الحوار المتمدن - موبايل



هل سينتهي الدواعش بعد هزيمتهم عسكريا ؟

احمد عبدول

2017 / 7 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


اخيرا سقطت دولة الخلافة المزعومة على يد ابناء القوات العراقية المسلحة بشتى صنوفها من جيش وشرطة وقوات مكافحة الارهاب وتشكيلات الحشد الشعبي المقدس ولم يتبق امام تلك القوى الخيرة التي خاضت مع تنظيمات داعش معارك بطعم الجحيم كما صرحت احدى المراسلات الحربيات الاميركيات لم يتبق امام تلك القوى سوى مدينة تلعفر والحويجة ومناطق غرب العراق وبؤر تتوزع هما وهناك في سلسلة جبال اعالي الفرات ولا شك ان المسالة لا تعد سوى مسالة وقت ويحرر كامل التراب العراقي من براثن ذلك التنظيم الارهابي المقيت وهو ذات الامر الذي ينبظق على البلدان الاخرى كما في سوريا .
ولا شك ان كل ما استولى عليه ذلك التنظيم بلحظة ضعف وتفكك سياسي داخلي وبدعم وتخطيط اقليمي لا شك ان كل ذلك سوف يعود ويحرر ليصبح صفحة من صفحات الماضي الا ان السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو هل سينتهي ذلك التنظيم الظلامي بمجرد ان نستعيد اراضينا من قبضته عسكريا ام انه سيظهر ولربما يتمدد في وقت لاحق ؟
الحقيقة ان من ينظر الى داعش على انه مجرد تنظيم عسكري فانه سينتهي الى نتيجة مفادها الى ان التنظيم سوف يزول بمجرد جلائه عن ما يقضمه من ارض بقوة السيف والترهيب وبث روح الخوف والذعر عبر اسلوب ما يسمى (الصدمة والترويع ) اما من ينظر الى ذلك التنظيم على انه نتيجة طبيعية لفكر عمره قرون متعاقبة له تاصيلاته ومرجعياته ومنابعه ورموزه وتجاربه وتطبقياته فانه لا شك سينتهي الى نتيجة مفادها الى ذلك التنظيم سوف يشهد ظهورا اخر على شكل خلايا وتجمعات ولربما جيوش تهدد السلم المجتمعي داخل الاقطار الاسلامية وخارجها.
يحدثنا التاريخ الاسلامي بان الخوارج الذين واجههم الامام علي بن ابي طالب في واقعة النهروان مضطرا كانوا اربعة عشر الف مقاتل الا ان محاججة الامام لهم قلصت ذلك العدد الى اربعة الاف خارجي وقد قاتلهم الامام فلم يعبر منهم الجسر الا سبعة نفر ولم ينجو منهم سوى سبعة نفر كما تنبأ الامام بذلك .
هؤلاء الذين نجوا من القتل ذهبوا الى الجزر البعيدة عن امصار المسلمين فكان ان شكلوا هناك نواة لقاعدة فكرية متطرفة اتسعت فيما بعد لتغدو جيوش تهدد مركز الخلافة على امتداد حكومات بني امية وبني العباس عبر عمليات الكر والفر والمباغتة والعمليات الفدائية (7) انفار فقط استوطنوا جزر الخليج انذاك استطاعوا في غضون سنوات ان يكونوا جبهة مضادة وشرسة ضد انظمة الحكم على قوتها وجبروتها وامكاناتها فكيف بنا اليوم ونحن نشهد انتشارا كبيرا لعناصر داعش في مختلف دول العالم.ان داعش ليس هدفا عسكريا بمجرد ان تستهدفة طائرة طراز( اف 16) فانه سوف يزول ويتلاشى بل هو فكر يعشعش في بطون الكتب وامهات المصنفات التي تتناول جملة من النصوص والاحاديث بشكل متطرف اي انه منظومة فكرية وعقائدية وما لم تفكك تلك المنظومة فاننا سوف نشهد ظهورا اخرا لها على ارض الواقع شئنا ام ابينا .
ان الضربات القوية والموجعة لطبيعة هكذا تنظيمات ليس بالضرورة تكون بالقاضية عليها بل لعلها تزيدها قوة كما حصل مع الخوارج من قبل .
