة بالصدامات المحتملة، وبالرغم من أن قيام تركيا بتنفيذ المشاريع العملاقة في منطقة جنوب شرق الأناضول (كوردستان الشمالية) بزعم إشعار السكان الكورد بان الحكومة تحاول جاهدة رفع المستوى المعاشي والاجتماعي لسكان المنطقة وتحقيق الرفاهية لهم مما يبعدهم عن التفكير بمسائل الحقوق السياسية، ولكن حتى لو نجحت تركيا في تحقيق هذا الهدف فإن ذلك سيزيد من عداء كل من سورية والعراق لها حين يلمسان انخفاض الوارد المائي الواصل إلى البلدين.
هذا من جانب المياه أما فيما يخص المورد النفطي فنرى بأن البترول لعب دوراً أساسياً في السياسة ولفترة طويلة وإلى يومنا هذا وظل النفط الشرق-أوسطي عاملاً رئيسياً وراء الأحداث، ولكن ماذا عن المستقبل القريب والمتوسط؟ ماذا عن القرن الحالي (الحادي والعشرون) سيما إن عصر المياه ذات البعد السياسي والاستراتيجي قد دخل حلبة الصراع بين الدول كما تم شرحه آنفاً.
فنقول إن البترول تحمله أرقام مثل الاحتياطي والطلب المتزايد أو المتناقص والأهمية النسبية لكل منطقة وفي تقرير لمنظمة (الأوابك) عام 1993 إن العمر المتوقع لبترول الدول المتقدمة لم يتجاوز في المتوسط ثماني سنوات وست سنوات منذ ذلك التاريخ أي عام 1993 لبترول المملكة المتحدة وسبع سنوات لبترول كندا وثماني سنوات لبترول الولايات المتحدة الأمريكية، أي أن مع بداية القرن الحادي والعشرين يخرج كبار المنتجين من دائرة الانتاج او يستمرون فيها بنسبة ضئيلة تعادل ما يتم استكشافه من قبل الجيولوجيين، تضيف إلى احتياطهم الفقير شيئاً ما. في نفس الوقت فإن العمر المتوقع لبترول الإمارات العربية المتحدة (115) سنة والسعودية (85) سنة وإيران (75) سنة وبينما كانت السعودية تملك أعلى احتياطي في العالم وهي (260.3) مليار برميل عام 1992 كانت احتياطي الولايات المتحدة (24.7) مليار برميل وكانت احتياطات دول الكومنولث المستقلة (57) مليار برميل والصين (24) مليار برميل.
الميزان إذن ومع مرور سنوات معدودات يميل لصالح مجموعة دولية محدودة هي مجموعة دول الشرق الأوسط والتي تمتلك ثلاث دول منها احتياطي يتراوح من (96-100) مليار برميل عام 1992 والدول المعنية هي الإمارات، العراق والكويت. وإن نافسها في الترتيب مباشرة دولة المكسيك والتي امتلكت احتياطي قدره 51.3 مليار في نفس العام.
وفي تقرير لمنظمة الطاقة الدولية تبين بان النفط والفحم سيظلان متربعين على عرش الاستهلاك العالمي.
ولكن الانقلاب الذي سيحدث سيكون في نطاق (من ينتج من لا ينتج) و(من يملك من لا يملك) وطبقاً لنفس التقرير فإن الشرق الأوسط وفنـزويلا سوف يقدمان نصف احتياجات العالم من البترول في (2010) هكذا إذن بالنسبة إلى البترول، ويمكن القول بان الفرق الجوهري بين البترول والمياه كعناصر تلعب دوراً أساسياً في تغيير خارطة الدول وتغيير أنظمة الحكم فيها بأن البترول مورد قابل للنفاد والنضوب بينما المياه مورد متجدد، وإن الدول الغربية استطاعت احتواء المشكلة ولكن عامل البترول والمياه سيؤدي إلى إعادة لرسم خريطة المنطقة وهويتها وعلاقتها.
الخريطة نعرف ملامحها في الشرق الأوسط تضم إلى جانب الدول العربية دول الجوار كل من إسرائيل وإيران وتركيا وحتى باكستان وهي خريطة مجزئة بالضرورة والهوية معلومه ومن غير المستهدف –من جانب الغرب وخاصة أمريكا- أن تجمع هذه المنطقة قومية واحدة تجعل في الأفق إرادة استراتيجية واحدة، أما العلاقات فهي تتمدد الآن، أساسها المصالح الاقتصادية وأداتها السياسة والعسكرية وقد يكون للكورد نصيب في الخريطة الجديدة.
نحن إذن أمام قرن مختلف، بعالم مختلف، حيث سيستمر البترول والمياه حالياً في صنع السياسة إذ ينظر الغرب إلى المنطقة من وجهة نظر (بترول-مياه)، لأن الغرب يفصل السياسة التي تبناها بالسيطرة على أسعار البترول وجعلها في أدنى مستوى لها سابقاً وحالياً ومع مشكلة بروز المياه إلى السطح والتي تحمل بين أمواجها الكثير من المشاكل والصدامات، وتتداخل معها مشكلة البترول ذاتها والتي جعلت من تركيا تقول (لتر ماء=لتر نفط) وهذه ذات دلالة ومغزى يتم بحثها ورصد مشاكلها باستمرار على أمل إيجاد الحلول المناسبة واحتوائها، إن القرن الحادي والعشرين يخبئ الكثير في هذا المجال.







اخر الافلام

.. الأردن يؤكد ضرورة الحفاظ على خفض التصعيد في الجنوب السوري


.. قرقاش: الهدف من عملية الحديدة هو الوصول إلى حل سياسي


.. رسمياً... -إتش تي سي- تكشف عن هاتفها الرئيسي لهذه السنة




.. أشرف غني يمدد وقف إطلاق النار مع طالبان


.. من هو المرشح اليميني إيفان دوكي الفائز في رئاسيات كولومبيا؟