الحوار المتمدن - موبايل



موقف اشفيتسر من الحضارة

ابراهيم طلبه سلكها

2017 / 6 / 20
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


موقف اشفيتزر من الحضارة**
يرى اشفيترز أننا نعيش اليوم فى ظل انهيار الحضارة ، وأن الحضارة الغربية الراهنة بسبيل الانتحار ، وهذا الوضع نتيجة لما بلغه هذا العصر من تقدم فى النواحى الصناعية والمادية ، وافتقاره إلى المعتقدات الأخلاقية الأصيلة .
فالأحوال الاقتصادية اليوم تحاول أن تجعل من الإنسان كائنا بغير حرية ولا تفكير ذاتى ولا استقلال ، تريد بقوة أن تجعل منه كائنا حافلا بالنقائض إلى حد أن يفقد صفات الإنسانية . لقد ضعف عدد النفوس الحرة المستقلة فى ظل المكاسب المادية الهائلة التى تحققت ، فالصانع الذى كان سيد نفسه أصبح بقهر الآلات مجرد أداة فى المصنع ، كما أن نظام المصانع يخلق باستمرار تجمعات للسكان متزايدة تصبح بالضرورة منفصلة عن الأرض التى تغذيها، والبيوت التى تسكنها ، وعن الطبيعة . ومن هنا تقع الأضرار النفسية الخطيرة ذلك أن الحياة غير السوية تبدأ حقا بفقدان الإنسان لحقله أو مسكنه .(1)
وإلى جانب الافتقار إلى الحرية يمكن أن نضيف نشر الإرهاق ، فلقد أصبحت القاعدة اليوم فى كل دائرة من دوائر المجتمع هى القيام بدور مفرط من العمل والنتيجة أن العنصر الروحى فى العامل لا يمكن أن يترعرع . وهذا الإرهاق يؤذيه حتى فى طفولته بطريق غير مباشر ، لأن أبويه لا يستطيعان أن يخصصا وقتا وجهدا لتنشئته. كما يجب بسبب انشغالها بالعمل الذى لا يرحم وهكذا يفتقر نموه إلى عنصر لا يمكن أبدا تلافيه ، فيشعر من بعد فى مجرى حياته حينما يصبح هو نفسه عبدا لساعات العمل المرهقة ، يشعر بالحاجة المتزايدة إلى مرفهات خارجية وإمضاء الوقت ال(2)
لكن هذا كله يحتاج إلى توفر عقلى وضبط نفسى لا سبيل له إليهما . فهو لا يود أن يفكر ولا يبحث عما يصلح لنفسه ، إنه يبحث عن تسلية من النوع الذى لا يتطلب من قواه الروحية إلا أقل مجهود . وعقلية هذا الجمع من الناس المتراخين روحيا ، العاجزين عن حشد أنفسهم وخواطرهم لها آثارها فى كل تلك المنشآت التى كان ينبغى أن تخدم قضية الثقافة وبالتالى قضية الحضارة . فالمسرح الجاد أصبح فى مركز ثانوى بالنسبة إلى الملاهى ودور السينما ، والكتاب الجديد توارى فى الظل مفسحا المجال للكتاب المسلى أو البوليسى ، وتكيفت الثقافة بدورها مع هذه الحياة . فكل صحيفة بها الكلمات المتقاطعة لشغل وقت الفراغ ، وكل صحيفة أصبح اهتمامها منصبا على المعلومات السطحية فى المقام الأول ، على المعلومات التى يستسيغها القارئ بسهولة ويسر .(3)
والدليل على أن هذا الافتقار إلى القوة المفكرة قد أصبح طبيعة ثابتة فى الناس الآن ، ما نجده إذا اجتمع شخصان للمناقشة ، نجد أن كل منهما يحرص على أن يكون حديثهما لا يتجاوز نطاق العموميات ولا يتحول إلى تبادل فعلى للأفكار فليس عند أحد ما يعرضه . وكل إنسان يتسلط عليه نوع من الخوف حتى لا يتطلب منه شئ مبتكر وهذه الروح التى لا تركيز لها تفضى إلى تصور وضيع لما يجب أن يكون عليه الإنسان . ففى أنفسنا وفى غيرنا لا ننظر إلى القدرة على العمل المنتج ، ونقنط ونكف عن تطلب مثل أعلى .(4)
وإلى جانب العائق الناشئ عن افتقار الإنسان الحديث إلى الحرية وإلى قوة التركيز العقلى ، هناك عائق آخر ناشئ عن التخصص فى المعرفة . ففى ظل هذا التخصص يتضاءل المعنى الروحى إذا أصبحت الدعوة موجهة إلى بعض ملكات الإنسان فحسب ، الأمر الذى جعله يرضى ويقنع ببعض المهارات الجزئية. وعلى الرغم من أن هذا التخصص قد أدى إلى نتائج مدهشة فى مجال العمل ، إلا أنه أصاب المجتمع بالضياع الروحى ، وفى هذا توضيح لذلك القانون المفجع الذى يقول إن كل مكسب تصحبه ، على نحو أو آخر خسارة مقابلة .(5)
لذلك وجَدَ اشفيتسر أن الخلل ناشئٌ عن اهتمام الناس ببناء قدراتهم وتطوير وسائلهم والاندفاع مع رغباتهم والاستغراق في مصالحهم وإهمال الجانب الأخلاقي الذي هو المزية الكبرى التي تميز الإنسان عن بقية المخلوقات. لقد شَخَّص خلَل الحضارة بأنه خللٌ أخلاقيٌّ فلقد امتلكتْ الإنسانيةُ معارف دقيقة وأفكارًا خلاقة وتقنيات مذهلة وأقامت مؤسسات فاعلة لكنها لم تملك الأخلاق العالية التي تتلاءم مع هذه الإمكانات الهائلة، إن الشعوب والأمم تنافست في اتجاه بناء القدرات من أجل التفوق والتغلُّب والهيمنة وليس من أجل التفاهم والتآخي والتقارب والمشاركة فحدث هذا الخلل الفظيع الذي تعاني منه الإنسانية في كل مكان..(6)
