الحوار المتمدن - موبايل



خواطِر من روبار العمادية

امين يونس

2017 / 7 / 16
المجتمع المدني


لي دارٌ في الروبار في منتصف المسافة بين العمادية وسولاف ، وحيث ان العوائِل التي كانتْ تشغلهُ منذ حوالي السنتَين ، عادتْ قبل بضعة أسابيع إلى أطلال ما تبقى من ديارها في بعشيقة وبحزاني ، فلقد قررتُ أن اُرّمِم داري " قدر المُستطاع "، وأن أقضي الصيفية هناك ، هرباً من قيض دهوك . أما لماذا قدر المُستطاع بين قوسين ، فلسببَين : الأول محدودية الإمكانية المادية المُتوفِرة ، والثاني والأهَم .. صحيح أن الدار داري وحلالي وعصارة شقايَ وكّدي وعملي لسنين طويلة ، إلا أنها ( مرهونة ) منذ أعوام لأحد البنوك بسبب قَرضٍ مُتأخِر التسديد ، لم أستلمهُ أنا وليسَ لي فيهِ ناقةٌ ولا جمل ولا حتى مِعزة ! ... المُهم رغم إنغماسي بالترميم ، فأن هنالك هاجسٌ يهمس في اُذني أحياناً : ... ماذا دهاكَ يارجُل ، تَصْرُفُ القليل الذي معك ، لكي تُكمِل الحماقة القديمة بموافقتك على الرهن ؟ ... ورُبما غداُ يتم حجز الدار وتجلسُ على " الرنكات " ! .
...................
على أية حال ... إكتشفتُ تدريجياً فوائِد جّمة لهذهِ الخطوة الثورية في الهجرة الى الروبار! ... فوجدتُ عند زاويةٍ مُعتِمة في أعماقي ، ان هروبي ليسَ فقط من حَر حُزيران وتموز اللاهب ، فقط .. بل من رتابة ومَلَل الحياة اليومية . إكتشفتُ أنني بحاجةٍ مّاسة إلى الإنفراد مع نفسي للتباحث معها في أمورٍ عديدة . كانتْ العائلة تأتي أحياناً ، لكنهم يعودون عصراً إلى دهوك ، فأبقى وحدي .. صحيحٌ أنني أتشاجرُ مع نفسي غالباً ، لكن هنالك لحظات صفاء ووئام وتصالُح مع الذات .. تلك اللحظات بِعَينها هي التي تدفعني للإنزواء في تلك البقعة .
......................
طبعاً أخذتُ معي كُل الأسلحة التي أحتاجها : اللابتوب / الفاست لنك / أدوات الشحن " شَحن الأجهزة الألكترونية وليس الشحن الطائِفي " / المصابيح القابلة للشحن / مجموعة كُتُب . كُل ذلك تحسُبا للإنقطاع المتوقع للكهرباء الوطنية ، وعلى إعتبار أنه ليس عندي إشتراك في الكهرباء اللاوطنية أي المولدات الأهلية ، لأن داري في الروبار بعيدة عن مُجمع كانيا مالا . ولأنني بلا سّيارة ، ولياقتي البدنية بعد تكرُشي ، لا تسمح بالذهاب مَشياً وصعوداً الى العمادية أو سولاف رغم ان المسافة قصيرة ، فأنني إسترجعتُ خبراتي السابقة في الطبخ ، فأصبحتُ أقلي البيض صباحاً وأطبخ الرُز ظُهراً ، وأتقبلهُ بِكُل عّلاته مُرغَما ، فليسَ هنالكَ مَنْ اُعاتبه .. أمّا مساءاً فأن العَم توما يُسّليني " وللقراء الأعزاء من حَسني النِية ، فأن توما هو ماركة عَرَق لبناني ! " ، فأكرعُ قَدَحاً مُستمِعاً إلى اُم كلثوم أو أغنية كاتيوشا السوفييتية ، وأحيانا يدعوني الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم ، إلى شُرب قدحٍ ثانٍ مع " إحنه مين وهُمّه مين " .
.....................
يبدأ يومي قبل الخامسة فجراً .. مع تباشير ظهور الخَيط الأبيض .. ويالهُ من مَنظَرٍ خّلاب ، فقلعة العمادية تطلُ علي من ذاك الإرتفاع الشاهِق .. وزقزقة العصافير وتغريد البلابل وخرير الماء النازل من سولاف ، يزيد اللوحة بهجة وألَقاً .. هنا لستُ بحاجةٍ إلى أغاني فيروز ولا كلبهار ، فصباحات صَيف روبار العمادية ، مليئةٌ بموسيقى الطيور والهواء المُنعِش النظيف .. ومع كوب القهوة ، يكفي ان تجلس بصمت لتستمع إلى الطبيعة وتستمتع بعبقريتها . ولن يكتمل جمال الفجر ، إلا بعد مرور إبن المرحوم صبري ، وهو يرعى قطيعه من الأغنام يتقدمهم كلبٌ ضخم . حتى ال " تيري " أي القِط البّري المتوحش ، المنتشر في الروبار والذي أراهُ فجراً وهو يخرج من البستان المُقابِل ويسير في الشارع ليتوارى في بستانٍ آخَر .. حتى هذا ، لا يُعّكِر مزاجي ، لا سّيما وأنهم قالوا لي ، بأن القط المتوحِش ، لا يكون خَطِراً إذا كان منفرداً ، لكن إحْذَر منهُ إذا كان قطيعاً ، والحمد لله ، فلحد الآن ، لم أشاهدهُ إلا وحيداً ! .
