الحوار المتمدن - موبايل



الاستشراق والاعلام وما بينهما

سلام كاظم فرج

2017 / 7 / 30
مواضيع وابحاث سياسية


الإستشراق والاعلام وما بينهما....(وقفة مع المؤرخ والباحث الأستاذ رائد السوداني)...
سلام كاظم فرج
كانت مناسبة طيبة لي حين تابعت الحلقة الثالثة من سلسلة حوارات حول الاستشراق والأدب والفن والاعلام أجراها السيد محمد عزيز مع المؤرخ والباحث رائد السوداني من خلال قناة كربلاء الفضائية..
اتجه الأستاذ رائد صوب مفهوم يتفق معه عليه اغلب متابعي حركة الاستشراق الأوربي والأميركي.. فهو يرى ان الاستشراق نتاج او وليد حركات التبشير اليسوعية الاستعمارية التي غزت الشرق باسم نشر الديانة النصرانية .. ووفق مبدأ مفبرك أطلق عليه في حينها (عبء الرجل الأبيض) بمعنى ان الأوربي وهو يعيش عالما من الحرية والرفاه الاقتصادي النسبي والتوسع في الاختراعات والاستكشافات عليه واجب أخلاقي ان يمد يده لأخوته في الإنسانية من الأعراق الأخرى فيرشدهم الى الإيمان المسيحي.. وتلك احبولة لم تنطل في حينها على شعوب الشرق.. وإذا اتفقنا ان الاستشراق وليد الحملات التبشيرية فإننا لا نتفق مع الأستاذ رائد على إطلاق سوء النية في كل الدراسات الاستشراقية.. ما فهمته من محاورة الأستاذ رائد ان حركة الاستشراق بقضها وقضيضها تهدف الى مسخ صورة العربي والمسلم وتسعى الى إضعاف الثقة بنفسه وتصويره كمتوحش بربري او أحمق ساذج. ويستند الأستاذ رائد ( وهنا اتفق معه وأختلف في نفس الوقت ) على جملة من الوثائق اليسوعية الصادرة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر. تحدد الأهداف من تأسيس الجامعة الأميركية في بيروت والقاهرة. ويرى الأستاذ رائد ان لتلك الجامعة التي يراها مشبوهة وإستعمارية بالمطلق التأثير المباشر في إطلاق نشوء حزب البعث ويضرب مثلا بسعدون حمادي وحامد علوان وسعاد خليل.. هؤلاء من أوائل البعثيين الذين تخرجوا من الجامعة الأميركية. ويرى الأستاذ رائد ان انقلاب 30 تموز على النايف وقبله على عبد الرحمن عارف نتاج تلك الحركات الاستشراقية المشبوهة والتي عاقبت كل من يتطاول على مصالح بريطانيا وأميركا. هذه النقاط وكما ذكرت نتفق ونختلف فيها مع الأستاذ السوداني.. نتفق ان الاستشراق بدأ مع البعثات التبشيرية من اجل فهم الشرق من اجل السيطرة عليه .. ونتفق ان الغرب حاول ان يخترق الحركات السياسية في الشرق.. ونختلف ان هناك منحى موضوعيا حاول فيه المستشرقون الأوائل ان يخفوا حقيقة أهدافهم في توخي البحث العلمي وقد سمح لمستشرقين محترمين في تناول تراث العرب والمسلمين تناولا علميا موضوعيا..
في كتابه المهم لمحات اجتماعية من تأريخ العراق الحديث اعتمد الدكتور علي الوردي على الكثير من مصادر المستشرقين.. ووجد فيها مادة علمية جادة.. ولكن هذا لا يمنع من التعامل بحذر مع تلك الكتابات. وذلك لا يأتي الا بالجهد الموسوعي والمتابعة الرصينة.. يذكر المستشرق والمبشر اليسوعي جون فانيس في كتابه ( أقدم أصدقائي العرب ) انه طلب من الوالي العثماني ان يؤسس لمدرسة ابتدائية ومتوسطة وثانوية,, يدرس فيها أولاد الفقراء والميسورين على حد سواء. فسخر منه الوالي العثماني وقال ما نصه انك تضيع جهدك مع (...) واطلق كلمة بذيئة.. لكن فانيس أسس المدرسة بعد ذلك بسنوات.. نعم.. كان هدفه التبشير.. وهو لم ينكر ذلك.. لكنه ذكر حقيقة مؤلمة وهي ان نسبة الامية كانت تتجاوز الثمانية والتسعين بالمائة... وهنا لم يملك علي الوردي ان ينكر عليه هذه النسبة لانه عاش تلك المرحلة وكان يعرف حجم الفساد الإداري للسلطات العثمانية..ويعرف حجم الامية ومدى انتشارها في العراق..