والإنسان اليوم أيضا معرض إلى أن يفقد إنسانيته ، فالموقف السوى من الإنسان نحو الإنسان قد أصبح صعبا جدا . ذلك أنه بسبب السرعة التى يعيش فيها ، وازدياد وسائل الاتصال والاضطرار إلى العيش والعمل مع كثيرين آخرين فى مكان مكتظ بالسكان فإن كل منا يقابل الآخر باستمرار ، وفى مختلف أنواع المناسبات يقابله كأنه غريب عنه . فإن الظروف الراهنة لا تسمح لنا بأن يلقى بعضنا لقاء الإنسان لأخيه الإنسان لأن القيود المفروضة على الإنسان العادى أصبحت من العموم والوثوق بحيث اعتدنا عليها فلم نشعر بعد بأن الاتصال الآلى اللاشخصى القائم بيننا هو أمر غير طبيعى .(7)
ولذلك ترانا نميل إلى تناسى علاقتنا مع أخواننا ، ونسير فى الطريق المؤدى إلى عدم الإنسانية . وقد شاعت بيننا أفكار غير إنسانية بصورة وقحة وبقوة المبادئ المنطقية . واختفى الأدب الناشئ عن الشعور الطبيعى ، وحل محله سلوك من عدم الاكتراث التام وإن تستر بستار من ناموس الأخلاق . ومنذ عشرات السنين ونحن نتحدث باستخفاف متزايد عن الحرب والغزو وكأن هذين ليسا إلا ألاعيب على رقعة الشطرنج . كيف أمكن أن يقع لو لم يكن نتيجة اتجاه عقلى لم يعد يرسم لنفسه مصير الأفراد ، بل صار يفكر فيهم على أنهم مجرد أشكال أو موضوعات تنتسب إلى العالم المادى ولما نشبت الحرب انطلقت عدم الإنسانية من عقالها . وكم من إهانات بعضها مقنع بأدب ، والبعض الآخر مكشوف ، انصبت على كثير من الشعوب فى السنوات الأخيرة وعدها الناس حقائق معقولة سواء فى الكتب الاستعمارية أو البرلمانات حتى أصبحت عنصرا فى الرأى العام .(8)
وهكذا يؤكد اشفيتزر أن التقدم المادى يكون شرا وخطيئة عندما يصبح بالنسبة لنا مجرد وسيلة أو أداة لتحقيق المنافع والأغراض الذاتية الخالصة على حساب تحقيق المثل والمبادئ الإنسانية العليا . كما يرى أن التفاعل بين ما هو مادى وما هو روحى قد اتخذ طابعا مضرا كل الأضرار ، وأننا نبحر بسفينة مصيرنا فى تيار مليء بالأمواج العاتية تحت شلال هائل . ولقد انحرفنا عن مجرى الحضارة لأننا لم نقم بالتفكير الجدى فى معنى الحضارة . ولم تفلح تلك المؤلفات التى تناولت الحضارة فى إيضاح الأحوال الراهنة فى حياتنا العقلية ، أو وصف مضمون حياتنا الروحية وبيان حقيقة الأزمة الحالية .(9)
واشفيتزر يرجع هذا الموقف أساسا إلى انصراف الفلسفة عن القيام بواجبها . فالفلسفة كانت تقود الإنسانية وتتضمن فى داخلها تفلسفا أوليا عن الإنسان والمجتمع والجنس والإنسانية والحضارة مما جعل لها سمة شعبية واضحة ، ومن ثم كانت تهيمن على التفكير العام وتحافظ على التحمس للتحضر. كما كانت الفلسفة عاملا فعالا فى إنتاج معتقدات عامة عن الحضارة . أما الآن فالروح المبدعة أصبحت خاوية من التفكير الحقيقى ، لقد راحت تتأمل فى النتائج التى وصلت إليها العلوم الجزئية ، وبالتالى فقدت القدرة على التفكير الأصيل .(10)
وإن كان لا يزال لهذه الفلسفة دورها فى المدارس والجامعات ، فإنه لم يعد لها رسالة تؤديها للعالم الكبير . لقد أصبحت مجرد حذلقة فلسفية يقوم بها منحلون ، أصبحت غريبة عن العالم ومشاكل الحياة الروحية العامة . إنها لم تتفلسف فى الحضارة إلا قليلا لأنها خدعت بثرواتها ، وأهملت غرس الأرض بمحاصيل مفيدة ، وبالتالى أسلمت العصر لمصيره ، وتجاهلت ما فيه من جوع .(11)
ويضع اشفيتزر مجموعة من المهام الكبرى التى ينبغى أن تؤديها الفلسفة لإصلاح الوضع الحضارى الراهن : فيطالب بضرورة أن تكون الفلسفة دليلا للعقل وحارسا ، وأن تعترف للدنيا بأن المثل الأخلاقية العليا هى أساس الحضارة . وأن تكافح من أجل هذه المثل ، وأن تجعل لها وجودا مستقلا ، وبالتالى تحفظ لها حياتها ووجودها . وأن تبذل كل الجهد لتوجيه اهتمام المثقفين وغير المثقفين معا إلى مشكلة مثل الحضارة ، وعليها أن تعمل على بعث القوى الضرورية لوضع وتمكين مثل الحضارة ، وأن تظل ساهرة يقظة من أجل الحفاظ على الحضارة .(12)
يؤمن اشفيتزر إذن بأن مستقبل الحضارة يتوقف على توكيد المثل والمعتقدات الأخلاقية وترسيخها . ولذلك تجده يصرح أنه بعد أن بحث فى ماهية الحضارة وطبيعتها تبين له فى نهاية المطاف أن الحضارة فى جوهرها أخلاقية . ومن ثم فليس ثمة ضرورة إلى اليأس الذى يعترينا فى عصرنا ، لأنه إذا كان العنصر الأخلاقى هو العنصر الجوهرى فى الحضارة فإن الانحلال يستحيل إلى نهضة بمجرد أن يعود النشاط الأخلاقى إلى العمل من جديد فى معتقداتنا وفى أفكارنا ، والقيام بهذه المحاولة أمر جدير بالسعى إليه ويجب أن يمتد إلى العالم كله .(13)
لكننا لن نستطيع القيام بهذه المحاولة إلا إذا كنا قادرين على أن نهب العالم والحياة معنى حقيقيا . وطالما نظرنا إلى وجودنا فى العالم على أنه عديم المعنى ، فلا معنى أبدا للرغبة فى إحداث أى أثر فى العالم . فنحن لا نعمل من أجل ذلك التقدم الروحى العام والمادى الذى نسميه الحضارة إلا بالقدر الذى به نؤكد أن العالم والحياة كليهما ينطوى على نوع من المعنى ، وبعبارة أخرى إلا بالقدر الذى نفكر به تفكيرا متفائلا .
