الحوار المتمدن - موبايل



دعوة الى تغيير اسم محافظة ذي قار الى سومر

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 7 / 10
المجتمع المدني


دعوة الى تغيير اسم محافظة ذي قار الى سومر
وافق مجلس الوزراء العراقي هذا العام (2017) على تغيير اسم محافظة التاميم الى كركوك ومحافظة القادسية الى الديوانية , وذلك بناء على طلب الاهالي ومجالس المحافظات فيها , والرغبة ايضا في الغاء ثقافة البعث القومية – الطائفية التي تلاعبت باسماء المدن والمحافظات العراقية بعد انقلاب 1968 .... وتجلت تلك الثقافة القومية الراسخة ايضا في اسم محافظة ذي قار , فكلنا يعلم ان اسم المنطقة الاصلي والقديم هو (سومر) ثم تحول في العصر الاسلامي الى (البطائح) - اي الاهوار – او المستنقعات الكلدانية ثم تحول مرة اخرى خلال مرحلتي الحكم الملكي وقبله العثماني الى (المنتفك) او (المنتفج بحسب اللهجة الجنوبية) نسبة الى الاتفاق او الاتحاد العشائري المعروف بين (بني مالك والاجود وبني سعيد) الذي تبلور في القرن السادس عشر تحت زعامة ال شبيب , الذي تحول اسمهم لاحقا الى ال سعدون نسبة الى احد ابنائهم ويدعى (سعدون الكبير) الذي قتل في معركة بين المنتفك والجيش العثماني عام 1741 بالقرب من السماوة . وقد تاسس لواء المنتفك رسميا عام 1869 من قبل الوالي المصلح المعروف مدحت باشا استنادا الى قانون الولايات العثمانية الصادر عام 1864 الذي اعتمد التنظيم الاداري الفرنسي في ادارة الولايات العثمانية , وعين ناصر باشا السعدون المعروف بالاشقر اول متصرف لهذا اللواء .
وبعد اندلاع ثورة تموز 1958 اعلن مجلس الوزراء في بيان عن تحويل اسم لواء المنتفك الى (الناصرية) , على اعتبار ان الاسم الاول يحمل دلالة عشائرية – اقطاعية لايتلائم مع العهد الجمهوري الجديد . وهذا الاسم (الناصرية) يعطي دلالة نسبية للمنطقة وتلازم ظاهر بين ذاكرة الانسان الجنوبي والجغرافية لما يحمله من اقدمية ظاهرة وتداول كبير عند العامة , رغم اقتصاره على المدينة فقط , الا ان الناس اعتادت في سياقها المتعارف اطلاق تسمية الجزء على الكل , وحتى الان مازال الاغلبية الساحقة من اهالي المحافظة يعرفون عن انفسهم على انهم من الناصرية , ولايقولون للسائل عن منطقتهم او مكان سكنهم انهم من ذي قار .
بعد الانقلاب البعثي الثاني 1968 حولت السلطة القومية – الطائفية الحاكمة عام 1969 تسمية لواء الناصرية الى محافظة ذي قار , للدلالة على المعركة التي حصلت بين قبائل بني شيبان العربية وبين الحاميات الساسانية الفارسية التي كانت تسيطر على العراق , او ارض السواد كما يسميه العرب انذاك , فيما ان واقع الحال ان هذا الاسم لايعطي اطلاقا اي دلالة تاريخية او جغرافية على المحافظة , فمنطقة ذي قار الاصلية تقع جنوب غرب الناصرية بين البصرة والسماوة , وليس بين الفرات والاهوار والغراف , وهى منطقة صحراوية قاحلة تعني مكان القير او (الجير) (ولا اعتقد ان احدا يرضى ان تسمى محافظته العريقة والحضارية بارض الجير ) . وذي قار - بحسب البلاذري – او ذو قار – بحسب بعض المصنفات العربية هى عين ماء لبكر بن وائل بين الكوفة وواسط (وهو مايؤكد صحراوية المنطقة لان الانهار والبطائح العذبة التي تميزت بها المحافظة لاتحتاج الى ابار) , ويقال انها تقع تحديدا الى الغرب من مدينة اور الاثرية , فيما كلنا يعرف ان دلالة الانهار والاستقرار والزراعة والاهوار هى السائدة في هذه المحافظة منذ عهد السومريين وحتى الان , ولم تكن البداوة الا نمطا وافدا من اعراب الجزيرة للبحث عن الماء والزرع او لقطع الطريق والسلب والنهب .
