الحوار المتمدن - موبايل



ظاهرة السادة في المجتمع العراقي (القسم الثالث)

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 6 / 22
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ظاهرة السادة في المجتمع العراقي (القسم الثالث)
لقد خضعت مكانة السادة في العراق الى تحولات عدة عكسها الواقع السياسي المتغير الذي يفرض نفسه على النظم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بصورة ظاهرة للعيان , فاذا عدنا للوراء نجد ان اول عملية تقدير وتمايز للسادة (الذين كان يطلق عليهم الهاشميين) قد حصلت في خلافة عمر بن الخطاب الذي فضلهم في العطاء والمغانم بحسب المكانة والقرب من الرسول محمد , في حين لم يحصل اي تفضيل او تمايز للهاشميين في عهد الخليفة الاول ابو بكر , الا ان هناك تراجعا قد حصل في عهد الخليفة عثمان بن عفان الذي انشغل بتقريب بنو امية من اهله وعشيرته على سائر المسلمين والقريشيين . وفي عهد الامام علي بن ابي طالب اعتمد مبدا العدالة المطلقة في العطاء بين الناس ولم يحصل الهاشميين على افضلية معينة . وخلال العصر الاموي اعتبر الهاشميين في الاجمال معارضين للسلطة الحاكمة , ورغم ان معاوية بن ابي سفيان كان اكثر برغماتية في التعامل معهم وتقريبهم واجزال العطاء والاموال لهم , الا ان الخلفاء من بعده عرضوهم للافقار والملاحقة السياسية بسبب تزعمهم لحركات المعارضة انذاك , وقد اشاع بعض العامة خطا ان الحجاج الوالي الاموي قتل الالاف من العلويين خلال فترة ولايته على العراق , فيما ان الواقع هو انه لم يقتل علويا نسبيا واحدا , وهذا الخلط جاء بسبب التشابه بالاسماء , فكلمة العلويين انذاك كانت تطلق على الشيعة او الموالين لااهل البيت , وكلمة العثمانيين تطلق على الحزب المقابل الذين عرفوا لاحقا بالسنة واهل الحديث , وبما ان الحجاج قتل الالاف ممن اطلق عليهم تسمية العلويين , فهم الناس خطا ان المقصود بالقتل والابادة هم العلويين بالنسب وليس الموالين لاهل البيت , لانهم اصلا لم يكونوا يتجاوزن في اعدادهم العشرات خلال فترتي عهدي الامامين السجاد والباقر .
في العصر العباسي خضعت مكانة العلويين ومنزلتهم الاجتماعية للتحولات السياسية ومزاج الخلفاء والموقف من السلطة , وكانت العلاقة بينهما في بادء الامر طبيعية بسبب انشغال العباسيين بتثبيت اركان الدولة والتوحد ضد الامويين , الا ان العلاقة بينهما سرعان ماتراجعت في عهد ابو جعفر المنصور والهادي وهارون الرشيد , ثم اصابها التحسن في عهد المامون , وعادت الى التراجع بصورة كبيرة جدا في عهد المتوكل التي عانى العلويين خلال فترة حكمه من سياسة الافقار والملاحقة (وقد صور كتاب الرسائل للخوارزمي حالة العلويين والعلويات الماساوية في هذا العهد). وفي عهد المستعين بالله تاسست نقابة الاشراف – كما ذكرنا سابقا - لدفع تجاوزات الاتراك عنهم بعد سيطرتهم الكاملة على الدولة ومقدراتها انذاك , ومنع الدخول في انسابهم وتحديد العطاء لهم , ثم علت منزلتهم في عصر البويهيين وتراجعت