وأن الحضارة تنشأ عندما يستلهم الناس عزما واضحا صادقا على بلوغ التقدم ،ويكرسون أنفسهم ، تبعا لذلك ، لخدمة الحياة والعالم . وفى الأخلاق وحدها نجد الدافع القوى إلى مثل هذا العمل، فنتجاوز حدود وجودنا . ولتعلم أنه لن يتحقق أى شئ له قيمة فى هذه الدنيا إلا بالحماسة والتضحية بالنفس .(14)
فالإنسان لن تكون له قيمة حقيقية بوصفه شخصية إنسانية إلا من خلال كفاحه ليكون ذا خلق وخلال حسنه . لكن لا سبيل إلى إقناع الناس بحقيقة توكيد الحياة والعالم ، وبالقيمة الصادقة للأخلاق عن طريق الدعوة والوعظ . بل لابد أن تنشأ العقلية الإيجابية الأخلاقية التى تمتاز بها هذه المعتقدات فى الإنسان نفسه كنتيجة لصلة روحية باطنة بالعالم . فحينئذ وحينئذ فقط تكون له معتقدات قوية واضحة راسخة ، تكيف كل أفكاره وأفعاله .(15)
ويحدد (إشفيتسر) مضمون الحضارة بثلاثة أنواع من التقدم هي:
أ- التقدم في المعرفة والسيطـــــرة
ب ـ التقدم في التنظيم الاجتماعي للإنسانية
جـ ـ التقدم في الروحيــــــــــة
ويضيف أن الحضارة تتألف من مثل عليا هي:
أـ المثل العليـــا للفــرد
ب ـ المثل العليا للتنظيم السياسي والاجتماعــــي
ج ـ المثل العليا للتنظيم الاجتماعي والروحي والديني
د ـ المثل العليا للإنسانية بوصفها كلاً متكامـــلاً
وينتقل (إشتفيتسر) من مضمون الحضارة إلى وضع مفهوم لدوافعها: فهي "بذل المجهود، من أجل تكميل النوع الإنساني، وتحقيق التقدم في أحوال الإنسانية وأحوال العالم الواقعي".(16)
ومن هنا يطالب اشفيتزر بالتغلب على فقدان المعنى واليأس اللذان يميزان أفكار الناس ومعتقداتهم فى هذه الأيام . وعلى بلوغ حالة من الأمل النضير والعزم الفتى . ولن يكون فى وسعنا ذلك إلا إذا اكتشفت غالبية الناس لأنفسهم موقفا أخلاقيا عميقا راسخا يؤكد الدنيا والحياة عن طريق نظرية فى الكون مقنعة وقائمة على الفكر.(17)
وتطور الحضارة إنما يقوم به عامة أفراد من الناس يفكرون فى المثل التى تهدف إلى تقدم المجموع . ويكيفونها مع وقائع الحياة على نحو يجعلها قادرة على التأثير الأقوى ، وفى ظروف العصر. ولهذا فإن مقدرة الإنسان على أن يكون رائدا للتقدم وأن يفهم ماهية حضارته ، وأن يعمل لها تتوقف على كونه مفكرا وعلى كونه حرا. إذ ينبغى أن يكون مفكرا ليكون قادرا على فهم مثله وتصويرها وينبغى أن يكون حرا ليكون فى وضع يتهيأ له منه أن يدفع بمثله فى الحياة العامة . إن الحضارة تفترض أناسا أحرارا ، فعن طريق الأحرار وحدهم تتحقق الحضارة وتتقدم .(18)
ولهذا فإن تجديد الحضارة لا شأن له بالحركات التى تحمل طابع تجارب المجموع فهذه التجارب ليست إلا ردود فعل تجاه الأحداث الخارجية . لكن الحضارة لا يمكن أن تتجدد إلا إذا نشأت فى عدد من الأفراد نزعة عقلية جديدة مستقلة عن تلك السائدة بين الجمهور، وفى تعارض واياه. نزعة عقلية تكتسب التأثير تدريجيا على النزعة الجماعية ، وفى النهاية تطبعها بطابعها . ولا سبيل إلى النجاة من الهمجية إلى بحركة أخلاقية ، ولا وجود للأخلاق إلا فى الأفراد .(19)
وواجب الأفراد هو الارتفاع إلى تصور أعلى لمعتقداتهم والقيام من جديد بالوظيفة التى لا يستطيع أداءها غيرهم ، أى إيجاد أفكار روحية أخلاقية . فإن لم يحدث هذا فى عديد من الحالات فلا يمكن إنقاذ الحضارة . ولابد من خلق رأى عام جديد بطريقة عامة، والرأى العام إنما يتكون حاليا عن طريق الصحافة والدعاة والمنظمات والوسائل المالية وأساليب القوة التى تحت تصرفها . وهذه الطريقة غير الطبي2عية فى نشر الأفكار يجب أن تقابل بطريقة طبيعية تنتقل من الإنسان إلى الإنسان ولا تستند إلا على الصدق فى الأفكار ، واستعداد السامعين لقبول الجديد من الحقائق . وعليها أن تهاجم وهى عزلاء من السلاح بطريقة الكفاح الروحى ، الطريقة الأخرى المدججة بالسلاح كأنها داود فى مواجهة طالوت .(20)
إن على الروح اليوم أن تخلق القدرة على فهم الحق الذى هو فعلا حق بينما لا يشيع اليوم إلا الحق الذى صنعته الدعاة . وعليها أن تخلع التعصب الوطنى الذميم ، وأن تنصب مكانه الوطنية النبيلة التى تهدف إلى غايات جديرة بالإنسانية كلها ، فى الدوائر التى تعمل فيها النتائج اليائسة للأعمال السياسية الماضية والحاضرة على إذكاء نيران التعصب الوطنى حتى تبين لأولئك الذين يودون من صميم قلوبهم أن يخلصوا منها وعليها أن تبين للجميع أن مسألة الحضارة أمر يهم جميع الناس ، والإنسانية كلها ، وأن تهبنا الإيمان بإمكان التقدم وأن تزودنا بكل أسباب الأمل .(21)

