الحوار المتمدن - موبايل



ظاهرة السادة في المجتمع العراقي (القسم الخامس والاخير)

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 7 / 4
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ظاهرة السادة في المجتمع العراقي (القسم الخامس والاخير)
تبلورت خلال تلك الفترة التي حصل فيها استهداف السادة عبارات وامثال شعبية وقصائد شعرية عكست الخطاب العام والتوجه السياسي والايديولوجي للمجتمع , واصبح الراسمال الرمزي للسادة في مهب الريح امام القوى الحديثة , واخذت عبارات الاستهزاء تلاحقهم في اغلب مسارات الحياة اليومية , الامر الذي عززها – وكما قلنا سابقا – هو ضعف السادة كعشيرة محاربة , فانت تجد في اي مكان عام بان الانسان العراقي يتحرج من ذكر او انتقاد اي عشيرة بالاسم الصريح , خوفا من الاشكالات والتهديدات العشائرية التي تسمى محليا ب (الكوامة) , الا انه في موضوعة الخلاف او الاشكال مع السادة , فانه يذكر الانتقاد وبالاسم الصريح وباعلى صوته , وربما اعتبر الامر شجاعة وثورية , وقد يكون لانعدام العصبة القبلية والتضامن العضوي بين عوائل السادة وعشائرهم السبب الاساس في موقف الاستضعاف ذلكس , وهذا العامل المهم ساهم في ابراز سلبيات السادة وتصرفاتهم على المستوى الفردي والجماعي دون خوف او تبعات , بالقياس الى الحذر والتردد في طرح تلك السلبيات الموجودة عند العشائر الاخرى التي يصاحبها تبعات عرفية وتهديدات عشائرية . وقد ينكر البعض هذا الراي , ويقول ان مظاهر الاحترام والتقدير للسادة مازالت راسخة عند المجتمع من حيث التقديم في المناسبات والاعتزاز بالحضور وغيرها . في الواقع ان هذه المظاهر والشكليات لاتعد مقياسا للحكم على الظواهر والمفاهيم في المجتمع العراقي , وانما المقياس هو البنية الاصلية التي تظهر خلال الازمات والتصادمات والخلافات , وسبق ان ذكر الدكتور علي الوردي ان المقياس الحقيقي او المعيار الواقعي والمفضل لدراسة المجتمع العراق يجب ان يكون في وقت الازمات والتوتر وليس في وقت السلام والهدوء , لانها تظهر المعدن الاصلي والحقيقي للمجتمع , وتبرز الشخصية العراقية (العصابية , الحقودة , المستلبة , المخصية) باجلى صورها , فيما تغلب نزعة المظاهر والادعاء والاقنعة المدنية والعصرية على ذلك المجتمع في حالات السلم والاستقرار . فالانسان العراقي خلال اوقات الحاجة نجده يقدم مظاهر الاحترام والتقدير للسيد من اجل ان يظهر للاخرين انه يعرف الاصول , ويمارس البروتوكول الاجتماعي الزائف , الا ان اي اشكال يحصل مع السيد , فان السلوكيات الحقيقية والبنية الاصلية تظهر على السطح باجلى مظاهرها , ويحصل بعدها تجاوزا اكثر مما يحصل لو كان الاشكال مع الاخرين من العوام , يعززها - كما قلنا – انعدام مظاهر الخوف من السادة في المجتمع العراقي وضعفهم كعشيرة محاربة , والخوف - كما نعرف - من اهم المشاعر التي تحدد توجهات العراقيين الشخصية والسياسية والاجتماعية , بل هو ربما الموجه الاول والاساس في تلك التوجهات . فضلا عن ذلك , ان قسما كبيرا من تلك المطارحات واستمرارية التقدير الظاهري للسادة لها علاقة بفائدة وظيفية متحققه من هذا الامر , وهى ان الاغلبية – اوالكثير - من العشائر او البيوتات العراقية لاتقبل من الطقوس الاجتماعية الا بوجود السادة كخطبة النساء والمصالحة العشائرية (المشية) او التراضي بين الافراد وغيرها , ورغم ان هذه العادات هى من بقايا الزمن القديم - كما قلنا – الا ان الناس مازالت تتمسك بها , لانها لم تخلق انموذجا حضاريا حتى الان يكون بديلا عنها , ولم تنتقل حقيقية او واقعا الى عصر الحداثة والتطوير والعقلانية , وانما كان تماهيها مع تلك المفاهيم العصرية ظاهريا او ماديا فقط , وهو قريب لما اسماه الدكتور الوردي بالتناشز الاجتماعي , الذي قصد به ان التغيير او التطور الاجتماعي الذي يحصل في بلد ما لايسير على وتيره واحدة في جميع اجزاء الهيكل الاجتماعي العام , وانما يحصل تطورا في مجال وتاخرا في مسار اخر , والغالب ان التقدم والتطور ياخذ شكل المظاهر المادية فقط كالسيارات والملابس العصرية وغيرها , فيما ان العقلية الاجتماعية والمشاعر والتصرفات الشخصية تبقى اسيرة الانماط التقليدية البدائية .
