الحوار المتمدن - موبايل



النبي يونس نموذج كأسطورة شمس –قمرية قديمة قراءة جديدة

هرمس مثلث العظمة

2017 / 6 / 30
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


مهما بدت لنا الاساليب الفلسفية القديمة وخصوصا الاغريقية منها براقة إلا أنها في المجمل تعتمد على الاساطير و لكن بأسلوب بارع يتم ابعاد تفاصيل الاسطورة ليحل الاسلوب العقلي تدريجيا في مكنونونات ذلك العمل الادبي. ونأخذ الاغريق كمثال نجد عند هيراقليط نظرية الدورية مجسدة بكمال البدايات وذلك من خلال الاكوان الغير منقطعة من الدمار او الخلق و هذا له تأثير على الرواقية وافلاطون . حيث ان كمال البدايات فكرة قديمة والمقصود بها ان توسع الكون مؤشر في مرحلة لاحقة للانطواء على نفسه حيث يبدأ شيء جدبد بالفعل وذلك من خلال القضاء على بقايا وانقاض واطلال الدورة القديمة للكون وذلك من خلال عودة الكون إلى سابق عهدهلحظة بدء تشكيله اي ولادة الكون . مما يدفعنا النظر إلى النموذج البدائي لهذه الفلسفات في الحضارت القديمة يؤخذ العنكبوت كخالق للكون ويضع نفسه بمثابة وكيل للعوده به الى حالة الخواء والعماء البدائي . وعلى سبيل المثال في الهند القديمة كتب أن عنكبوتا عملاقا قد حاك الشبكة والتي هي( الكون ) خاصتنا ويجلس في مركز الشبكة ( الكون ) يتحكم بكل الاشياء من خلال الاوتار أي خيوط الشبكة . يقولون في هذه الاسطورة سيأتي يوم ويحطم الشبكة (الكون) ويغزل شبكة (كون ) جديد في مكان أخر .

فمعظم القصص المتعلقة بــ ، موسى ، يوشع بن نون ، يونس / يونان والشخصيات المحورية في القرآن والكتاب المقدس ما هي إلا أساطير تجسد رحلة الشمس السنوية ، قد يقول قائلهم بأني أبالغ بالامر ، للأسف أنت من تظن ذلك ! فمن أجل إزالة الطابع الديني المألوف لدينا ذو الاستعمال اليومي ومن أجل إبداع قراءة جديدة متفردة ، لا بد لنا من البحث والتنقيب بالبنى الاسطورية الراعية لإحدى الاساطير . طبعا دون أدنى شك هنالك بعض التمايز بين مختلف الميثلوجيا في شتى الحضارات ، لكن ما نعمل عليه هو إيجاد المتشابه فقد أخبرنا كتاب الفيدا بأن " الحقيقة إنما هي ما يتكلم عنه الحكماء بأسماء عدة "بالنسبة لنا سوف نكتشف قصة يونس كما لو كنا شاهدين على روايتها وحبكتها الدرامية ،فالوظيفية الميثلوجية للقراءة هي ما تهمنا لأننا ، نرى فيها حادثة روتها الحضارة القديمة و يجهلها عالمنا الحديث .
فيتجلى هدف هذه المقالة في حرصها على إيضاح سلسلة من الحقائق المجهولة الدفينة تحت شخصية النبي يونس في الاديان الابراهيمية وما تخفيه من عدد كبير من الامثلة الدينية والميثلوجية ، وذلك من خلال جمع وتبويب وربط الاساطير والحكايات الفلوكلورية وما شاكلها من جميع زوايا الكرة الارضية ودمجها وإزالة عامل اللغة والدين لنجعل الرموز التي تفيض بها شخصية النبي يونس لتتحدث عن نفسها .