ويرجع سبب اختيار السلطة البعثية الى تسمية ذي قار - نسبة الى معركة (الجب في ذي قار) او (معركة جب ذي قار) - كما يسميها العرب - الى اسباب قومية ظاهرا وطائفية باطنا , والقصد منه استهداف الايرانيين لانهم شيعة , وليس لانهم فرس و ساسانيين , وخلق حاجزا مجتمعيا وسياسيا وقوميا بين العراقيين والايرانيين من خلال سرديات ورمزيات وخيالات تمنع اي نقطة لقاء او تقارب بين الطرفين , فكلنا يعلم ان التماهي بين القومية العربية في العراق والطائفية هو ظاهرا بافراط الى السطح , ولايستطيع حتى القوميين المغالين انكاره ورغم اعطائهم هذه المطارحات تبريرات تاريخية او وطنية ساذجة , الا انها لاتصمد امام الواقع الموضوعي والقارىء المطلع والباحث الاكاديمي , لان الانتقائية والتعمية والاصطفاء في الاختيارات التاريخية ظاهرة للعيان بصورة تدعو الى الشك والحذر من الاستدراج الى شبكة معينة من المفاهيم العنصرية والطائفية . فالاحتلال او الاحتلالات التركية باصنافها المتعددة (السلجوقية والمغولية والجلائرية والعثمانية – وحتى الصفويين هم اتراك ولكن شيعة) – للعراق قد قاربت الالف عام , الا ان القوميين العراقيين والبعثيين لم يشيروا لها كعدو محتل ساهم بدرجة رئيسية في مسيرة التراجع الحضاري للعراق والمشرق العربي , والسبب الاساس في ذلك هو الدافع الطائفي , واعتبارهم من اهل السنة والجماعة , وليس هناك سبب اخر . وربما يسال احدهم ان المعركة قد حصلت حتى قبل الاسلام فما هو العامل الطائفي في الموضوع ؟ في الواقع ان القضية تتعلق بالنوايا الخبيثة التي يقوم بها الطائفيون العراقيون لما عرف عنهم الذكاء والمهارة والخبرة في التدليس وخلط الاوراق وتدجين المثقفيين والمتعلمين الشيعة وتمرير الاجندات الطائفية عليهم من خلال اليات وسرديات ومسارات وطنية او عروبية او انسانية او علمانية او مدنية وغيرها . (وسبق ان ذكرنا في مقالات سابقة ان المثقف والمتعلم العراقي بعد انقلاب 1963 هو صناعة الدولة القومية البعثية) , وعندما تجد ان اولئك الطائفيون يركزون دائما في تاريخهم وكتبهم واشعارهم على معارك محددة مثل القادسية وذي قار وغيرها , فاعلم ان دافعهم بذلك ليس قوميا او وطنيا ابدا , وانما طائفيا بغيضا واقصائيا , القصد منه ترسيخ الصورة النمطية على الايرانيين - وتحديدا الشيعة الايرانيين - واعتبارهم هم العدو فقط للعروبة والاسلام , وذلك من اجل عزلهم عن الشيعة العراقيين والاستفراد بهم للنيل منهم , ووضعهم تحت مطرقة العبودية والتسلط والتهميش الى يوم القيامة , مستغلين حالة التشتت والتشظي القبلي والاجتماعي والسياسي والحزبي والايديولوجي عند الجماعة الشيعية في العراق , وضعف احساسهم بالهوية والانتماء لهذه الجماعة .
واما معركة ذي قار التي حاكت حولها الاساطير والتهويلات الاعلامية والمناهج الدراسية العربية , فان المطلع عليها يجد ان السردية التي اطلقتها ورسختها الحكومات القومية في العراق , ليست هى التي حصلت في الواقع التاريخي , فقراءة سريعة للتاريخ (والتاريخ استاذ في فضح الشياطين) - كما تقول دلال البرزي - يجد الكثير منها ماقد يسيىء لمصداقية العرب في هذه المعركة منها :
1 . ان من الخطا تصور معركة ذي قار ضمن ابعاد قومية بين العرب والفرس - كما يصور لنا الخطاب القومي - فالنعمان بن المنذر ملك الحيرة - الذي هو اصل الخلاف - كان تابعا لكسرى ملك الساسانيين (ابرويز) ومعيننا بالاصل من اجل مواجهة الغارات الاعرابية التي كانت تقوم بها القبائل العربية ضد القرى الارامية العراقية المسيحية , بل ان اصل الاشكال هو مقتل النعمان لاحد العرب المقربين لكسرى ويدعى (عدي بن زيد العبادي) . فضلا عن ذلك , ان اربع من القبائل العربية وهى (تغلب والنمر واياد وقضاعة) انضمت للجيش الساساني لمقاتلة قبيلة بكر بن وائل الذين احتمى بهم بنو شيبان ومتزعمهم هاني بن مسعود الشيباني .(رغم ان بعض الروايات تذكر انه اصلا لم يدرك المعركة ومات قبلها) , بل ان قائد الجيش الساساني الفارسي والقبائل العربية المتحالفة معه كان عربيا وهو (اياس بن قبيصة الطائي) . ويبدو ان سبب الانتصار هو الصحراء القاحلة وسيطرة القبائل العربية على ابار المياه واستدراج الجيش الساساني الى مناطق (القير) الذي كان يعيق الحركة . فضلا عن ذلك , ان قبيلة بكر بن وائل كانت عشيرة بدوية محاربة , وعندها استعداد للصمود والمواجهة والحمية , ويبدو انها كانت بعيدة عن التمدن والدعة التي يتميز بها اهل الحضر والزرع , ومن اجل ذلك قالت العرب في الامثال (هانت الزلابية حتى اكلها بنو وائل) !!