ومن اهم تلك العبارات التي عكست مبلغ الانتقاد والاستهداف والسخرية لفئة السادة في العراق , والتي ظهرت خلال تلك المرحلة من تصاعد الخطاب القومي واليساري وانتشار المفاهيم المدنية والقيم العصرية هى : (ونعتذر عن ادراج بعض المفردات السوقية الشعبية خوفا من عدم اكتمال المعنى بدونها)
1 . (سيد بلايجنون مثل الثور بلايكرون) . عبارة تشير الى السخرية من مظاهر الغضب الشديد عند بعض السادة .
2 . (سيد لو مو سيد جوعبلة .... وخلي المكوار بيعبة) . وتشير الى السخرية وعدم الاهتمام بتهديدات السيد بالشارة . وهو يدل على تراجع الايمان او الخوف منها عند الناس , ويقال ان هذه العبارة جاءت كرد على تهديد احد السادة لااحدى النساء بقوله (سيد واشور بيج واكطع بناتج ) .
3 . (ياسيد راغب الله والنه حوبة ..... نخاف عليك من طك الزبوبة) . والعبارة لاتحتاج الى توضيح حول دلالاتها الرمزية في السخرية من السادة .
4 . (السيد خلكه بدنكيته) .... والمثل يحمل دلالة ساخرة حول سرعة الغضب عند بعض السادة .
5 . (طمع سادة) ... وهى كناية تشير الى كيفية جمع التناقضات عند السادة وهى حب المال والطمع به من جانب وادعاء (السيودية) او (السيادة) التي من المفترض ان تنزع نحو المثالية والايثار والزهد من جانب اخر .
6 . (مانكول عبيد ناج السيد) . دلالة سوقية تطلق لوصف الحالة السلبية والشاذة التي لايستطيع الانسان ذكرها او اعلانها امام الملا , والعبارة وان كانت تحمل اوتطلق للحالات التي ذكرناها سابقا , الا انها تحمل في طياتها نمطا ساخرا للسادة ايضا .
7 . (شفت الله فوك الغيم يقرا بجريدة .... والحمزة ابو حزامين يشرب فريدة) بيت شعري من الدارمي اخذ منحى التجديف ونقد المقدس والسخرية منه . والحمزة ابو حزامين هو احد المراقد او المقامات الشهيرة للسادة في العراق .
8 . (اسرع من يدك سركيهة) عبارة او اهزوجة تشير الى تراجع اهمية او دلالة النسب المقدس عند السادة , والديل هو ان البندقية اسرع في اطلاقاتها من سرعة جد السيد (محمد) الذي من المفترض ان تكون شارته او كرامته اسرع .