ازدحمت قصة يونس بمزيج من الصور والايحاءات التي ألهمت مختلف الحضارات البشرية على مدار تطورها في رؤية تصورها عن البطل ، فما كان من هذا الابداع حتى الآن على مستوى الفاعلية الانسانية سواء الروحية او الفكرية فالبنى التصورية للبطل ومغامراته تمثل الرافد الغير المرئي الذي غدى الخيال البشري متدفقا عبر الحلم التصوري والمنشود لينصب في نهاية الامر في شريان الثقافة البشرية فالاديان البشرية التي احتفى بها الانسان اختمرت وتصاعدت من اللحن السحري السري للاسطورة فقصة يونس كما سنرى مقتبسة بصورة لا مراء فيها عن القصص القديمة التي وضعت تصورها عن عدد من الحَملة الرمزيين لمصير أي انسان كان ، في صيغة تكوين رحلة المغامرة لما تقتضيه ضرورات النفس الجماعية للوصول الى الخلاص .
وما تدور عليه أحداث تلك القصة هل المقصود سمكة أم حوت ؟ حيث أن نسخة الملك جيمس ولسبب ما سنكشفه تبين أن الذي ابتلع يونس ليس حوتا إنما سمكة والنسخة العبرية منه كذلك ولكن القرآن أقر بأنه حوت .
ولذلك ساقوم بدور تعليمي بسيط وذلك بجعل قصة يونس وغيرها من القصص الاسطورية في القرآن وغيره من الكتب الدينية مفاتيح ترشدنا لإدراك التشابكات بين الارث الحضاري الذي تركه اسلافنا قبل كل من اليهودية – المسيحية – الاسلام .في حقيقة خوضهم رحلة بحث عن حقيقة هذا الاله او ذاك وسنجد تطابق نماذج بالرغم من الاختلافات الظاهرية والذي قد يعود للغة وثقافة العصر لكل بيئة والاتفاق يعود الى تركيبة النفس البشرية في البحث عن حل لمشكلاتها العميقة واسرارها الداخلية لتجوب بذلك ممراتها الداخلية .
إن الكَتبة في ذلك الوقت بشكل عام ومن كتب القصة في الكتاب المقدس بشكل خاص كان على جهل بأن الحوت من الثدييات ، إن القصة الاساسية لحوت يونس أتت من إلهة البحر" ديرستيو " ، حوت دير ، الذي ابتلع وأعاد ولادة الاله أوانيس والذي أصبح كرجل تعاد ولادته من فم الحوت ،فإن رواية بقاء يونس في جوف الحوت ثلاثة أيام تفصح عن الرمز المكبوت داخل القصة فإن الجوف يشير إلى الرحم . حيث هنالك قصة رومانية – اغريقية عن بوليمان وهي المقابل لقصة يونس .

" أن أم بوليمان كانت فينوس ، رحم البحر ، سميت دلفينوس والتي عنت كلا المعنين دلفي ، والرحم ، ذلك أن كلمة سمك مردافها في الاغريقي رحم
فإن قصة ابتلاع يونس من قبل حوت ومن ثم قذفه خارج هي حوداث فلكية ، فالثلاثة أيام في جوف الحوت أو في قبر تأخذ معنى رمزيا في الاسطورة القمرية و الشمسية أيضا فتمثل الشمس في جوف الارض مجازيا أي وقوع الشمس تحت سطوة الليل أو قبوعها في أحضان الظلام وهي فترة تمتد من 22- 24 كانون الاول . ففي الخامس والعشرين من كانون الاول يوم الانقلاب الشتوي تبلغ الشمس فيه حسب التقويم الجولياني آخر مدى لها في الميلان عن كبد السماء ، ويبلغ النهار أقصره . ولذلك فقد اعتبر يوم ميلاد للشمس ولآلهة الشمس لأن اليوم الذي يليه هو يوم صعود الشمس من جديد نحو كبد السماء فجوف الحوت يمثل رمزيا رحم الارض.
فيقول دوان :
"بأن هنالك خرافة هندية ، تشبه الى حد كبير قصة يونان ويمكننا ان نجدها في سوماديفا بهافتا عن شخص اسمه ساكتيديفا والذي ابتلع من قبل سمكة ضخمة والذي خرج منها آخيرا من غير ضرر ، ، و حيث نجد في الخرافة اليونانية أن حوتا ابتلع هرقل في مكان يدعى " جوبا " وبقي ثلاثة أيام في جوف الحوت . فالبطع هذه القصة رمزية كما قصة ساكتيديفا وكذلك بقية النسخ الاخرى من نفس الخرافة ، فتكمن دلالتها من خلال الابتلاع والرمي المتعاقب في اليوم الرابع أو بابتلاع الشمس من قبل الليل . فاليوم او الشمس يبتلع من خلال الليل ليطلق من جديد عند النهار ، فالشمس دعيت يونان جونا او هيرقل وغيرهم الكثير ممن جسدوا الشمس والسمكة الضخمة جسدت الارض "
زيادة على ذلك فالكلمات جونا ، جون ،جوانا و ايون هي بكل وضوح مشابهة لحالة الكلمات التالية بعل ، السيد ،الاله او المبدأ الاول .اضافة الى ذلك فلقد ادعى الاسكندنافين بأن اسم الشمس هو جون كذلك فعل الفرس فلقد اسموها جواناه وهذا ما قال به دوان .
وبدراسة أصول الكلمات ، نكتشف حقيقة أمورا رائعة ، ذلك بان تلك الكلمات عن الشمس يمكن تعقبهن الى نفس المصدر وفي مرده يكون الى الشمس . في حقيقة الامر غالبا ما نجد بأن أسماء مختلف الالهة الشمسية والابطال يرتبطون ببعضهم البعض .وعلى سبيل المثال لا الحصر ، في لغة الباسيك الموغلة بالقدم والغامضة نجد دينوسيوس هو دوينيكسي والتي تبدو بانها مرتبطة بالاله السومري دومزوي والذي اصبح تموز او ديونيوسيوس او باخوس والتي يمكن تعقبها ايضا الى الاله العبري يهوه ، فمثلا باخوس يكتب اياخوس والذي بدوره مرتبط ال ايوا او ياه مذكر يهوه العبري .