ساعات عديدة أعمل فيها في تنظيف هذا المكان أو ذاك وجمع الأنقاض ووضعها في أكياس كبيرة ، أو صبغ السياج الحديدي ، وكذلك الإشراف على عمل الكهربائي والبّراد ... إلخ . بذلك أسترجعُ بعض ذكريات الشباب ، عندما كُنتُ أعمل إدارِيا ومُشرِفاً في مشاريع عديدة عملتُ فيها .
من الفوائِد الكبيرة التي جنَيتها في الفترة التي قضيتها في الروبار مُؤخَراً ، فُقداني لثمانية كيلوغرامات من وزني ، فإضافةً إلى حركتي المُستمرة وقيامي ببعض الأعمال اليدوية ، فأنني أتناول يومياً " شوربة الشوفان " التي اُحّضِرها بنفسي ، من الشوفان والدارسين والفلفل الأسود وكذلك أشربُ " الحلبةَ " . إقتنعتُ ان الشوفان والحلبة ، يُساعِدان فعلاً في تخفيف الوزن .
.................
كتبتُ مقالاً أنتقِدُ فيهِ الكثير من سلبيات الإدارة ومظاهِر الفساد الشنيعة ، وكنتُ على وشك إرسالهِ للنشر على النت في موقع الحوار المتمدن ومن ثم الفيسبوك ، لكن الإنترنيت كان ضعيفاً ، فلم أفلَح . ففتحتُ التلفزيون لأتابع الاخبار : ... إلقاء القبض على شاعرٍ وإحتجازه لعدة ساعات عند جهةٍ مجهولة ، وتهديده بأنهُ إذا إستمَرَ في " طولة لسانه " فأنهم سوف يقصّونه لهُ ! . سارعتُ إلى اللابتوب ، وقُمتُ بإعادة قراءة ماكتبْته ، وإكتشفتُ أن إسلوبي حاد ومُستَفِز ، فشطبتُ بعض الفقرات وعّدلتُ البعض الآخر .
ثم عدتُ لمتابعة الأخبار .. ياللهول : لقاءٌ مع صحفي شاب في المستشفى ، وهو مُثّخنٌ بالجراح وساقه مكسورة وساعده مثقوب ورأسهُ ملفوف وعينه مُتورِمة ... يقول أن جماعة بملابس سوداء وقاماتٍ فارعة حاملين عصي غليظة ، إعتدوا عليهِ في وضح النهار .. ولولا ان الناس تجمعتْ بكُثرة ، لكانوا خطفوه أو حتى قتلوه ! .
رجعتُ إلى مقالي .. وأعدتُ قراءته مُجَدَدا ، وحَسَناً فعلت ، حيث إكتشفتُ الكثير من الأشياء " الخَطِرة " ، فبادرتُ إلى الحَك والشطب وإزالة كُل كلمةٍ قَدْ يُشتَمُ منها رائِحة غير مرغوبة ! . حمدتُ الله على ان النت كان ضعيفاً ولم أرسل المقال بشكلهِ الأول .
.................
خلال ستة أسابيع في الروبار ، تغيرتْ إنطباعاتي القديمة ، حول " تعميم " فكرة كَسَل شباب العمادية .. فمن خلال مراقبتي اليومية ، وجدتُ الكثير من الشباب العامِل في مِهنٍ مُختلفة ، أو في البساتين او الدكاكين والورش ... يعملون من الصباح الباكِر حتى العصر ... بل ويمتاز معظمهم بالطيبة والكَرم أيضاً . صحيحٌ هنالك بالمُقابِل ، العديد من " التبابِل " غير المُنتجين ، من الطُفيليين العائشين على الهامِش ... لكن أمثال هؤلاء ليسوا ذي قيمةٍ حقيقية .
................
منذ ثلاثة أشهُر أنتظرُ دَوري لِمُقابلة الحصول على فيزا لألمانيا ... لكن الدَور لم يأتِ بعدُ . والغريب أنني بعد إستقراري في الروبار ، لم أعُد مُتحّمِساً كثيراً ، للسَفَر ... ليسَ من باب ( إدعائي بأنني لا أريد العنب ولا أشتهيه ... لأنهُ حامِض ، بينما في الواقِع أنني لا أصلُ إليهِ ! ) .. فصّدقوني ان العنب و " التيشَمبي " على بُعدِ أمتارٍ مِنّي .