9 . (السيد مثل النيسي ... والعامي مثل الفلي) النيسي هو القماش الابيض الذي تبرز فيه الاوساخ بسهولة . والفلي هو القماش الخشن الذي لاتظهر عليه الاوساخ . والمثل وان كان يحمل في ظاهره مدحا وتقديرا او تمايزا ايجابيا للسادة على اعتبار ان السلبيات تظهر عليهم بسهولة , لان تاريخهم ونسبهم ناصع البياض !!, وبالتالي يحتم عليهم مسوؤلية مضاعفة من الالتزام الاخلاقي والسلوك الايجابي , الا ان اتخذ وسيلة او منهجا في نقد السادة والنيل منهم بحجة التجاوز على المسار الاخلاقي المثالي الذي من المفترض ان يلتزموا به . علما ان النزعة المثالية كان من اهم المسارات التي شكلت طريقا في انتقاد السادة والنيل منهم , على اعتبار انهم الامتداد الطبيعي للنبوة !! فيما ان الانسان يحركه الواقع المعاش اليومي , وليس النسب الذي ليس له اي تاثير على توجهات الانسان وتصرفاته .
10 . (حيل وكطف بالشط كلكم ياسادة .... بس واحد نخلي عدنه بي ارادة) بيت شعر من الدارمي المعروف بشعر البنات , وهو جاء - كما يبدو - على لسان احدى النساء العاشقات لااحد السادة , الا انه في المجمل يؤكد على انعدام اهمية السادة الاخرين .
انقسمت النخبة المثقفة والمتعلمة (الانتلجنسيا) من شريحة السادة حول الموقف او التعاطي مع تلك الممارسات الطائفية للسلطة القومية في العراق بعد انقلاب شباط 1963 الى قسمين :
الاول : وهو التبني المطلق او النسبي لخطاب السلطة القومية والبعثية الحاكمة والانسياق الى ارائها السياسية واطروحاتها الايديولوجية , اما بحثا عن المنزلة الحكومية والمستقبل الوظيفي في الدولة الريعية النفطية العراقية , او بسبب الاحساس المتعاظم بالخصاء والنقص والدونية امام الاخر . كما هو حاصل عند الانتلجنسيا الشيعية العراقية المخصية التي تبلورت بعد انقلاب 1963 والتي ذكرنا مواردها الثقافية ومسارتها السياسية ومنطلقاتها النفسية والاجتماعية سابقا . وكما ظهر عندنا بعد الحرب العالمية الثانية السيد البرجوازي العلماني المتحرر من الحقل التقليدي والعرفي للسادة , ظهر عندنا بعد هذا الانقلاب نموذج السيد المخصي المنساق كليا للتوجهات السلطوية الاستبدادية التي يحاول باي وسيلة ممكنة اثبات وطنيته وعراقيته وعروبته امام الاخر , واعلان براءته من النمط التقليدي والمسار البدائي للسيد بصورة اكثر تطرفا مما طرحه ساطع الحصري او ميشيل علق نفسه , وذلك من اجل حيازة الاعتراف والمقبولية من الحاكم او السيد الوهمي الذي يعيش في ضميره المدجن كمراققب عتيد لايرحم او يسامح . وهذا الصنف من الناس لايتصور احد انه يشمل السادة المنضمين للتيار القومي او البعثي فحسب , بل يشمل الكثير من الشيوعيين والاسلاميين وقليل من الليبراليين امثال اياد الزاملي واياد جمال الدين وصافي الياسري وعبد الكاطم الياسري وغيرهم .
الثاني : هو الرفض الكامل والمقاومة الرمزية لتلك المارسات الاقصائية من خلال تزعم حركات المعارضة والانضمام الى الاحزاب السرية التي تسعى الى تغيير هذا الواقع الاستبدادي بصورتها العلمانية والاسلامية . وهذا الصنف من السادة يمتلك مايمكن ان نطلق عليه (النزوع للسيادة) او (التطلع نحو السيادة) . فهناك العديد او بعض السادة يمتلك سمة التفرد والرغبة بالزعامة والقيادة وعدم الرضوخ للاخر الذي يريد الهيمنة والتسلط على الاخرين , وهم يشكلون اقلية وسط هذا السديم من الناس , ويمكن رؤيتهم بوضوح عند السادة الذين يمتلكون تاريخا او موروثا من الثقافة والرفض و الزعامة , كما في قيادة ومعارضة السادة محمد باقر الصدر ومحمد باقر الحكيم ومحمد الصدر وحسن الشيرازي وهادي العلوي ومصطفى جمال الدين وغيرهم .