فالبطل الشمسي هرقل يكتب هيركليس وهو نفس هار- اكليس والذي بدوره يشير الى حورس او حور ، بينما كيرشنا يدعى حيري ، الكلمة السنسكريتية للرب الراعي والمخلص .
بوذا يدعى ايضا " حيري –مايا " والتي تتوافق مع هرمس . في الايرلندية القديمة كلمة بودا كما بوذا تعني الشمس ، النار والكون .
زيادة على ذلك كلمة بعل ك اشارة الى السيد او الاله وجدت في الهند كـ بال و ارتبطت بالكلمة بول اي الثور والتي اصبحت مصطلح معروف يشير الى عصر الثور ، ويمكن تعقب جذور كلمة ثور الى "سير " لدى السورين هو مصطلح آخر يشير الى الشمس .
ولزم التنويه إلى الاله الكلداني أوانيس والذي يبدو أن يتشابه مع يونس /يونان فمعنى" أوانيس " الذي اعيدت ولادته من من فم الحوت فقط دعونا نقارنها مع ماتم ذكره في الكتاب المقدس /
و امر الرب الحوت فقذف يونان الى البر.
ومن ثم لاننسى أن يونس كان في العراق ومصدر قصته مدينة عراقية تدعى نينوى .

يجدر الذكر بأن أصل طقس العماد هو بالاساس سومري ويرتبط بالاله السومري –البابلي للماء فكان البابليون يرمزون للاله أيا بحيوان خرافي نصفه الأعلى جدي ونصفه الاسفل سمكة ، كما كانوا يرمزون لبرج انكي السماوي بنفس الحيوان . وهذا البرج مازال معروفا إلى يومنا هذا ببرج الجدي ، وهو البرج الذي لاحظ البابليون القدماء ان الشمس تدخله في وقت الانقلاب الشتوي لتجتازه بعد ذلك صاعدة في دورتها الجديدة نحو منتصف السماء ويوحنا هو نفسه أوانيس ذلك بأن بأن طقس العماد كما قلنا سابقا ينسب للديانة السومرية وكذلك يطبق في الديانات السرية وهو نسبة لعبادة اله الماء السومري – البابلي " إيا" الذي يعني اسمه بيت الماء وكانت تقام طقوس التعميد في معبده ، واذا عرفنا أن ايا نفسه انكي واسم انكي كان عرف لاحقا باسم " أوانيس " الذي يلفظ باليونانية إيوانيس وبالاتينية " يوحانيس " وبالعبرية " يوحنان " فنجد بأن يوحنا المعمدان هو نفسه إيا . فإن أوانيس هو اسم للــ الإله البابلي، الذي يجسد كصورة لأساطير الالهة ذات الصفات البشرية التي تخرج من الماء ، وبالتالي تتكشف لنا العلاقة فيما بين يوحنا المعمدان الذي يعمد بالماء وبرج انكي الذي تمر فيه الشمس قبل ولادتها الجديدة في السماء وتجعل من حادثة اعتماد السيد المسيح انعكاسا للحدث الفلكي فالمسيح بعد اعتماده بماء الاردن على يد يوحنا وولادته من جديد ، يصعد من الماء ليهبط عليه الروح ويكرسه ابنا للاله وقاهرا برسالته للظلام ، تماما كما تولد الشمس في 25 كانون الأول مجتازة برج الماء في ميلادها السنوي الجديد .
