الحوار المتمدن - موبايل



من كتب مقالات جريدة الثورة عام 1991 ؟؟

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 7 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


من كتب مقالات جريدة الثورة عام 1991 ؟
نشرت جريدة الثورة الناطقة بلسان حزب البعث الحاكم بعد قمع الانتفاضة الشعبية في نيسان 1991 مقالات اثارت جدلا محتدما في الاوساط الثقافية والاجتماعية العراقية حملت عنوان (ماذا حصل في اواخر عام 1990 ـ وهذه الاشهر من عام 1991 ـ ولماذا حصل الذي حصل) هاجمت فيها الاغلبية العربية الشيعية في العراق ، باقسى العبارات المباشرة ، وبالاسم الصريح ، واعتبرتهم اشرارا ومنحطين بالسليقة ، وليسوا عراقيين او عربا ، وانما هم من سلالة العبيد الوافدين من الهند . ويطيعون ديانة وضيعة لا تحتوي اي مبدا اخلاقي , وغيرها من العبارات الطائفية والعنصرية المنحطة .
كانت سلسلة مقالات الثورة ـ التي خرجت بدون اسم لكاتبها ـ مرتبكة وغير منطقية ، فهي قد عكست الانقسام البنيوي بين الدولة والمجتمع في العراق . وابرزت الموقف الرسمي والحقيقي للحكومة العراقية انذاك وحزب البعث الحاكم من المكونات الاجتماعية والسياسية في البلاد ، بخاصة تلك التي ساهمت في انتفاضة اذار 1991 والثورة ضد النظام الديكتاتوري . وكان التمهيد الاجتماعي للمقالات الاربعة الاولى يهدف الى ربط ما حدث بواقعة وجود غالبية شيعية تقدم الولاء المذهبي على الوطنية , محاولا التمييز بين فئات المجتمع ومكوناته , معتمدا اسلوب المراوغة والتدليس والكذب الصريح في عرض الاراء .
بدات اول هذه المقالات التي نشرت يوم 3 نيسان 1991 ، بالاعتراف بالتنوع الاثني للعراق . وان العراق عبر تاريخه قد خضع للغزوات الاجنبية واحتك بالمجتمعات الغريبة عنه , وانعكس ذلك من خلال تعدد الثقافات فيه . فيما حملت المقالة الثانية العنوان الاتي : (نقد الشعب العراقي وتاثير التوجه الطائفي الايراني) هجوما لافتا على المعتقدات الدينية الاسلامية في المذهب الشيعي , واتهم الانتفاضة الشعبانية او الاذارية بخلق الفوضى والدمار في العراق . واما المقالة الثالثة التي نشرت في 5 نيسان ، فقد ذكر فيها ـ لاول مرة ـ مفردة الشيعة ، بالعنوان الانتقادي الصريح : (التعصب الشيعي ـ فساد اخلاق اهل الاهوار) والتي ذكر فيها ان المجموعة التي نشات في الاهوار تعاني من القيم المنحرفة الناجمة عن اصولها الاجتماعية من الهند , حيث كانت ترعى الجواميس هناك . فيما اعترفت المقالة الرابعة التي نشرت في 7 نيسان ، بان العراق دولة قمعية تسلطية , وان اي امة او دولة تخضع لنهوض مادي ومعنوي لابد وان تمر بمرحلة انتقالية تتسم بالعنف وبعدم اتضاح حقوق المواطن . واما المقالة الخامسة التي نشرت في 9 نيسان ـ وهي اصغر المقالات ـ فقد حملت عنوان (اسباب الانتفاضة) الا انها لاتقدم تفسيرا جادا للانتفاضة الشعبية واسبابها - عدا الاتهام التقليدي والمتوقع - بانها مؤامرة اجنبية قام بها عملائه في الداخل . والمقالة السادسة والاخيرة التي نشرت في 14 نيسان قد حملت عنوان (الاكراد والتركمان والكفاح من اجل السيادة ـ بيان 11 اذار) صور فيها الكاتب اقليات العراق كادوات للتدخل الايراني والتركي العثماني في الشوؤن الداخلية للشعب العراقي , وذكر ان العراقيين في بغداد ابان العصر العباسي لم يكونوا منقسمين طائفيا (وهوتزييف صريح للتاريخ) واتهم الكورد والتركمان الشيعة بالولاء للاجنبي , منتقدا حكم عبد الكريم قاسم ودستوره عام 1958 في بعث المكونات وتشجيع التمرد الكردي .