خلال القرن العشرين المنصرم والسنوات التي اعقبتها كان للسادة دورا كبيرا في جميع المسارات السياسية والثقافية والاصلاحية والايديولوجية , وتوزعوا على التوجهات الليبرالية والماركسية والقومية والاسلامية , ولم يكونوا معزلين او محافظين على النسق البدائي او المسار التقليدي السائد في المجتمع العراقي الذي يوفر لهم نوعا من المكانة او المنزلة في صفوف العامة , وانما كانوا متمردين على واقعهم , واصلاحيين في تحطيم الموروثات البدائية , سواء اكانت في الدين وطقوسه ومتبنياته او في المجتمع وعاداته وتقاليده , بل ربما كانوا اكثر تطرفا وجراة في طرح المضامين الاصلاحية في الدين الاسلامي والمذهب الشيعي من غيرهم , وهذا النمط الاصلاحي الذي تزعمه السادة لم يكن ليقتصر على العراق فحسب , بل هو منتشر في اغلب بلدان العالم الاسلامي والعربي , فيكفي ان نعرف ان رائد الاصلاح الحديث وموقظ الشرق – كما يقولون – هو السيد جمال الدين الافغاني (مارتن لوثر الاسلام) . ومن كتب ضد الاستبداد وتحمل الضغوطات السياسية والشخصية بسبب ذلك كان ايضا سيدا علويا وهو عبد الرحمن الكواكبي (من ذرية زعماء الدولة الصفوية ومؤسسيها) . فضلا عن اسماء شخصيات اخرى كالسيد محسن الامين ومحمد حسين فضل الله وهاني فحص ومحمد حسن الامين في سوريا ولبنان وغيرهم . فيما كانت المسارات الاصلاحية والتنويرية للسادة العلويين في العراق واضحة بصورة تدعو للتامل والدراسة , وسبق ان ذكر حنا بطاطو (ان المعارضة والثورة والنهضة في العراق كانت تاتي دائما من شريحة السادة) . ويمكن متابعة اسمائهم ومساراتهم ضمن التوجهات الاصلاحية والثورية والعلمانية والسياسية والثقافية :
1 . هبة الدين الشهرستاني : رائد التنوير العراقي ومؤسس مجلة (العلم) النجفية , اول مجلة علمية في العراق , وصاحب الاراء الاصلاحية المعروفة في الدين الاسلامي والمذهب الشيعي .
2 . محمد سعيد الحبوبي : الشاعر والثائر الذي تزعم حركة الجهاد ضد الاحتلال البريطاني عام 1914 في البصرة .
3 . محمد مهدي القزويني البصري (1865 – 1939) : المصلح المغمور . واول من انتقد ممارسات العامة في شهر محرم من التشابيه والتطبير وغيرها . واول من نادى بالاصلاح الطقوس الحسينية في العراق والعالم الاسلامي , وسبق بذلك حتى دعوة السيد محسن الامين العاملي الشهيرة في بلاد الشام , بل ان السيد الامين نشر رسالته في التنزيه ردا على كتاب السيد القزويني (صولة الحق على جولة الباطل في موكب التعزيه) الذي نشره في البصرة عام 1926 .
4 . محمد تقي الحكيم : المجدد في الطروحات الاصولية في الحوزة العلمية .
5 . علي الوردي : صاحب المشروع الحداثوي والتنويري الوحيد في العراق .
6 . عبد الله الفياض : الباحث والمؤلف المعروف واول من طرح العقائد الشيعية في الجامعات الامريكية بصورتها العلمية والاكاديمية .
7 . محمد باقر الصدر : صاحب المصنفات العصرية في الحوزة العلمية والنهضة الاصلاحية ضد الاستبداد البعثي الحاكم .