فـ يرمز للمسيح من خلال سمكتين ذلك أن عصر المسيح كان عصر الحوت ونجد إشارات كثيرة كإطعام 5000 ألاف شخص من خلال سمكتين يرمزن لبرج الحوت ومعظم تلاميذه من الصيادين ( بطرس) وايضا نتذكر الفكرة أو كما يعبر عنها القديس أغسطين بشكل أكثر وضوحا " إذا قمنا برط أو توصيل الأحرف الأولية للكلمات الاغريقية مع بعضهن البعض ستظهر لنا الكلمة على الشكل التالي والتي تعني" سمك ":
Ἰησοῦς Χριστος Θεου Υιὸσ Σωτήρ” ” ΙΧΘΥΣ” “
ولذلك فعندما تصل الشمس في 22 ديسمبر تقف حركتها لمدة ثلاثة أيام ذلك بأنها توضع على الصليب (22 ، 23 ، 24 ديسمبر ) لتولد من جديد في الخامس والعشرين من الشهر نفسه (الانقلاب الشتوي). وهذا ما حصل مع يونس فبقي قابعا في داخل جوف الحوت ثلاثة أيام كما بقي المسيح ثلاثة أيام في القبر فيقول ماني بي هول التالي Many.P.Hall :
"إن العديد من آباء الكنيسة الاوائل آمنوا بأن الحوت الذي ابتلع يونس / يونان كان رمزا للاله الآب ، و ذلك عندما الغير محظوظ يونس أُلقي خارج السفينة ، قُبل يونس في طبيعته حتى وصوله إلى بر الآمان . إن قصة يونس في الواقع تدخل ضمن نطاق أساطير التعدية إلى الأسرار ، فإن السمكة الكبيرة تمثل قوى الجهل والظلام والتي تغمر الانسان ، عندما يلقى من السفينة ( الولادة ) إلى البحر( الحياة ) ."
ويقول د . جون واتس John Watts D.r ناسباً يونس إلى أساطير الالهة الشمسية لتالي :
" هنالك العديد من الخرافات والاساطير التي تخبرنا عن بطل يُبتلع بواسطة وحش البحر . تقربيا إجمالي تلك القصص مشابه لقصة يونس . تُصور أسطورة الشمس في مسارهبوطها باتجاه الغرب وعلى إثر ذلك تُبتلع من قبل الوحش، لتظهر ثانية فقط في الشرق . كان ذلك معروفا في مصر وفارس . إن التشابه بين قصة يونس والشمس ذلك لـ سفره باتجاه الغرب ، وابتلاعه في الغرب ، وعودته ليظهر في الشرق من داخل ظلمة جوف السمكة. ولكن إن كان هذه القصة آثرت تماما على مؤلف قصة يونس ، فقد غيرها تماما . والآن إنها تأخذ حيزا في التاريخ ، مع أدوار تُلعب من قبل مخلوقات الطبيعة ، وشاهده على سلطة كلمة الله والتي تسيطر على الخليقة والتاريخ البشري مجتعمين . "