2 . نسبت بعض المصنفات العربية والاسلامية حديثا للرسول محمد عن معركة ذي قار جاء فيه (هذا اول يوم انتصف فيه العرب من العجم وبي نصروا) , وهو بالطبع حديث مختلق لم تذكره كتب الاصحاح الستة عند اهل السنة كالبخاري ومسلم وغيرها , وكتب الحديث الاربعة عند الشيعة (الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لايحضره الفقية), وقد ضعف الحديث الالباني من علماء اهل السنة . كما ان دلالة الحديث تظهر ان الرسول كان رجلا قوميا عربيا , وهو تخريج غير معقول او متحقق من خطابه الاصلاحي وسيرته , لان معيار العدل كان هو المحدد عنده , والدليل قوله (ولدت في زمن الملك العادل كسرى انوشيروان) . فضلا عن ذلك , ان اشكالية الزمن والتاريخ تخل بالحديث وتضعفه , فكل المؤرخين مختلفين حول زمن حدوث معركة ذي قار بالمقارنة مع عهد الرسول , فالبعض يقول قبل البعثة , والاخر يقول بعدها , بل بعضهم يقول ان المعركة حدثت في عام ولادة الرسول !!
على اية حال , اعتقد ان التسمية المفضلة والحضارية التي تعبر تاريخيا وجغرافيا عن المحافظة هى (سومر) , لان هذه المنطقة كانت نواة تلك الحضارة العريقة التي علمت الانسانية اغلب سمات التحضر الاولى كالادب والقوانيين والديمقراطية البدائية ، فسومر هي التي اخترعت الكتابة السومرية المسمارية التي صارت مفتاحًا لنقل العلوم والمعارف والأدب والثقافة عبر الاجيال . يقول (ول ديورانت) في كتابه (قصة الحضارة) عن بلاد سومر ¬(على هذا المسرح الآهل بالسكان وبالثقافات المتبادلة نشأت الزراعة والتجارة، والخيل المتأنسة والمركبات، وسكت النقود، وكتبت خطابات الاعتماد، ونشأت الحرف والصناعات، والشرائع والحكومات، وعلوم الرياضة والطب، والحقن الشرجية، وطرق صرف المياه، والهندسة والفلك، والتقويم والساعات، وصُورت دائرة البروج، وعُرفت الحروف الهجائية والكتابة، وأُخترع الورق والحبر، وألَفت الكتب وشُيدت المكتبات والمدارس، ونشأت الآداب والموسيقى والنحت وهندسة البناء، وصنع الخزف المطلي المصقول والأثاث الدقيق الجميل، ونشأت عقيدة التوحيد ووحدة الزواج، واستخدمت أدهان التجميل والحلى.. وفُرضت ضريبة الدخل، واُستخدمت المرضعات، وشربت الخمور. عُرفت هذه الأشياء كلها واستمدت منها أوروبا وأمريكا ثقافتهما على مدى القرون المتعددة) .
والسؤال هو : كيف لنا ان نترك هذا التاريخ العظيم والانجازات الحضارية المدنية ونفتخر برمزيات المعارك القبلية ودلالات الاعراب الصحراوية ؟ الجواب هو : الايديولوجيا القومية العربية التي دجنت المثقفيين والمتعلمين العراقيين وجعلتهم في موضع التعمية عن رؤية الواقع والخصاء عن تغييره . فكل واقع سلبي او بدائي في اي مجتمع معين يحتاج الى (معرفة) لفهمه وتحليله اولا , و(ارادة) لتغييره واصلاحه ثانيا , والمعرفة غير متواجده حاليا عند الانتلجنسيا العراقية , والسبب هو الخطابات الايديولوجية (القومية والماركسية والاسلامية) الثورية والراديكالية , وغياب او تلاشي الرؤية الليبرالية والتنويرية العقلانية . واما الارادة الحرة والعزيمة الصلدة للتغيير والاصلاح فهى بالاصل لم تتشكل بعد عند المثقفيين والمتعلمين العراقيين , بسبب ظاهرة الخصاء والتدجين التي قامت بها الحكومات القومية والبعثية للانتلجنسيا العراقية خلال الاربعين سنة الماضية (1963-2003) من الحكم الاحادي والاقصائي .
لقد ان الاوان لابناء هذه المحافظة العريقة ان يرفعوا طلبات تغيير اسم (ذي قار) الى (سومر) من خلال السياقات الرسمية او ممثليهم في مجالس المحافظات او العرائض الشخصية والجماعية والحملات الاعلامية في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها , من اجل الضغط على الحكومة العراقية وتغيير هذا الاسم البدوي الاعرابي .. واما الاشخاص الذين يعانون من (الصرع الايراني) او (فوبيا ايران) ممن تربى في احضان الدولة البعثية والقومية – الطائفية , او الذين يرتعشون رعبا وخوفا من ان يتهموا بان ايران وراء تغيير هذا الاسم , فبامكانهم التقدم او دعم المقترح باسم مستعار والله يحب الساترين , او يكرموننا بسكوتهم ولاينشروا خوفهم وجبنهم وجهلهم على الاخرين .