لكن كيف يمكننا ان نفكك تلك المنظومة يبدو الامر صعبا وليس هينا بل اشد تعقيدا من تعقيد تلك المعارك التي تخوضها جيوشنا مع ذلك التنظيم ذلك ان الامر يتطلب تظافر جهود مضنية وحثيثة ومتعاقبة لتفكيك تلك المنظومة المتوحشة ولا شك ان تلك الجهود انما تتوزع على عدة مستويات دينية وثقافية واجتماعية ولعل اهم واخطر تلك المستويات هو ما يتمثل بدور رجال الدين ومن مختلف المذاهب الاسلامية حيث تقع على عاتق هؤلاء مسؤولية قراءة النص الديني والحديثي قراءة جديدة ومغايرة لتلك القراءة الحرفية التي تعتمد ظاهر النص بغض النظر عن سياقه الزماني والمكاني والتاريخي ان اهم ما يعتمده الدواعش فكريا وعقائديا هو ذلك الالتزام الحرفي الدقيق بظاهر جملة من النصوص والذهاب الى تطبيقها على ارض الواقع بشكل تعسفي متزمت , ولعل اهم واخطر افرازات عملية الالتزام الحرفي بالنصوصر هو ما يتمثل في اندفاع هؤلاء الذين ينشاؤن داخل مجتمعات مازومة وحواضن بائسة حيث يتم ترغيبهم بجنة عرضها السموات والارض وقد غصت بطوابير من حور العين والولدان المخلدون وانهار اللبن والخمر والعسل هكذا صور حسية تكون بالغة التاثير في عقو ل ومخيلة هؤلاء لذا نراهم يندفعون باتجاه الموت بكل ثبات وقوة وهذا بحد ذاته يعد احد افرازات الالتزام بظاهر النصوص دون الالتفات الى مضامينها الخفية وغير المباشرة . علما ان تلك الصور والمشاهد انما جاءت للترغيب والاقبال على الاعمال الصالحة والا فان الجنة ليست مرتعا للشهوات الجسدية والمتع الحيوانية بقدر ما هي دار امان واستقرار نفسي وعاطفي يأمن المرء فيها فلا يخاف ولا يحزن ولا يجوع ولا يعرى . ومن هنا تتوجب على رجال الدين مسؤولية سحب البساط من تحت اقدام هؤلاء عبر تقديم قراءة واعية ومشرقة وانسانية للنصوص والاحاديث التي تقبل اكثر من قراءة .
ان عملية انسنة النص سوف تشكل اول خطوة في مشوار الحد من الفكر الداعشي المتزمت الا انها لم ولن تكون الخطوة الوحيدة على اهميتها حيث تبقى هناك خطوات اخرى يجب الانتهاء منها على يد رجال الدين فامر مثل تحييد الدين نفسه وحصره في الجوانب الروحية والاخلاقية والعبادية والابتعاد به عن ساحة السياسة امر في غاية الاهمية .
ولا شك ان النظر الى النصوص الدينية على انها نصوص صالحة للحكم والادارة في كل زمان ومكان سوف يقف حجر عثرة في طريق تحييد الدين ووضعه في موضعه المناسب فنحن اذا اردنا ان نحد من مساحة الفكر الداعشي فما علينا الا ان نناى بالدين عن ساحة المصالح والتنافس السياسي التي تخدم تلك التظيمات والتي هي بالاصل تنظيمات عقائدية وسياسية في ان واحد .ان الاحتكام الى النصوص الدينية سياسيا امر في غاية الخطورة وهذا ما اشار اليه الامام علي بن ابي طالب وهو ينهى عبدالله بن عباس من محاججة القوم في صفين عن طريق النص القراني عندما قال له (لا تحاججهم بالكتاب فانه حمال ذا اوجه تقول ويقولون ) وقد اشار الامام هنا الى مطاطية النص القراني وقابليته على التاويل حيث يقوم النص على اللغة التي تخضع بطبيعتها الى اختلاف بين وكبير .ان الاعتماد على الدساتير الوضعية اصبح اليوم ضرورة قصوى في سائر مجتمعاتنا العربية والاسلامية وذلك لغرض تقزيم ذلك الغول المتوحش المسمى داعش وجعله في تراجع مستمر فداعش انما يستمد قوته من خلال مفاهيم مثل الحاكمية لله والتي اقتبسها تاريخيا من مقولة الخوارج (لا حكم الا لله ) وهي مقولة فندها الامام علي عندما قال (كلمة حق يراد بها باطل ) لقد تعرض الدين نفسه وعلى مختلف العصور الاسلامية الى اكبر حملات الاستثمار والتوظيف السياسي من قبل الحكام ومرتزقتهم من وعاظ السلاطين حيث صار الدين مادة طيعة سياسيا يذبح تحت شعاراته الفرد كما تذبح الشاة فاذا ما اردنا ان نفك ارتباط الدين بذلك التسييس وجب علينا الابتعاد به

