الحوار المتمدن - موبايل



جزر تيران وصنافير مهزلة أم قضية!

محمود يوسف بكير

2017 / 6 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


في واحدة من المهازل الكثيرة التي تشهدها الساحة السياسية في مصر هذه الأيام قامت أغلبية أعضاء البرلمان بزعامة رئيسه بتمثيل الحكومة السعودية في الدفاع عن حقها في تملك جزيرتي تيران وصنافير حتى حسبتني أمام مجلس نواب سعودي وليس مصري. الامر بدا وكأننا نشاهد أحد مسرحيات بيكيت العبثية. وانتهت المسرحية بإصدار تشريع يجرد الجزيرتين من جنسيتهما المصرية لصالح الجنسية السعودية.
لست هنا بصدد الحديث عن الوثائق التاريخية والجغرافية والقانونية التي تقدم بها خبراء مصريون والتي تثبت مصرية الجزر ولكنني بصدد الحديث عن بعض المفارقات المخزية والمحزنة في هذه المهزلة.
وأول هذه المفارقات هو ما تعلمته كاقتصادي وهو أن أبحث عن الدوافع الاقتصادية لفهم أي ظاهرة. وفي هذا نقول هل كان من الممكن تصور أن تتنازل القيادة السياسية في مصر عن ملكية الجزر بهذه السهولة وهذا الشكل المهين لو أنها كانت في وضع اقتصادي قوي ومستقر وليست بحاجة لأي مساعدات مالية من السعودية؟ أم أنه الفقر والحاجة التي تتدفع الأم الى بيع عرضها من أجل اطعام أولادها؟ والسؤال من الذي قادنا إلى ما نحن فيه الان من بؤس ومذلة وتسول للغير؟
والمفارقة الثانية هي أنه بعد أن فشلت القيادة السياسية في ترويض القضاء الاداري المصري وجدت ضالتها في مجلس النواب للحصول على تشريع بسعودة الجزيرتين. والمؤسف ان البرلمان تجاوز كل حدود الحياء والحذر بتجاهله وتسفيه رئيسه لحكمين قضائيين بمصرية الجزر. وهو الامر الذي لن ينساه الشعب المصري لهذا البرلمان الذي بذل غالبية أعضاءه جهودا جبارة لمساعدة الحكومة في التعتيم على الوثائق والمستندات التي حاولت المعارضة والخبراء عرضها لإثبات أن الجزر مصرية.
والمفارقة الثالثة هي أن نقل ملكية الجزر للسعودية يؤسس لمرحلة جديدة وخطيرة في الشرق الأوسط حيث سيكون بمقدور إسرائيل التخلص وللأبد من مخاطر أغلاق مضايق تيران امام اساطيلها التجارية والعسكرية المتنقلة ما بين البحر الأحمر وميناء إيلات. حيث ستشعر إسرائيل بأمان أكثر مع ارتفاع العلم السعودي على الجزر بدلا من العلم المصري.
وباعتبار أن السعودية هي أغنى الدول الاسلامية وأرض الحرمين فقد تكون يوما ما مدخل إسرائيل لقلب العالم العربي والإسلامي بحكم حتمية دخولها في اتفاقيات جوار مع إسرائيل. ونحن على استعداد لتقبل هذا ولكن ليس على حساب حق الفلسطينيين في التحرر من الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولتهم المستقلة.
أما المفارقة الرابعة فتتعلق بالسؤال المنطقي والذي طرحناه في مقال سابق لنا ألا وهو لماذا لم تلجأ الحكومة المصرية للتحكيم الدولي لفض هذا النزاع بشكل قانوني محايد ومتحضر ويحفظ العلاقات الودية بين مصر والسعودية وشعبيهما؟
وإجابتي المتواضعة هي ان الحكومة المصرية تجاهلت وتجنبت هذا الخيار ما وسعها حتى لا تتعرض للحرج أمام شعبها وأمام المحكمة الدولية وأمام العالم كله لأن حكومتنا ليس لديها خصومة أصلا مع الحكومة السعودية وهي أكثر حماسة من الحكومة السعودية في إثبات أن الجزر تعود للأخيرة. وحتى لو قبلت الحكومة المصرية باستكمال المسرحية العبثية وذهبت إلى خيار التحكيم الدولي من باب سد الذرائع واستعباط شعبها؛ فلك أن تتخيل منظر حكومتنا أمام المحكمة وهي تكذب وتتقاتل مع علمائها وخبرائها في الداخل والخارج الذين أثبتوا بالوثائق والمستندات التاريخية أن الجزر مصرية.
كل ما سبق يثبت أن وراء النية المبيتة للحكومة المصرية في تسليم الجزيرتين للسعودية ضغوطا سياسية واقتصادية ارتأت القيادة المصرية أن أرباح الانصياع لها أكبر من خسائر مواجهتها. ولكن هل هذا صحيح؟
أقول وأتمنى أن أكون مخطئا إن قرار التنازل عن الجزر ستكون له تبعات سلبية على الاقتصاد المصري لأنه سيؤدى بالضرورة إلى المزيد من الانقسام والاستقطاب والاحتقان في الداخل وهو ما يعني تفاقم حالة عدم الاستقرار المجتمعي التي نعاني منها في مصر بسبب تردي الاوضاع الاقتصادية والبطالة والغلاء وعمليات القمع المستمرة وغياب الحقوق الأساسية للإنسان المصري.
وغني عن القول إن الاوضاع المذكورة غير مشجعة للاستثمارات الأجنبية الجادة وطويلة الأمد التي تحتاجها مصر بشدة من أجل نجاح مسيرة التنمية والإصلاح الاقتصادي. كما أن حالة عدم الاستقرار وكبت الحريات تؤدي إلى المزيد من التطرف وهو ما يؤدى إلى زيادة معدلات الإنفاق على أمن النظام خصما من الانفاق التنموي الذي من المفترض أن يستفيد منه المجتمع ككل وليس النظام وحده.
أضف إلى ما سبق حقيقة أن إهدار أحكام القضاء من قبل النظام ذاته يعطي إشارات خاطئة للعالم الخارجي والمستثمرين الأجانب بإن أحكام القضاء لا تحترم وأن القضاء في مصر غير مستقل وهو ما قد يؤدى إلى احجام المستثمرين الجادين وإقبال النصابين والمغامرين الذين يجيدون العمل في هذه الأجواء بنظام Hit and run.
إن مشاهد انتشار الدبابات وجنود الجيش والشرطة والبلطجية المسلحين في الميادين والشوارع بشكل متكرر لمنع أي محاولة للتظاهر السلمي للتعبير عن رفض تسليم الجزر للسعودية لهو أمر خطير ولا يعزز الصورة التي نسعى لتقديمها للعالم بأن مصر بلد آمن ومستقر ومشجع للاستثمارات الأجنبية.
إن أي نوع من التفكير العقلاني البسيط يثبت على الفور أن نظامنا السياسي أستاذ في الحسابات الخاطئة التي كلفت ولازالت تكلف مصر الكثير.