خلال سيطرة السلجوقيين الاتراك , ثم عادت مرة اخرى في عهد الناصر لدين الله . واستمرت الاوضاع على ماهو عليه حتى الغزو المغولي لبغداد وسقوط الدول العباسية , اذ تراجعت مكانة السادة بصورة كبيرة بسبب سيطرة الاقوم التركية البدوية على العراق , وتخريب نظام الري والزراعة والمساهمة في عملية التراجع الحضاري في البلاد , ادى الى تحول اغلبية ابناء المجتمع من النمط الزراعي الريفي الى النمط البدوي , وهذا التحول نتج عنه بصورة او باخرى الى تراجع مكانة السادة الذين لم يعد لهم حاجة في المجتمع الجديد , فالبداوة لاتحتاج الى وساطات في الدين او شفعاء , بل هى لاتحتاج الى الدين اصلا , وان الوسط الذهبي الذي كان يعيش به السادة سابقا هو الريف والنمط الزراعي , لان الفلاح في حالة دائمة من الخوف والتوجس على صحته من الامراض , ومحاصيله من الفيضانات والتلف , وقطيع حيواناته من الموت , بل ان بعض البيوتات العلوية تحولت الى النسق البدوي ايضا كما في حالة السادة السويط شيوخ قبيلة الظفير البدوية المتنقلة . واستمرت مكانة السادة بالتراجع والانزواء حتى القرون الثلاث الاخرة (1600 – 1900) عندما حصل تحول ثقافي كبير في المجتمع العراقي , تبلور بتشيع القبائل العربية البدوية السنية بعد استيطانها واستقرارها في وسط وجنوب العراق , لاسباب وتطورات ذكرها الباحثون امثال علي الوردي وحنا بطاطو وحسن العلوي واسحق النقاش وغيرهم , عندها عادت منزلة السادة للارتفاع من جديد لاسباب اجتماعية ودينية تتعلق بالنسق الجغرافي والايكولوجي (البيئي) للسهل الرسوبي , وحاجة الانسان للدين والشفعاء والائمة لمواجهة صعوبات الحياة التي تتميز بالتعقيد في الريف بالقياس الى بساطة البداوة , ومنها – كما ذكرها الدكتور الوردي في كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي – الخضوع للسلطة وضرائبها والتزاماتها , وظهور بوادر الاقطاع وتسلط ال سعدون وغيرهم على الاراضي الزراعية الخصبة والمميزة , واستفحال الامراض المتوطنة في الريف كالملاريا والزحار والسل , واستغلال التجار لهم في عمليات البيع والشراء والتعسف في الربا , وغيرها من المصاعب والاشكالات التي تواجه الفلاح والمزارع في هذا الوسط , والتي يعتقد انه لايستطيع مواجهتها لوحده دون وجود قوة الهية وخفية تعينه وتساعده على الخلاص منها او التخفيف من اثارها وسطوتها , فظهر عندنا دور السيد المخلص صاحب القوى الخارقة والموسوعية , فهو الوسيط بالدعاء والشافي للامراض والخبير بالرقي والحرز وحتى السحر , فضلا عن دوره في المساعي الحميدة لحل الاشكالات العشائرية والتوسط في الخلافات الجانبية والعائلية , وربما يكون السادة هم من ساهم او ساعد بصورة او باخرى في عملية تحول القبائل العربية البدوية السنية الى المذهب الشيعي مع رجال الدين الاخرين والدعاة المتنقلين الذين كانوا يجوبون الريف العراقي والسهل الرسوبي طولا وعرضا للتبشير بالمذهب الشيعي والتعاليم الاسلامية , ويبدو انه خلال تلك الفترة قد ظهر عندنا - ولاول مرة - نمط السيد الطفيلي الذي يعيش كعالة على المجتمع والعشائر العراقية مستغلا ماكان يملكه من راس مال رمزي فاعل في المطالبة بحقه من الخمس – وفق الاطروحة الفقهية الشيعية – وهو عبارة التزام يقوم بمبتغاه الانسان المكلف بدفع 20% من صافي ارباحه لرجل الدين او المرجع , والذي يقوم بدوره بتقسيمه الى نصفين : نصف حق الامام الذي يتصرف به المرجع من حيث توزيعه على فقراء العوام او طلبة الحوزة العلمية ورجال الدين وانشاء المدارس والمكتبات وغيرها , والنصف الثاني فهو مختص لفقراء الهاشميين والسادة فقط , ولايجوز اعطائه لااحد اخر , وقد ذكر الدكتور الوردي ذلك بالقول (والسيد في القبائل العراقية له حق الخمس في الحاصلات الزرعية وهو يطالب به من غير توسل او استجداء ويسميه حق جدي , واذا اشتهر احد السادة بقوة شارته ازدادت منزلته ارتفاعا بين القبائل فحلفوا باسمه وتبركوا بدعائه ونذروا له النذور الوفيره , واذا تمرض احدهم ذهب الى السيد فاخذ منه خيطا اخضر فشده على رسغه لينال له الشفاء) . والملاحظ ان المكانة التقدير للسادة قد ظهرت بصورة اكبر في منطقة الفرات الاوسط بالقياس الى منطقة جنوب العراق (الغراف والعمارة والبصرة) , والسبب هو قوة التبشير الاسلامي الشيعي فيها , والقرب من العتبات المقدسة والحوزة العلمية في النجف وكربلاء , وقد حدثني السيد مهدي السيد رضوي رحمه الله شيخ عشيرة السادة ال بوهلالة عن (ضعف جانب التقدير للسادة في منطقة الغراف وجنوب العراق بالقياس الى منطقة الفرات الاوسط) , وتجلى ذلك التقدير بصورة ظاهره في المساحات الزرعية الكبيرة التي يملكها بعض السادة هناك امثال هادي ال زوين وعلوان السيد عباس وعلوان الياسري واخيه نور الياسري وهادي ال مكوطر ومحسن ابو طبيخ وغيرهم , فيما لم تكن هناك ملكيات زراعية واسعة في الغراف واسفل دجلة عدا اراضي السادة البو هلالة التي حصل عليها جدهم السيد احمد هلال الدين (او هلالة) من اخواله امراء ربيعة الحاكمين لهذه المنطقة قبل سيطرة المنتفك , علما ان اصطلاح السيد الطفيلي الذي اخذ بالتشكل انذاك لايشمل جميع السادة , فالاغلبية الساحقة منهم تعمل بالزراعة حالها حال الاخرين , وعانت من شظف العيش والضرائب والصعوبات مثلما عانى الاخرون من افراد المجتمع الريفي , بل ان الكثير منهم اخذوا يتقربون للسادة الارفع شانا ومكانة بدافع الخوف ايضا , ويبدو لي ان القضية تخضع للفرق الفردية بين السادة , فهناك الانتهازيون والطفيليون وهناك الاشراف المتحفظون , وهى في المجمل سمات وصفات موجودة في جميع القبائل والجماعات , والانسان هو في الاخير ابن مجتمعه , والسادة هم عينة من هذا المجتمع يخضعون لافكاره وانماطه ووتوجهاته .