بطن الحوت:
لدينا في مصطلح الاسطورة " الحوادث الميطيقية " أي الحوداث التي تضع القواعد والسلوكيات من اجل القيام بالعمل او معرفة اصل العمل وذلك من خلال اصباغ عليه معنى من خلال قيام الالهة به .فالزمن والأحداث الميطيقية هي التي ماتزال تحمل بين جذورها أو بداياتها بذورا من الاساطير البدائية مشتركة المعالم واضحة الرموز بين الشعوب البدائية / الهمجية .
فإن عبور العتبة السحرية سيؤدي الى جو الولادة الجديدة والذي يمثل في صورة بطن الحوت ، فالابتلاع من قبل الحوت يشير إلى طقوس التعدية والتي تقود الى الولادة من جديد فبطن الحوت في الحقيقة هو رمز لرحم الام ، وما كان للبطل الفلندي " إلمارين" لكي يولد من جديد إلا ان يُبتلع من قبل سمكة ضخمة ، هنالك قصص عديدة ترينا بأن السمكة جسدت فعليا رحم الام .
لقد صور لنا كُتاب الكتاب المقدس يونان /يونس في صورة ذكرية والذي يعني باللغة العبرية "الحمامة ".فمن المتحمل ان كلمة ايون او ايوني قد اشتقت من الكلمة يوني وذلك لان الحمامة كانت نموذجا بدائيا الجنس الانثوي . ionah أوione
فتلك القصص تؤكد بما لايدع مجالا للشك بأن اجتياز العتبة يماثله تدمير للذات ،فالبطل لم يتجه نحو الخارج لكي يتجاوز عقبات العالم المرئي وانما تحو الداخل لكي يولد من جديد
فكان عبور العتبة المقدسة من أجل الولوج في المجال المقدس للنبع الكلي .وهي مستحوذة على غالبية الرموز والقصص في الاديان . فنكران الذات وإعطاء نفسك لنهاية عظمى أو لكائن آخر ، معنى ذلك أنك يجب أن تكون على ثقة من أن ذلك هو الاختبار النهائي . عندما يتحرر وجداننا من التفكير في أنفسنا ومن صيانة الذات ، فإننا نجتاز تحولا بطوليا حقيقيا في مجال الوعي . وكل ما على الاساطير أن تعالجه هي تحولات الوعي من مستوى إلى مستوى آخر في مجال وحدود الطبيعة التي يسعى البشر منذ الأزل للسيطرة على قواها وفهم طبيعة تلك القوى . فلقد كنت في وقت سابق تفكر بطريقة ما ، وما عليك الآن إلا أن تفكر بطريقة مختلفة .فإن التصور بأن عبور العتبة المقدسة سيؤدي بك إلى جو الولادة الجديدة موجود في العالم بأكمله ، ممثلا في صورة بطن الحوت ، التي هي في الحقيقة رمز لرحم الأم .وبدلا من الانتصار على قوى العتبة أو تحطيمها يُبتلع البطل في المجهول ويتعرض إلى الهلاك ظاهريا على الاقل .فالرموز التي تحملها الاساطير لاتخمد ولاتموت ، ولكنها تجد طريقة أخرى للتعبير عن نفسها في وسط مفردات لغة الثقافة الجديدة التي دأبت على امتصاص مكنوناتها ومفرداتها بل وحتى أيقوناتها لإبعادها عن شكلها الاصلي القديم ومع ذلك تظهر بشكل جديد مطلقة طاقتها الايحائية المتدفقة والتي تؤدي بنا إلى سلوك الطريق القديم الدال على شكلها وصيغتها الاولية أو الارتواء من النبع الاولاني من حيث جاءت.
ولذلك فالاحياء والبعث القمري استمد من أساطير قديمة أصبحت تتجلى في مضامين جديدة وشخصيات تراثية وبالعودة إلى مثالنا نجد بأنه في الاساطير القديمة يروى بأن القمر اخبر الارنب ان يذهب لمعشر بني الانسان ويخبرهم أنهم سيصبحون خالدين كما القمر يموت ويقوم من الموت بعد ثلاثة أيام فإن الانسان سيقوم بذلك( ملاحظة قارن الجملة الاخيرة بما ورد في الأناجيل) . فالقمر كان منذ فجر التاريخ ، مركزا لمعتقد وطقس الخلود والخلاص .فالقمر الذي يجدد نفسه كل شهر في حركة دائمة ، وينبعث من العالم الاسفل جديدا كما هبط إليه ، إنما يضع أمام الانسان مثالا ، ويهبه أملا غامضا في السير على منواله .فينشد الهنود الحمر في ليالي القمر : " كما يموت القمر ثم ينهض للحياة من جديد ، كذلك نحن نموت ، ولكن الحياة الجديدة بانتظارنا ".