التعليقات


1 - حلايب
السودانى ( 2017 / 6 / 23 - 00:43 )
ذات السبب الاقتصادى الذى جعل السيسي يبيع ارضه منعنا كسودانيين من استعادة ارضنا المسلوبه فى حلايب وشلاتين رغم اننا تنازلنا طوعا لاخوتنا المصريين عن اراضينا فى حلفا وسمحنا باغراق تراث الاجداد من حضاره عريقه فى شمال السودان لاجل اقامة السد العالى .لكننا لا نجد غير التعالى من اخوتنا المصريين ولكن تجربة جزر تيران وصنافير تؤكد ان حقوقنا مؤمنه ولن تضيع متى ما امتلكنا الرز الذى لا يغلى عند الساسه المصريين شىء فى سبيل الحصول عليه


2 - سوء حظ
على سالم ( 2017 / 6 / 23 - 23:40 )
من الواضح استاذ محمود ان مصر سيئه الحظ جدا , الرعاع والجهله الاجلاف الساديين يتحكموا بها ويسرقوها ويدمروها ويذلوا شعبها ويقتلوهم


3 - لا للتنطع لا للتدليس
طارق ( 2017 / 6 / 24 - 01:47 )
شعب مصر لا يمكن أن يمرَّ عليه هذا التنطع والتدليس لأن لديه قضاء مستقل ونخب واعيه تحترم شعبها في قول الحقيقه . السيسي قال عبارة - أحنه فقرا قوي - هل هذا يعطيك تخويل للتفريط بأرض من بلدك مقابل مال الشعب المصري لايمكن ان يهزم وبيع جزيرتين لا تحل مشكلة أقتصاديه


4 - الاستاذ علي سالم
د. محمود يوسف بكير ( 2017 / 6 / 24 - 08:56 )
معك حق أستاذ علي أملنا كبير أن يصل إلى الحكم يوما ما قائد مخلص ومؤهل لقيادة مصر ﻷ-;-ن . الشعب لن يتمكن بمفرده. من تغيير منظومة الاستبداد والفساد التي اعتاد عليها. الغيير لن يأتي أبدا من أسفل . تحياتي


5 - الاستاذ طارق
د. محمود يوسف بكير ( 2017 / 6 / 24 - 09:03 )
كل ما ذكرت صحيح ولكن كل هذه النخب منهكة ومحاصرة. أرجو قرأة تعقيبي على مداخلة الاستالأستاذ علي سالم
تحياتي

اخر الافلام

.. لحظة انقلاب العبارة في الموصل العراقية


.. خفر السواحل الليبي يعلن فقدان 30 مهاجرا على الأقل بعد غرق قا


.. كيف سترد دمشق على تصريحات ترامب حول السيادة على الجولان؟




.. ما المطالب التي سيرفعها الجزائريون في الجمعة الخامسة من الحر


.. الاتحاد الأوروبي ولندن يتفقان على تأجيل خروج بريطانيا -بريكس