كما شهدت القرون الثلاث الاخيرة انتشار او اختراع ظاهرة جديدة برزت مع انبعاث السادة كنسق اجتماعي فاعل وهى (الشارة) وتعني في اللغة العلامة او الدلالة الواضحة . وقد وردت في التاريخ الاسلامي في قصة المباهلة بين وفد نجران المسيحي والرسول محمد واهل بيته عندما قالوا له (لماذا لم تخرج لنا اهل الكرامة والشارة من اصحابك ؟) . ويبدو انها جاءت ضمن سياق اصحاب الشان . وهى مفهوم او فعل انتقامي غيبي خارق للعادة يحصل من الله او الرسول ضد الانسان الذي يتجاوز على السيد بالسب او الاذى - او ربما حتى بالتقصير - كأن يكون مرض او حريق او موت او اي حادث اخر يحمل دلالة الاذى , وقد لاتصيب الشارة من قام بفعل الاذى فحسب , بل ربما تصيب عائلته او املاكه او صحته , وهى اقرب الى مفهوم (اللعنة) او (النقمة) منه عن مفهوم الكرامة الشائع في الاسلام , فالاخير يحمل دلالة الانتقام السلبية ودلالة البشارة الايجابية , فيما ان فعل الشارة يحمل دلالة الانتقام واللعنة فقط , وتكون في اغلب الحالات عفوية , اي الاعتقاد ان السيد احس بالغبن او الزعل والغضب والامتعاض فتحصل الشارة , او في حالات اخرى قد يكون مصحوبا بالتهديد والدعاء , كان يقول السيد (مخلي جدي وياك) (ويقصد بجدي الرسول محمد وليس الامام علي من اجل ان يكون التاثير اقوى وامضى على المتلقي) , وبما ان الشارة او اللعنة مفهوم نفسي اكثر مما و واقعي وموضوعي , بمعنى ان تاثيره يكون من الداخل وليس من الخارج , فان الانسان المعني بالدعاء واللعنة هو من (يشور) بنفسه , لانه سياخذ حتما بالشك والقلق والتوتر على نفسه او ماله او اهله من ذلك الدعاء , وربما يصيبه نوعا من الاضطراب والترقب والخوف من المجهول , وبما ان المجتمع العراقي يعيش انذاك – وربما حتى الان – النمط القرو – سطي المتخلف من حيث الايمان بالغييات والماورائيات والكائنات الاسطورية والخرافية كالطنطل والسعلوة والجن وغيرها , فان من الطبيعي ان يكون تاثره بهذه المفاهيم البدائية قويا وفاعلا , لذا فان الانسان المعني بالتهديد او الدعاء ياخذ بالوسواس والتوجس والربط بين اي حادث ماساوي يقع له وبين تلك الشارة او ذلك الدعاء الذي قام به السيد حتى لو كان عن طريق المصادفة , وتبدا الافكار السوداوية تراوده ليل نهار والاضطراب والقلق يقض مضجعه , فما عليه بالاخير سوى الرضوخ للامر الواقع وارضاء ذلك السيد الغضوب باي وسيلة كانت وطلب الصفح والمسامحة والغفران منه, واعادة حقه المنتهك اذا كان ماديا او الاعتذار منه اذا كان التجاوز لفظيا . ولاتنحصر الشارة بالسيد الحي فقط بل هى تشمل اصحاب المراقد المدفونين فيها السادة , اوالمقامات التي غسلوا بها سابقا اثناء الوفاة , (ويطلق عليها اصحاب القبب) , وتظهر عند الاخلال بالوعد او النذر الذي يقوم به الانسان رجلا كان او امراة لصاحب المرقد او المقام من اجل طلب حاجة معينة او دفع شر محدد او شفاء من مرض وغيرها , كأن تكون زيارته او دفع الاموال له او ذبح حيوان معين له , وبالطبع ان تلك النذور تذهب لمتولي المرقد الذي يسمى ب(الكيم) , الذي يتمتع هو وعائلته بتلك النذور والهدايا , علما ان الكثير من المتولين على تلك المراقد هم ليسوا من السادة العلويين , وانما هم اناس بنوا تلك المقامات او اخترعوها من اجل المال والمكانة والشهرة , ولاحاجة الى القول ان اغلبيتها مقامات وهمية لااصل لها .