ولا حاجة الى القول بان هنالك شبه اجماع عند الباحثين ، على ان كاتب المقالات وناشرها هو رئيس الجمهورية صدام حسين نفسه . على الرغم من وجود بعض الاراء التي تشير الى مسؤولين اخرين في الدولة العراقية ، امثال نائب رئيس الوزراء طارق عزيز (ينظر : فالح عبد الجبار , العمامة والافندي) او وزير الثقافة والاعلام انذاك حامد يوسف حمادي . الا ان هناك راي ثالث يؤكد ان المستشار الصحفي السابق لرئيس الجمهورية عبد الجبار محسن (زوج الكاتبة امل بنت الشيخ علي الشرقي) هو من كتب هذه المقالات ، لما عرف عنه سابقا من كتابة البيانات العسكرية خلال مرحلة الحرب العراقية الايرانية ، وبعض التعليقات السياسية . كما ان اصوله الماركسية والجنوبية ، تفرض عليه تملقا مكثفا للنظام السياسي البعثي الحاكم ، من اجل اثبات ولائه الحزبي ونقاوته الفكرية والعقائدية . لكنه في لقاء مطول مع فضائية (البغدادية) بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 ، نفى بشدة ان يكون هو من كتب هذه المقالات ، على الرغم من اعترافه القيام باعمال اخرى في تمجيد النظام البعثي والدفاع عنه ، ومنها اختراعه لقب (القائد الضرورة) . ورجح بان كاتب هذه المقالات هو وزير الثقافة والاعلام في وزارة سعدون حمادي ، التي تشكلت في اذار 1991 ، حامد يوسف حمادي ، لان هذه المقالات كانت تاتي من الوزارة الى مقر جريدة الثورة في ظرف مختوم . وقد اشاعت السلطة البعثية في الاوساط الثقافية والاعلامية بقوة ان كاتب المقالات هو عبد الجبار محسن , وذلك من اجل ابعاد التهمة الطائفية عن نفسها , والايحاء بان كاتبها هو شيعي - ومن اهل الاهوار - وبالتالي فان السلطة غير مسوؤلة عنها , وان الامر لايحوي اي طائفية او عنصرية , لان من انتقد الشيعة هو في الاخير كاتب شيعي (منهم وبيهم كما يروجون دائما) , وللاسف انتشرت هذه المقولة بسرعة بين الناس , لاسيما المثقفيين الشيعة المخصيين الذين فرحوا بهذا الاكتشاف , من اجل ابعاد التهمة عن الاب الميت , والتماهي مع السلوكيات المازوخية السائدة في المجتمع الشيعي في العراق , التي تفرح فرحا كبيرا عندما تجد ان الطعن فيها جاء من صفوفها . ( فيما تحفظ كنعان مكية في كتابه (القسوة والصمت) وزهير الجزائري في كتابه (المستبد صناعة قائد صناعة شعب) عن ذكر اي اسم لكاتب المقالات واكتفوا بادراجها وتحليلها ونقدها فقط ) .
وعلى ما يبدو ان الادلة القاطعة والروايات المؤكدة لا تخطئ جانب كاتبها الاصلي ، وهو صدام حسين نفسه للاسباب الاتية :
1. في لقاء مع طبيبه الخاص الفنان التشكيلي علاء بشير ، وعقب انتهاء الانتفاضة الشعبية في آذار 1991 ، ذكر صدام حسين امامه اغلب الاراء التي وردت لاحقا في مقالات جريدة الثورة التي نُشرت في نيسان من نفس العام ، منها قوله : (لا يمكن الوثوق بعرب الاهوار : إنهم يكذبون ويسرقون وليست عندهم نخوة .. إنهم ليسوا مثلنا ... إنهم بلا اخلاق .. لقد اتوا بثيرانهم السوداء من الهند ، لان العباسيين كانوا بحاجة إلى ايدٍ عاملة .... ) . وهذا اعتراف ضمني وغير مباشر بأنه الكاتب الحقيقي لهذه المقالات . (ينظر : علاء بشير , كنت طبيبا لصدام)