وبالعودة لمعالجة الامر وفقا لرواية الاناجيل عبر انجيل متى :
" لانه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة ايام و ثلاث ليال هكذا يكون ابن الانسان في قلب الارض ثلاثة ايام و ثلاث ليال ،قائلين يا سيد قد تذكرنا ان ذلك المضل قال و هو حي اني بعد ثلاثة ايام اقوم". وهذا ما حدث مع الصورة الاقدم لقصة يسوع عندما كانت الانثى هي المخلص فعندما هبطت إنانا لتنقذ حبيبها تموز من العالم السفلي :
من الاعلى العظيم توجهت بروحها نحو الادنى العظيم
الالهة من الاعلى العظيم توجهت بروحها نحو الادنى العظيم
إنانا الاعلى العظيم توجهت بروحها نحو الادنى العظيم
سيدتي غادرت السماء وغادرت الارض
وهبطت إلى العالم السفلي
غادرت الجلال وغادرت الالوهية
وهبطت إلى العالم السفلي
لقد تزينت بأزيائها الملكية وبجواهرها ، وثبتت سبع وصايا الهية على نطاقها ،
وبذلك كانت على أتم استعداد كي تدخل الارض دونما عودة أي العالم السفلي للموتى والظلمة ، حيث تحكم عدوتها الالهة وشقيقتها أرشكيجال . ولانها خافت من أن تأمر أختها بقتلها ، طلبت من رسولها ننشوبور ، أن يهرع إلى السماء ويدعو آلهة النحيب والبكاء إلى صالة الاجتماع في حال عدم عودتها بعد ثلاثة أيام .

فإنانا وارشكيجال ، الاختان ، الاولى النور والثانية الظلام ، إنما تعنيان معا ، وطبقا لطريقة الترميز القديمة ، الالهة الواحدة في وجهيها الاثنين . وفي حال المواجهة ترمزان معا إلى المغزى الكامل لطريق الاختبارات الصعب والمجهد.
فالبطل هنا يصنع لذاته بالقربان شرط وجود خارق وذلك عن طريق عملية الابتلاع فالموت هنا بالنسبة لشرط الوجود لعادي والذي تتبعه ولادة جديدة للعالم المقدس ،حيث يلعب النبي دورا بطوليا في الديانات المتطورة .فالحدث الاخير الذي تمر به سيرة حياة البطل هو الموت أو الزوال .وفي الموت يجد المغزى الكامل لحياته .ليس من الضروري بأن يكون البطل أصغر إذا كان للموت بالنسبة إليه رهبة بشكل ما ، فالشرط هو المصالحة مع القبر فالبطل الذي يمثل الازداوجية في حياته ، يصبح بعد موته دائما صورة توحد المتناقضات ، فالبطل الظامئ للحياة يستطيع أن يتغلب لفترة محددة على الموت وأن يدفع بمصيره قدما للأمام .فالموت في الديانات المشرقية القديمة لايمثل النهاية ، وإنما البداية للبعث من جديد فبعد اجتياز طريق الآلام والاختبارات وكون الابن مجرد رسول للآب فمع قيامته يعود مع المعرفة : أنا والاب واحد . فيخلق من جديد ليفوز بالقداسة فهو يتضمن رمزية اطلاع من نوع التوليد وان التقديس يتحول بالمعنى الصحيح لـ مقدم الاضحية الى جنين وييسر له ولادة ثانية فتجعل مقدم الاضحية يرجع بفضلها القهقري الى الرحم ليعود بعدئذ بولادة جديدة .
فالمعرفة المقدسة ، ومن ثم الحكمة تعتبران كلتاهما ثمرة اطلاع و نستدل على ذلك من خلال وجود رمزية التوليد المتصلة بيقظة الوحي الاقصى فنجدها في الهند القديمة واليونان على حد السواء .
إذا إن قصة يونس كغيرها من القصص التي شرحناها تحمل رموزا مختلفة تماما عن القصة ولكنها دخلت لتنتج عمل أدبي خلاق يؤدي الغاية نفسها .
ومما سبق نصل لنتيجة مفادها بان الحوت رمز قمري –انثوي وفيما لو أسقطنا مجريات احداث قصة يونس على التحليل النفسي لوجدنا بأنه يتفق مع الفكرة الفرويدية التي تقول بالعودة الى الخلف فهي تبين توق العودة الجماعية الى الخلف فالمجتمع كله او جزء هام منه ،يحيا الحوداث التي ترويها الاساطير بواسطة الطقس، فالعودة الوجودية إلى الخلف تلعب دورا هاما في أديان الشرق القديم وما حديثنا عنها إنما لفهم الانسان ، فالعودة للخلف لاتقتصر على أمل تجديد العالم عن طريق تكرار ولادته أو خلقه ولكن العودة للخلف في قصة يونس قد تمت لغاية أخرى ، فهنا كانت بمعنى العودة إلى الرحم فهي اما أن يغلق على المستجد في كوخ وإما أن يبتلعه وحش بحري /هولة رمزيا ، وإما ان يدفن في أرض مقدسة متواحدة مع رحم الارض –الام (السمكة الكبيرة ) .