التعليقات


1 - مدينة سومر التاريخية
شاكر شكور ( 2017 / 7 / 11 - 16:05 )
مقترح منطقي سليم وخاصة وان أسم سومر اسم تاريخي وحضاري مشهور في العالم يثير الأنتباه والفضول حتى لأغراض سياحية ، أتمنى ان يجدد ويعيد البرلمان العراقي تاريخ مجد العراق العريق كما اتمنى ايضا ان يكون العلم العراقي علم وطني خالي من العبارات الدينية التي وضعت لخلق ذكرى تمجد الحاكم كعبارة (ألله أكبر) حيث يعيد هذا الشعار ذكرى آلام عوائل الشهداء في معارك الخليج وغزوة الكويت اضافة الى انه يشير الى خنوع الأحزاب الدينية في البرلمان العراقي الى السلطات السابقة وهذا عار ان يبقوا خائفين من اشباح المقبورين ، تحياتي استاذ سلمان

اخر الافلام

.. مداهمات واعتقالات في الأراضي الفلسطينية


.. اليونيسف: 170 ألف طفل ينضمون إلى مستخدمي الإنترنت كل يوم


.. اليونان تستعد لإجلاء آلاف المهاجرين من جزرها قبل الشتاء




.. سفيرة أمريكا للأمم المتحدة: السماء لم تسقط بسبب القدس ونواجه


.. هذا الصباح- سوق لترويج منتجات اللاجئين في الأردن