ويؤمن اشفيتزر بأن يقظة هذه الروح الغريبة يجب أن تنطلق من شعور الشعب المثقف منه وغير المثقف بضرورة إعادة النظر فى المعتقدات والمثل التى نحيا فيها ومن أجلها ، وفى معنى الحياة كلها ولو أننا جميعا خصصنا ثلاث دقائق كل مساء للنظر فى السماء المرصعة بما لا نهاية له من النجوم لمهدنا لعهدنا لإصلاح الأحوال التى نعيش فيها اليوم وكذلك لو أننا ونحن نشترك فى تشييع الجنائز فكرنا فى لغز الموت والحياة بدلا من الخوض فى الأحاديث الفارغة . علينا أن نبدأ بالتأمل فى المتناهى واللامتناهى فى الكون والفساد ولنعلم كيف نميز بين المعايير الصادقة والمعايير الزائفة ، بين ذوات القيمة وبين تلك عديمة القيمة وبهذا نتلقى مزيدا من القوة المعنوية الأخلاقية والصمود ، ومن ثم نكون قادرين على وضع مثل عليا حضارية تحمل روح الإنسانية الصحيحة .(22)
ولا يعنى ذلك أن اشفيتسر يدعو الى الزهد والتخلى عن الحياة وانما ينادى بترشيد الحضارة ، فهو مع دعوته الملحة الى الأخلاق كان فى قمة العقلانية فهو الذى يقول:" ان المذهب العقلى حركة فكرية وظاهرة ضرورية لكل حياة روحية سوية .. ان كل أشكال التقدم الحقيقى فى العالم يتضح بعد التمحيص الدقيق بأن مردها هو العقلانية ، وهذا المبدأ الذى ترسخ والذى يستند الى اعتماد الفكر فى أفكارنا للعالم هو المبدأ الصحيح لكل زمان".(23)