و هنالك عدد كبير من الاساطير تُبرز النواحي التالية :
ابتلاع وحش بحري لبطل وخروجه ظافرا بعد أن يشق بطن الوحش كما حدث مع نحميا في سفر طوبيا: " و خرج ليغسل رجليه فاذا بحوت عظيم قد خرج ليفترسه ، فقال له الملاك امسك بخيشومه واجتذبه اليك ففعل كذلك واجتذبه الى اليبس فاخذ يختبط عند رجليه ، فقال له الملاك شق جوف الحوت واحتفظ بقلبه ومرارته وكبده فان لك بها منفعة لعلاج مفيد ، ثم ان طوبيا سال الملاك وقال له نشدتك يا اخي عزريا ان تخبرني ما العلاج الذي يؤخذ من هذه الاشياء التي امرتني ان اذخرها من الحوت " .(والمتابع لقصة نحميا في السفر سيلحظ تقاربا فيما بينهما وقصة موسى الحوت في القرآن ومجمع البحرين ) أو أن يتم الالقاء به كما حصل من أوانيس وبطلنا يونس /يونان ، فهي محفوفة بالمخاطر من حيث النزول في حفرة أو شق يمثل فيه فم الارض- الام أو رحمها كما حصل مع يوسف وفي الحقيقة تتألف جميع هذه المغامرات من امتحانات استسرارية يكتسب بعدها البطل الظافر نمطا جديدا من الوجود .
فيقول ميرسا الياد " أولا إن تقويم مبدأ التعميد من حيث أنه انحدار إلى هاوية (المياه) من اجل مبارزة الوحش البحري . ولهذا الانحدار أنموذج : أنموذج السيد المسيح في نهر (الشرعة ) وقد كان الوقت نفسه انحدار إلى مياه الموت . وكما كتب سيريل المقدسي Cyrille de Jerusalem : يرى أيوب أن تنين بهيموت Behemoth كان في الماء وكان يلقى الاردن في فمه . وبما ان من الواجب قطع رؤوس التنين ، فقد هبط يسوع إلى الماء وقيد القوي لكي نكتسب نحن القدرة على السير فوق العقارب والحيات ."
فالعودة إلى الخلف في حقيقة أمرها سوف نوظفها بما يخدم وجهة نظرنا في النظر الى تحت زاوية البنى النصية التي يمكن مقارنتها على الاطر التالية ظلمات الرحم ، طلمات كوخ المسارة بالليل الذي كان مخيما قبل الخلق وإن الليل الذي تولد منه الشمس في كل صباح انما ترمز إلى العماء البدائي وإن طلوع الشمس لهو نسخة من ودلاة الكون وبالتالي مغامرة النبي يونس تبرز الحقيقة التالية العودة إلى الاصل فهيء تهيء للولادة الجديدة لكن هذه الولادة لاتكرر الاولى أي الولادة الفيزيائية تأتي بقيم جديدة في حالة ولادة السلف الميطيقي ، حالة الولادة الفيزيائية لكل فرد وحالة الولادة الثانية المسارية

فتلك القصص عن أبطال ابتلعوا من قبل وحوش بحرية هي نتاج للتمازج فيما بين الطبيعة الشمسية والقمرية في تعاقب الليل والنهار فالقصة مجازية أو محاكاة إلى ابتلاع الشمس من قبل الليل أو انقضاء النهار مع سيادة الظلام والعتمة وغياب النور، ومن ثم تخرج الشمس من جديد معلنة فجرا جديدا فالشمس دُعيت جونا/يونا ، يونان ، يونس ، هيروكليس والكثير من الشخصيات التي جسدت دورة حياة الشمس اليومية والسمكة الكبيرة جسدت الارض .
وبالتالي إن هذه الاساطير تؤكد بأن اجتياز العتبة يماثل تدمير الذات .فالبطل لم يتوجه نحو الخارج لكي يتجاوز عقبات العالم المرئي ، وإنما نحو الداخل لكي يولد من جديد ، فاختفائه يماثل اختفاء متدين في معبد تدب فيه الحياة من خلال التفكر ، من وماذا هو ، وتحديدا دونما جانبه المخلد ، مجرد غبار ورماد .فداخل المعبد مع بطن الحوت / الكهف /الجب /جوف الارض /السجن إضافة إلى المملكة السماوية في الماوراء تحت وفوق حدود العالم كلها تعني الشي ذاته فقد يموت الجسد الفيزيائي للبطل يمكن أن يقطع ويذرى فوق البحر واليابسة.
و إن بقاء يونان في جوف الحوت لمدة ثلاثة أيام تُعزى في بعض الاحيان إلى الاسطورة القمرية ، ففي بعض الاساطير القديمة يُشار إلى الحوت على أنه سمكة – قمرية fish –moon