2. اعتراف صدام حسين ـ بخط يده ـ في تقرير سري بعنوان (خطة المعركة) ، وهو عبارة عن مذكرة داخلية سرية مؤرخة في 20 كانون الثاني 1992 ، وزعت على المقرات الحزبية وضباط الارتباط في كركوك ، يقول فيها (اننا في القيادة والحزب نعتبر الفصائل التي رفعت السلاح بوجهنا خلال هيجان الغوغاء على انها لا تتحلى بالمسؤولية ، وقد عجزت عن إدراك مبادئ الحزب القائد . ومقالاتنا في جريدة الثورة في اعقاب ما يسمونه بالانتفاضة كافية لهؤلاء حتى لو جرحت وخدشت البعض منهم). ( ينظر : اريك دافيس , مذكرات دولة)
3. تاكيد العديد من الباحثين ، ومن مصادرهم الخاصة ، ان صدام حسين هو كاتب هذه المقالات , واهمهم سليم السامرائي في كتابه (الطائفية في العراق الواقع والحل ) و فرهاد ابراهيم في كتابه ( الطائفية والسياسة في العالم العربي) وعبد الخالق ناصر شومان في كتابه (الطائفية السياسية في العراق).
4. ان جراة هذه المقالات ، وصراحتها في الهجوم المباشر على اوسع القطاعات والفئات الاجتماعية والمذهبية في العراق (الشيعة والاكراد) ، تدل على ان كاتبها ليس فوق القانون فحسب ، بل فوق الدولة نفسها ، وفوق امنها الوطني ووحدتها التي تعرضت الى التفكك والانهيار .
5. في المقالة الرابعة التي نشرت في 7 نيسان 1991 ، اعترف كاتبها بان العراق دولة قمعية ، وان هذه النزعة التسلطية لها ما يبررها ، وهي مرحلة ضرورية لنهوض الامة ماديا ومعنويا وبالطبع ليس لاحد الجراة في البلاد انذاك من يستطيع القول ، ان العراق دولة قمعية ، غير رئيس الدولة نفسه .
6. رد الفعل المتطرف والقمعي من قبل الجهات الحكومية والامنية ، ضد المنتقدين والمعترضين على هذه المقالات بالسجن ثم الاعدام (كما حدث لعزيز السيد جاسم والصحفي ضرغام هاشم) يعطي الاجوبة بان كاتبها هو فوق النقد والاعتراض .
لقد عبرت هذه المقالات عن المشاعر المكبوتة ، والذكريات اللاشعورية والسلوكيات العصابية لرئيس الجمهورية صدام حسين حول المكونات الاجتماعية في العراق واهمها الشيعة والكورد . وشكلت تداعيا حرا لمظاهر العصاب واللاوعي عنده ، ويبدو ان الرئيس كان يفكر بصوت عال جدا ، اعلى من المتوقع . واطلق العنان لمكنونات نفسه اللامرئية ، ومشاعره الحقيقية . كما اثارت هذه المقالات ضجة في المجتمع العراقي ، وافرزت جدلا محتدما في الاوساط الثقافية والاعلامية ، واصبحت حديث المجالس ، ومادة للانتقاد والتساؤل حول الطبيعة الايديولوجية للنظام السياسي البعثي الحاكم في العراق , الذي يرفع الشعارات القومية والعلمانية والوطنية , فيما هو يرتكس نحو مستنقع الطائفية والمناطقية والعنصرية .







اخر الافلام

.. 17/8/2017 | صور حصرية تكشف عن وجوه أفراد داعش بالرقة.. وعناو


.. 17/8/2017 | الإفطار الجيد يمنع زيادة #الوزن.. وعناوين أخرى ف


.. ماذا يمكن ان يحصل بعد احتواء الازمة الكورية الأمريكية؟




.. لبنان يلغي قانونا يعفي المغتصب من العقاب


.. الدورة الثانية من فعاليات -حكايا مسك- في الرياض