8 . محمد باقر الحكيم : متزعم الفصيل المسلح الشيعي الوحيد في مواجهة الديكتاتورية البعثية (1982- 2003) .
9 . محمد الصدر : صاحب النهضة الشعبية الاسلامية ضد النظام الاستبدادي في نهاية التسعينات .
10 . هادي العلوي : الكاتب اليساري المعروف صاحب المؤلفات والكتابات التراثية والموسوعية .
11 . مصطفى جمال الدين : الشاعر المجدد ومن المساهمين في حركة المعارضة ضد النظام البعثي الاستبدادي .
12 . حسن العلوي : شقيق هادي العلوي وصاحب المؤلفات السياسية المتعددة , واول من عراقي يتطرق للظاهرة الطائفية بكتاب مستقل وهو (الشيعية والدولة القومية في العراق) .
13 . احمد القبانجي : صاحب المحاضرارات والاراء الجدلية بعد 2003 واول عراقي ينتقد المتبنيات الاصلية في الاسلام , وصفه البعض بمارتن لوثر الشيعة .
14 . صلاح جواد شبر : صاحب المؤلفات العصرية التحليلية مثل (ثيولوجيا التشيع السياسي) و(الحزبية والاسلام السياسي الشيعي) و(ثقافة التشيع وثقافة التسنن وصراعهما) , واول عراقي ينتقد المرتكزات السياسية للمذهب السني في كتابه (الاساطير المؤسسة للمذهب السياسي السني)
15 . سلام عادل : الاسم الحركي للسيد حسين احمد الرضي النجفي وسكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بين (1953-1963) وصفه حنا بطاطو بانه اخطر الذين تولوا قيادة الحزب الشيوعي في العراق .
16 . عزيز السيد جاسم : المنظر الاول للحركة الثورية واليسارية في العراق , وصاحب العدد الاكبر في عدد المؤلفات في تاريخ العراق المعاصر (63كتاب) .
17 محسن الموسوي : صاحب اول كتاب لمؤلف شيعي عراقي في نقد المتبنيات الدينية الشيعية والاسلامية وهو (الشيعة والتصحيح) , ويقال بانه حفيد المرجع ابو الحسن الاصفهاني .
18 كمال الحيدري : المرجع المعروف صاحب الطروحات التجديدية في المنطلقات الشيعية الدينية والعقائدية .
19 . ابو الحسن الاصفهاني : المرجع الديني للطائفية الشيعية في العالم (1933-1945) ومن المؤيديين لدعوة السيد محسن الامين العاملي في اصلاح الطقوس الحسينية والتي دفعها ثمنها مقتل ابنه من قبل المتعصبين من العامة .
20 . عبد الرزاق الحسني : صاحب المؤلفات التاريخية .
21 . مهتدي الابيض : من اهم الناقدين والمحللين للطقوسيات الحسينية البدائية التي يقوم بها العامة في شهر محرم في العراق بعد 2003 وذلك في كتابه (اجتماعية التدين الشعبي دراسة تاويلية للطقوس العاشورائية).
22 . الدكتور محسن الموسوي : شقيق الكاتب والمنظر عزيز السيد جاسم ورئيس اتحاد الكتاب والادباء العراقيين وصاحب المؤلفات الادبية والنقدية والمصنفات الفكرية شغل كرسي المفكر الامريكي ادوارد سعيد في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الامريكية بعد وفاته عام 2003 .