التعليقات


1 - إيه إيه أحلي غير حالك
البابلي ( 2017 / 7 / 16 - 02:46 )
آه يارجل يا كل ماتبقى لنا من عرك السنين وأقصد خضم ألسنين وليس العياذ بالله العم توما
حضرتك يمعلم ، لقد اضحكت شيباتي بقطيع آل تيري ، أنصحك تولستوي عصرنا الرغيدي وكما نلفظها وكما يكتب شباب العصر البائد حاليإ لئن عندما يقصدون لأن ، ، ما علينا يا عجوز أإبق عندك وحدك بعيدا عن كل تلوث حتى الفكري منه وظل إمحي وتراجع فلا عاد شئ يستحق ،بل حتى ينفع مع أولئك القطيع آل تيري ،إبق يا. ولدي على التلي قصدي إلتل ورمم ما تبقى من دارك وطنك إلصغير ورحمة ألله على أحد فطاحل زمننا الجميل معلم المرسم إلجميل إلذي لن ينساه جيل الثمانينات مع الأسف نسيت إسمه حيث أنا وأنت من بقاياه


2 - تعقيب على إيه إيه إللي غير حالك
البابلي ( 2017 / 7 / 16 - 02:52 )
بل تصحيح إلمرسم الصغير وليس كما كتب إلكيبورد إللعين إلمرسم إلجميل ،وتحمل يا شيخنا واتحفنا ب المزيد من العطاء


3 - Alittle bit of heaven
صلاح البغدادي ( 2017 / 7 / 16 - 05:35 )
زقزقة العصافير..خرير مياه سولاف
وصباحا شوربة الشوفان ومساءا عصير توما
اعتقد ان كل منا يمكن ان يبني جنته الصغيره
ومن اشياء بسيطه
بالتآكيد بجوار الجنه توجد النار
الحر...الفساد...انقطاع الكهرباء...والاخبار والمصائب اليومية
في بغداد لي جنتي الصغيرة ايضا
شوربة العدس صباحا
وحليب اوزو مساءا
وعدا ذلك هو الجحيم بعينه
حر لاهب...لاكهرباء...فساد اتى على الاخضر واليابس
ودجله الذي بدآ يموت
تحية للاستاذ امين


4 - حتي تكمل السبحة
شيخ صفوك ( 2017 / 7 / 16 - 12:56 )
اسمع بعض اغاني سعيد كافاري وارقص
ثم اهدأ قليلاً
واسحبلك بيك قوي و اسمع محمد عارف واغنية افرو سي مالا شكندي ما باركرن او عيسي برواري واغنية خجي سيامند
واجلس تحت شجرة التين واضحك علي هاي الدنيا
ثم اجلس علي سجادة الصلاة و طير مثل فريد الاطرش.... بساط الريح بساط الريح
هواية مشتاقين علي كتاباتك يا وردة
وجيرس .. وبصحتك كاك امين


5 - حتي تكمل السبحة
شيخ صفوك ( 2017 / 7 / 16 - 12:58 )
اسمع بعض اغاني سعيد كافاري وارقص
ثم اهدأ قليلاً
واسحبلك بيك قوي و اسمع محمد عارف واغنية افرو سي مالا شكندي ما باركرن او عيسي برواري واغنية خجي سيامند
واجلس تحت شجرة التين واضحك علي هاي الدنيا
ثم اجلس علي سجادة الصلاة و طير مثل فريد الاطرش.... بساط الريح بساط الريح
هواية مشتاقين علي كتاباتك يا وردة
وجيرس .. وبصحتك كاك امين

اخر الافلام

.. أنواع و شروط الإقامة في لبنان وأثرها على اللاجئين السوريين


.. المئات يتظاهرون بالعاصمة الفرنسية ضد -العبودية- في ليبيا


.. هذا الصباح- إنشاء محطة للطاقة الشمسية في مخيم الزعتري




.. مؤتمر في الرباط يبحث الصعوبات التي تعيشها الأقليات في المغرب


.. 690 طفلاً من ذوي الاحتياجات الخاصة في الغوطة الشرقية نتيجة