ويرجع سبب اختراع او انبعاث مفهوم الشارة بصورته الحالية من قبل السادة الى واعز وظيفي محدد , وهو طلب الحماية من التجاوزات التي تحصل من قبل العوام من جانب والحفاظ على المكتسبات والمنزلة الرفيعة من جانب اخر . فالسادة في العراق ليسوا عشائر كبيرة , بل هم - كما قلنا - اقرب للعوائل منهم للعشيرة , ويعيشون كالاقليات ضمن اتحادات قبلية متعددة , والعصبة او الرابطة الاجتماعية عندهم ضعيفة جدا , لانهم في الاصل عشيرة غير محاربة , ويتميزون بالضعف والشتات , ويعتمدون في الحماية والحصانة على الهوامش والحواشي التي اضافها الناس اليهم – او هم اضافوها لاانفسهم - من القداسة والاساطير والخيالات وغيرها , وبما ان النمط القبلي البدوي قائم على التنازع والتغالب والاستئثار واحتقار الضعيف والعاجز, فان السادة هنا امام موقف محرج , لان تلك القيم والانماط البدوية لايستطيعون مجاراتها او التكيف معها , فانهم لجئوا بالتالي الى راسمالهم الرمزي من الغيبيات والهالات لحماية انفسهم من تلك التجاوزات , فكان اختراع مفهوم الشارة كاحد افضل الحلول الناجعة لمنعها او تحجيمها على الاقل , وربما نستطيع القول بانه لولا مفهوم الشارة لانقرض السادة في العراق , او ذابوا وسط هذا الطوفان العشائري الكبير مثلما انقرض الموالي او ذابوا وسط القبائل العربية بعد الغزو العربي – الاسلامي للعراق , وهو والحال هذا اعظم واذكى اكتشاف للعقل اللاواعي الشيعي خلال القرون الثلاث الاخيرة , وهذا الاختراع لم يكن لينجح لولا وعي السادة واحساسهم الفطري بازدواجية العراقيين بين القيم البدوية من جانب والقيم الحضرية من جانب اخر , او كما قال الوردي (ان العراقي جمع في شخصيته عنجهية البدوي وخنوع الحضري) . بمعنى ان هناك جانبا غير مرئيا في تلك البيئة استغله السادة لصالحهم وهو حالة الخوف والتوجس والقلق من المجهول الذي يعد عاملا مساعدا في فرض نموذج الشاره ونجاحه , فالبيئة العراقية مفتوحة على جميع الاحتمالات السلبية والسيئة التي تصيب الفرد والمجتمع على حد سواء , فمن الامراض الى الفقر وفقدان الاملاك الى سطوة الدولة وظلم الطبيعة تجعل احتمالية نجاح الشارة وفاعليتها عالية جدا , ويبدو ان تلك الشارة اصبحت ثيمة مركزية في تقدير مكانة السيد ومنزلته حتى قالوا بالامثال الشعبية (السيد اللي مايشور محد يزورة) او (الامام اللي مايشور يسمونه ابو الخرك) , فكانت هذه البيئة هى الوسط الذهبي لانتشارها بين الناس وترسيخها على مدى عقود طويلة , لم تضعف او تتلاشى تدريجيا الا بعد التحولات المفصلية بعد الحرب العالمية الثانية – كما سنرى .
ولم يكن مفهوم الشارة خاصية شيعية جنوبية فقط , بل هو نمط اجتماعي موجود حتى في المناطق السنية من العراق , ولكن يبدو انه مقتصر على الاولياء الاموات وليس الاحياء . فقد أدرجت هذه القصة عن (اسطة) اخذ طابوق من مرقد احد الاولياء المتصوفة يدعى الشيخ (ولي ابو كلاو) في سامراء من اجل تثبيت احدى مضخات المياه التي كانت تسمى عند العراقيين في بداية دخولها مطلع القرن العشرين ب(الطرمبة) , ولكن الأسطة لم يكن من المتخصصين في تقنية المضخات والآلات الحديثة ، فما ان شرع بتشغيل الماكنة حتى انفجرت وهدمت ما بني حولها من جدران ونثرت الطابوق المسروق من مرقد الشيخ ولي وبعثرته في كل مكان . وشاعت بين الناس حكاية هذه الكرامة والشارة من الشيخ ابو كلاو. فانبرى الشاعر الشعبي محمد الحسين وكتب قصيدة ساخرة نقتطف منها هذين البيتين :
نعمين يا ابو كلاو راعي الشارة
يا مفلش الطرمبة، وحامي حجاره
نعمين يا بو كلاو راعي الشارة
خلا حدايدها ورا العبــــارة