وقبل ان نختم المقال لابد ان نشير الى بعض المقاربات والقيم الايجابية والمدنية التي يجب ان لاتغيب عن بال السادة من جانب , ومايطلق عليهم العوام من جانب اخر , من اجل تنظم السلوك الاجتماعي الحضاري فيما بينهم , حتى لاتكون هناك ثغرة يتخذها الطائفيون واتباعهم المخصيون للنيل من وحدة الصف الشيعي , او النيل من الجماعة الشيعية في العراق , بحجة المساواة والتحرر الاجتماعي , ومن ثم زرع الانقسام والاحتراب الاهلي فيما بينهم , للتغطية او التعمية عن القوى الطائفية المعادية التي تريد استعباد الناس واعادة الاستبداد لهم . فيما كلنا يعلم ان الظواهر الاجتماعية المتجذرة في وجدان الناس وتقاليدهم وعاداتهم لاتنتهي او تتلاشى بقرار سيادي فوقي او نصائج تحريضية مجانية واخلاقية , وانما من خلال فعل ثقافي ومدني عصري ياخذ بالواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي نحو افق التطوير والتحديث والتنوير, من خلال اليات تدريجية بعيدة المدى . وفي البدء يجب القول ان الكره في ملعب السادة اولا , لانهم المعنيون من هذا الاستهداف من تلك القوى الطائفية التي تربت في احضان الدولة القومية . كما يجب ان لايغيب على البال , ان المجتمع العراقي عندما يواجه قوة غاشمة او ديكتاتورية او عشائرية لايستطيع مقاومتها او رفضها فانه ينقل المعركة اوتوماتيكيا الى فئات اخرى مستضعفة او لاعصبة لها , من اجل ازالة التوتر في داخله واثبات رجولته او سطوته امام ذاته اولا والاخرين ثانيا , وان الكثير يعتقد ان افضل فئة يمكن تفريغ تلك المشاعر المكبوتة عليها هم السادة , لذا فان الواجب عليهم اتخاذ مسارات معينة تعمل على تعديل السلوك الشخصي العام , ورفض تلك الممارسات البدائية والتقليدية التي مازال يمارسها البعض من اهل الريف او المتريفون في المدن – وان كانت قليلة جدا – منها :
1 . رفض بقايا ظاهرة تقبيل اليد التي مازال يمارسها البعض من اهل الريف , والطلب منهم عدم تكرارها او اعادتها , لان القيم الحديثة والعصرية تؤكد على واجب المساواة بين البشر . علما ان التراث الاسلامي الشيعي فيه الكثير من الروايات التي ترفض هذه الممارسة منها : عن الامام علي بن موسى الرضا قال:(لا يُقبل الرجل يد الرجل ، فإنَ قُبلة يده كالصلاة له). تحف العقول عن ال الرسول ص450 . وعن علي بن مزيد صاحب السابري قال: دخلت الامام جعفر الصادق فتناولت يده فقبلتها ، فقال : (أما إنها لا تصلح إلا لنبي أو وصى نبي ( الكافي ج 2 : 185 . بحار الانوار ج73ص39.
2 . انهاء بقايا ظاهرة عدم تزويج بنات السادة لما يطلق عليهم بالعوام . فمازالت بعض البيوتات العلوية ترفض تزويج بناتها للعوام بحجة انعدام الكفاءة بالنسب , وهو مايخالف الحديث النبوي المعروف (من جائكم من ترضون دينه واخلاقه فزوجوه) , علما ان هذه الظاهرة لم تكن متواجدة عند العلويين سابقا , وانما تبلورت في القرون التاخرة من خلال التاثر او التقليد لبعض العشائر الاقطاعية الكبيرة اوالمتنفذة , التي تابى او تترفع عن تزويج بناتها لاهل المنطقة امثال ال سعدون وال مناع والجليليين في الموصل وغيرهم .
3 . رفض التقدم في المناسبات والولائم او الجلوس في الواجهات وغيرها امام الاخرين وخاصة من كبار السن , واعتماد التراتبية العلمية او المدنية والصيغ الرسمية في ذلك .
4 . اعتماد الصيغ الرسمية ايضا في المناداة بين الاشخاص في الدوائر الرسمية او حتى في خارجها مع الزملاء وغيرهم (مثل استاذ) او الكنية مع الاخرين في اماكن العمل غير الرسمي كالاسواق والشارع وغيرها بدل مفردة (مولاي) او (سيد) او (علوية) للاناث , لانها تبين هوية الموظف واضفاء سلبياته الى عشيرته او عائلته اولا , واصبحت تشكل مدخلا عند اولئك الطائفيين للنيل من الجماعة الشيعية ثانيا , بدعوى انها تحمل في طياتها مفهوما خاصا للتمايز , رغم ان هذه المفردات والكلمات لاتعطي في الاصل دلالاتها الحقيقية ابدا وانما صيغة متعارفه عند الناس .