الهوامش
**راجع هذا الموقف من خلال كتاب اشفيتسر " فلسفة الحضارة " .

1- ألبرت أشفيتسر: فلسفة الحضارة ، ترجمة د. عبدالرحمن بدوى، مراجعة د.زكى نجيب محمود ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، ص ص 21-22
2- الموضع نفسه
3- المرجع نفسه ، ص ص 22-23
4- المرجع نفسه ، ص ص 23-24
5- الموضع نفسه
6- ابراهيم البليهى:من الطب والجراحة الى فلسفة الحضارة، جريدة الرياض ، 5يوليو 2015م العدد 17177
7- ألبرت اشفيتسر: مرجع سابق ، ص 26
8- المرجع نفسه ، ص ص 26-27
9- المرجع نفسه ، ص 11
10- د.ابراهيم طلبه سلكها : رؤى الفلسفة، دار الحضارة للطباعة والتوزيع ، الطبعة الثانية ، 2003، ص ص 23-24
11- ألبرت أشفيتسر: مرجع سابق، ص 18
12- المرجع نفسه ص ص 18-91
13- المرجع نفسه ، ص 56
14- المرجع نفسه ، ص ص 5-6
15- الموضع نفسه
16- حسن محمد طوالبة: العرب والغرب بين خيارى الصراع والحوار الحضارى ، صحيفة الحوار المتمدن، العدد 3376
17- ألبرت أشفيتسر: مرجع سابق ، ص 7
18- المرجع نفسه ، ص 20
19- المرجع نفسه ، ص 62
20- المرجع نفسه ، ص 63
21- المرجع نفسه ، ص ص 64-65
22- المرجع نفسه ، ص 83
23- ابراهيم البليهى: مرجع سابق







اخر الافلام

.. الليلة | مثقفون يحولون موقع دعاية داعش الى رصيف لعرض الكتب


.. الحصاد- الأزمة اليمنية.. الإمارات تهيئ أحمد صالح


.. الإمارات تسعى لإيجاد دور لأحمد علي صالح باليمن




.. للقصة بقية- المؤتمر الشعبي العام بعد صالح


.. سنة إيران قلقون من اعدامات انتقامية