وكما شهدت القرون الثلاث الاخيرة ولادة السيد الطفيلي شهدت كذلك ولادة السيد المخيف . وترجع هذه الولادة الى سبب اساسي وهو اختراع الشارة التي اطرت الشخصية العلوية بطابع من الغموض والتمايز والحصانة النسبية , وليس الى مااشيع حول ان سبب الاحترام والتقدير هو الانتساب او الامتداد لرسول الله , او انهم (فروخ الزهرة) وغيرها . فالمجتمع العراقي ذات الجذور والقيم البدوية لايشكل التقديس فيه نمطا ثقافيا فاعلا ان لم يكن مصاحبا بالخوف والترهيب , كما ان حداثة القبائل العربية في جنوب العراق بالتشيع تجعل الاهتمام بالهوامش والمتعلقات التي تعبر عن هوية المذهب الفرعية ضعيفة جدا , لان الاسلام في الاصل لم يكن يشكل لهم قيمة متعالية بالقياس الى القيم البدوية التي تسير عليها الجماعة وتعتقد بها , حتى ان احد الكتاب السنة تهكم حول الشكوى من تشيع القبائل في جنوب العراق خلال القرون الثلاث الاخيرة قائلا (ان هذه القبائل هى في الاصل لاتعرف الاسلام حتى تترك السنة وتدخل في التشيع) . فضلا عن ذلك ان الخوف يشكل مرتكزا دلاليا وحافزا اساسيا في الاحترام والتقدير عند العراقيين , وليس المتبنيات المتعلقة الاخرى كالعمل الايجابي او خدمة المجتمع او سلوك الانسان الحسن وغيرها . وسنجد مصداق ذلك لاحقا بان ضعف الاعتقاد بالشارة عند الاجيال العراقية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية قد ادى اوتوماتيكيا الى تراجع مكانة السادة ومنزلتهم في الوسط الاجتماعي .
ان هذا التقديس او الخوف من السادة بسبب الشارة ادى الى بلورة حالة من التمايز الرمزي والفئوي تمظهر من خلال صور عدة اهمها : تقديم السيد في المجالس والمناسبات والولائم (العزايم) او تقبيل يده عند السلام عليه ( وهو في الواقع تقبيل الانسان ليده التي صافحت السيد تحديدا وليس تقبيلها مباشرة ) واعتبار وجوده ملزما عند حل الاشكالات االعائلية او التقدم للخطوبة والزواج او التوسط في قضية معينة وغيرها . الا ان اقوى صور التمايز قد حصل خلال هذه المرحلة ونجح فيها السادة نجاحا باهرا (او قللوا من اثارها الدموية والكارثية) هى التوسط في النزاعات العشائرية وحلها . فمن المعلوم ان استيطان القبائل العربية واستقرارها في جنوب العراق - والذي ادى الى (ترفضها) و(تمعدنها) بحسب تعبير ابن سند البصري ومحمود شكري الالوسي - قد ادى الى حدوث مشاكل كبيرة جدا على الاراضي الزراعية الخصبة من جانب وعلى مياة الانهار من جانب اخر , وهذه المشاكل حدثت بين افراد العشيرة الواحدة او بين العشائر المتجاورة , وكان اكثرها قد حصل - او مركزها الرئيسي - في منطقة الفرات الاوسط , وذلك بسبب تغيير فروع نهر الفرات لمسارها بين الحين والاخر , على اعتبار ان كمية الغرين والطمى التي يحملها هذا النهر كبيرة جدا , نتج عنها قيام حالة من الصراع والتنازع المسلح بين العشائر حول احقية الاراضي الزراعية التي يمر بها النهر الجديد , استغلها السادة للتدخل بين المتحاربين وفض المتنازعين , وهذا التدخل يكون اما من خلال التوسط بين اصحاب القرار من الشيوخ والاعيان مباشرة , او الدخول بين المتنازعين في ساحة المعارك ورفع الراية الخضراء , وكان لهذا التدخل والتوسط الاثر الفعال في انهاء الكثير من تلك الاشكالات وحلها بالطرق السلمية والعشائرية المعهودة واعادة المياه الى مجاريها , وهكذا نصب السادة ( انفسهم اشارات ضؤية لتنظيم حركة السير في النظام والمجتمع المتشظي ) – كما يقول اسحق النقاش .







اخر الافلام

.. مدّ وجزر.. بين بغداد وأربيل


.. إيران.. الاستراتيجية الأميركية والحسابات الروسية


.. قوات سوريا الديموقراطية.. مكاسب وتداعيات




.. تركيا.. حملة على خصوم أردوغان


.. سقوط داعش.. وملاذات مسلحيه