عن دائرة المصالح والمغانم والامتيازات المذهبية والحزبية والشخصية ان الفايروس الداعشي انما ينشط ويقوى داخل هكذا اجواء ومواطن ما تزال تنظر الى الدين على انه يمتلك مجمل الحلول الناجعة لكل زمان ومكان وهو امر لم يدعيه الدين نفسه حيث جاءت الاديان لتغطي مراحل زمنية محددة فكان ان وفقت في ذلك ايما توفيق اما ان يستمر ذلك الامر وبنفس المستوى فهو امر غير منطقي فالاديان انما تبقى خالدة ومستمرة في التاثير ضمن نطاق الهداية وتعزيز الجوانب الاخلاقية والروحية والتربوية وهو امر لا خلاف بشانه اما ممارسة شؤون الحكم المتغيرة زمانيا ومكانيا بتغير الامزجة والطبائع والمصالح فلا يوجد دين يدعي انه يستطيع مباشرة ومسايرة كل ذلك بل ان من ادعى ذلك هم رجال الدين انفسهم .
كذلك اذا اردنا حقا ان نحد ونقلص من ذلك الفكر الظلامي فما علينا سوى ان نغادر مربع نظرتنا المتدنية لسائر الاديان والتوجهات العقائدية والفكرية الاخرى عبر مراجعة شاملة لكل مناهجنا التربوية ومرجعياتنا الفكرية ومدوناتنا التاريخية فتنظيم فكري عقائدي مثل داعش انما يستفاد اكبر استفادة من هكذا اجواء مشحونة بمشاعر الكره والبغض لسائر الاديان والمذاهب والمل والنحل المتفاوتة في متبنياتها وعقائدها وذلك ان التنظيم لا يستطيع التنفس الا من خلال اجواء مشحونة بمشاعر سالبة وغير متوازنة , لذلك يتوجب علينا امر المسارعة بتنقية الاجواء مع سائر الاديان والسعي لنشر روح المحبة والاخاء والصفاء والوداد على اعتبار ان تلك الاديان انما نهلت من معين واحد وصدرت من ذات السراج .اما ان نتمسك بنظرية مفادها اننا المسلمون نمثل العنصر الاسمى والانقى واننا الفرقة الناجية والامه المبشرة المستبشرة واننا كنا وما نزل خير امة اخرجت للناس فان هكذا مفاهيم ستجعلنا اكثر عزلة وتاخر وبالتالي سوف تخدم اغراض ذلك التنظيم الذي يمتلك قابلية كبيرة على تجيير كل شيء لصالحه حيث يختزل كل شيء بوجوده فيكفر الكل ولا يرى احد اولى بالحق سواه في العيش وادارة شؤون البلاد والعباد .
ان الفايروس الداعشي انما ينشط خلال اجواء الخلاف والاختلاف والتنافر والتضاد كما ينشط فايروس مرض التايفوئيد وسط الاجواء الحارة وكما تنشط بعض الامراض القاتلة وسط الاجواء الرطبة والمظلمة .
ان الثقافة الكفيلة بمطاردة الفكر الداعشي هي تلك الثقافة التي تعتمد الانسانية وضمان قدسيتها من باب ان الخلق صنفان فاما اخ لك في الدين واما نظير لك في الخلق كما يقول الامام علي بن ابي طالب .ان الثقافة الكفيلة بتقليص ذلك الفكر الرجعي انما تتمثل في اعتماد المشركات بين الاديان والمذاهب ونبذ التقاطعات واعتماد الامال والمصالح المشركة والعيش تحت كنف الانسانية مع احترام وتقديس سائر الخصوصيات الدينية والمذهبية والعقائدية .







اخر الافلام

.. إيران.. ملاذ القاعدة ومصدر عملياتها


.. ميليشيا حزب الله.. تصريحات تناقض الواقع


.. اليمن.. ميليشيات الحوثي ونهب موارد الدولة




.. إسرائيل.. واحتلال -الأثير- الفلسطيني


.. تركيا.. مواجهة الغرب بأثمان باهظة