5 . ترك المطالبة بالخمس التي مازال يقوم بها البعض من السادة في الريف , فهى تعكس الاستجداء والذل والخنوع , فرغم علمنا ان العراقيون في المجمل لايخمسون الا نادرا , او قبل الذهاب للحج فقط , ويعتمدون الحيل الشرعية في التخلص والتملص من هذا الواجب المعتمد في المذهب الشيعي , الا البعض يستعمل وسيلة الضغط والترهيب والالحاح المذل من اجل الحصول على بعض الاموال من الاخرين . علما ان الاراء الفقهية العصرية لاتؤيد الراي الشائع حول الخمس وانقسامه إلى السهمين المذكورين اللذين يُخصَّص أحدهما "للإمام"، والآخر "للسادة"، بل يعتبرون الخمس حق واحد يُعبِّر عن ميزانية متكاملة أقرّها المشرِّع الإسلامي , بهدف سدِّ احتياجات الأمة الإسلامية بأكملها من مشاريع ومؤسسات خيرية وانسانية وتربوية ، وقد تبنّى هذا الرأي جمع من الأعلام المتأخّرين امثال الامام الخميني والمرجع محمد حسين فضل الله .
واما المقاربة الاخرى التي ادرجها فهى موجه الى ما يطلق عليهم العوام , فاقول : ان السادة في العراق ليسوا اناس منعزلين عن المجتمع , او يعيشوا في احياء (الجيتو) المنفصلة - كما هو الحال عند اليهود - حتى تكون لهم اخلاقيات وممارسات وسلوكيات خاصة بهم , وانما هم ابناء المجتمع , يتاثرون بعاداته وتقاليده وتوجهاته السياسية والفكرية والثقافية , والانسان – كما يقول علماء النفس – تتبلور شخصيته من خلال حصيلة او تفاعل العوامل الوراثية من جانب والبيئة او المحيط الاجتماعي من جانب اخر , وهو مايعني ان النسب ليس له اي تاثير على اخلاقية الانسان وتصرفاته , لان الظواهر المكتسبة لاتورث , وان السيد يتاثر بالمحيط الذي يعيش به سلبا وايجابا , بل انه ياخذ حتى شكل العشيرة او المدينة التي يعيش بها , وقد اشار الى هذه الظاهرة الشاعر العربي القديم عندما قال :
وماينفع الاصل من هاشم ....... اذا كانت النفس من باهلة (كذا)
كما لاننسى من جانب اخر تاثير الفروق الفردية بين السادة كما هو الحال عن تاثير الفروق الفردية بين العوام , فكما ان هناك العامي البخيل والاناني والجبان والمخصي والصفيق والمتكبر , فكذا الامر مع السادة الذين عندهم الكثيرين ممن يمتلك هذه الصفات السلبية , وربما احط من ذلك . واما قول البعض من ان السادة يجب ان يكونوا قدوة في المجتمع ويترفعوا عن السيئات والخصال الاجتماعية السلبية فهو ادعاء مثالي لايقره العلم الحديث , وربما القصد منه ان يكون مدخلا لنقد السادة والتطاول عليهم , لان الفضائل مكتسبة بالثقافة والإرادة، وليست موروثة بالولادة .







اخر الافلام

.. أخبار عربية | ارتفاع عدد قتلى الشرطة المصرية إلى أكثر من 50


.. أخبار رعبية | واشنطن تطلب تمديد التحقيق حول الاسلحة الكيميائ


.. مركز العمليات المشتركة في العديد




.. موجز الواحدة ظهرا


.. مرآة الصحافة الثانية 21/10/2017