ونهاية حديثنا يختم مع يونس القرآني ودلالة اسمه :
وذا النون إذ ذهب مغضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمت أن لا إله إلا أنت سبحنك إني كنت من الظلمين "
فلا أرى سوى إستحداث أسطورة جديدة ومع ذلك لابد لنا من المضي قدما واستحداث معنى قد يرسم الرضى على شفتينا ، مخترقا صمت الشفاه الثقيل ، منتزعا الابتسامة عن وجوه كهنة الاديان ، يؤذن بصرخة آلم تشق صروح الجهل ، النون هو حرف فينيقي قديم قد تم وضعه اعتمادا على تموضع الكويكبات في السماء وهي تمثل السمكة واخذت اللغة العبرية الحرف فحرف النون = السمكة فـ يونس هو نفسه أوانيس السمكة ، دعونا لانبتعد كثيرا ونعود لمقاربة يسوع مع يونان، يسوع اشتق اسمه من اسم عبري قديم هو يشوع بن نون ، أفلا نجد تطابقا بن يسوع ممثلا برمز السمكة ويشوع القديم ابن نون " السمكة "؟!
أوانيس = يونان / يونس وصولا ليسوع الذي يشبه نفسه ليونان ثم يضع نفسه بمكان المتفوق عليه ويشابه بين قصتيهما ومن ثم كلاهما يرمز له بالسمكة ، يسوع اشتق اسمه من يشوع بن نون بل واخذ اسمه ونون حرف فينيقي يعني السمكة معتمدا على الكويكبات في السماء ويونس القرآني يلقب بذي النون أي السمكة ، لا أرى سوى أننا نسبح في فلك حلقة مفرغة ، لا مخرج منها سوى القول بأن تلك ما هي إلا أساطير صنعت بمهارة عالية لتبقينا سجناء العقل ولا يعدو كونها إلا استحداث لأساطير قديمة ، قولبت مع الظروف ،وعامل اللغة كان الفاعل الاساسي في طمس اجزاء من الحقيقة للتعتيم على أصول تلك القصة .
فلمعرفة أي أسطورة دينية ما عليك سوى تتبع الأساطير المحيطة بها والعمل على إزالة عامل اللغة للوصول إلى مبتغاك . ومن ثم انحتها و ضعها في قالب يتسق مع التفكير العصري .

المصادر :
ثلاثية الانسان العربي والتاريخ المدنس عندما تتحدث الطبيعة وتصمت الآلهة الجزء الاول
البطل بالف وجه جوزيف كامبل
ميرسا الياد مظاهر الاسطورة
ميرسا الياد الاساطير والاحلام والاسرار
ميرسا الياد المقدس والعادي
The Holy Bible King James Version Jonah 2
Neumann, Erich. Amor and Psyche. New York: Harper & Bros
Reinach, Salomon. Orpheus. New York: Horace Liveright
Orpheus. New York: Horace Liveright
Neumann, Erich. Amor and Psyche.
Briffault, Robert. The Mothers vol 3
Mysteries and Secrets of the Masons: The Story Behind
the Masonic Order
The Secret Teachings of All Ages
The Books of Joel, Obadiah, Jonah, Nahum, Habakkuk and
Zephaniah Cambridge University Press, 1975
The Christ Conspiracy - The Greatest Story Ever Sold (1999) - Acharya S
Doane, Thomas - Bible Myths and their Parallels in other Religions (EN, 1882, 634 S., Scan)







اخر الافلام

.. هذا الصباح- حصن غرماج.. أكبر القلاع الإسلامية بأوروبا


.. هذا حال نساء العراق بلد البترول في ظل حكم الإسلام السياسي


.. عبد العزيز الخميس: سقوط الحلم الاقتصادي التركي أدى إلى انهيا




.. مخاوف تنظيم الإخوان الإرهابي من تغير الأوضاع في تركيا


.. مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة في برنامج - بين سام وعما