وجدت الأستاذ رائد يمزج بين مفهومين مختلفين تماما. وهنا اتقاطع معه تماما.. مفهوم الاستشراق بما له وما عليه. ومفهوم الاعلام والدعاية والتحريض.. في جعبتي أسماء لمستشرقين محترمين حاولوا ان يكونوا مخلصين للبحث العلمي رغم علمهم بأصول حركتهم الاستشراقية.. فهناك فسحة كبيرة من حرية البحث أتاحت لهم تقديم نماذج ممتازة للدراسات الاستشراقية. قد نتفق مع الأستاذ رائد ان الاستشراق قد ظلم العرب في نواح عديدة. لكن لا علاقة بين مفهوم الاستشراق كمصطلح وبين مجموعة من الأفلام السينمائية والكتابات الدعائية الهابطة التي أساءت للعرب والمسلمين إذا لاعلاقة بين هذا وذاك.. الاستشراق كمصطلح يعني هو دراسة البنى الثقافية والفكرية والتحتية والتأريخية للشرق العربي والإسلامي من قبل باحثين غربيين.. ولا علاقة للسينما الرديئة التي تتناول العرب بالسوء بهذه الحركة العلمية والتي لدينا عليها مؤأخذات كثيرة ولكن ليس كما صورها الاستاذ رائد.. نعم هناك كذب . ودجل لدى بعض المستشرقين.. ولكن هذا لا ينفي الكم النوعي لعشرات الدراسات الاستشراقية والتي اتسمت بالموضوعية.. نتفق مع الأستاذ رائد السوداني ان الاستشراق ينتمي الى الادب والثقافة الغربية ويشكل ما يسمى بالقوة الناعمة التي تحرص المجتمعات الغربية على نيلها واكتسابها وتعزيزها في حلبة صراع او حوار الحضارات.. وجدت في طرح الأستاذ رائد ان هناك صراعا حضاريا هائلا بين العرب المسلمين والغرب. وهذا صحيح.. لكننا نقول ان ثمة مساحة واسعة للحوار الحضاري علينا خوض غماره بإطروحات علمية تناظر ما وصلنا من دراسات استشراقية.. استطيع ان استشهد بالمستشرق كارل بروكلمان على سبيل المثال لا الحصر.. كتب عن تأريخ الادب العربي وتأريخ الشعوب الإسلامية بموضوعية باهرة.. . جاك بيرك المستشرق الفرنسي .. ترجم القرآن الكريم وله دراسات منصفة كثيرة للعرب.. توينبي صاحب المواقف المؤيدة للقضية الفلسطينية . ولكنه القائل للعرب انتم محامون فاشلون عن قضية عادلة.. يقصد قضية فلسطين. والتي كانت تقابلها مهاترات عبد الناصر حول القاء اليهود في البحر..
برتراند رسل.. المفكر البريطاني التقدمي..
تحدث الأخ مقدم البرنامج عن الرواية الأميركية وكأنها ماكنة إعلامية موجهة ضد العرب.. ولم يذكر لنا مثالا عن رواية معتد بها.. تحدث الأستاذ رائد عن بعض أفلام هوليود المسيئة. وبعض أفلام كارتون أميركية ضد العرب.. لكن للرواية الأميركية مكانة محترمة في الادب العالمي ولا علاقة لها ابدا لا بموضوعة الاستشراق ولا بموضوعة الاعلام الهابط المسيء.. فهمنغواي وفوكنر وشتاينبك وارسكين كالدويل وبيرل باك هم اعلام الرواية الأميركية في القرن العشرين ولا علاقة لهم بإساءة ما؟؟ بل هم تقدميون عانوا كثيرا في مجتمعاتهم بسبب تقدميتهم..
نعم ثمة رواية هابطة من الناحية الأدبية كتبها مواطن بريطاني اسمه سلمان رشدي تدخل في الباب المسيء. ولكن اين هذا الصعلوك في عالم الادب من مئات الروايات البريطانية والأميركية. الممتازة . نعم ان كاتبا فرنسيا مهما اسمه البير كامو / المفارقة انه ينحدر من أصول جزائرية/ كتب رواية الغريب. ظهرت فيها شخصية العربي باهتة ومزعجة. مما جعل البطل يقتله. بدون سبب.. بمعنى حتى في هذه الرواية يمكن ان نتعاطف مع العربي ...البريء .. لم يقل لنا كامو ابدا ما هي جريرة العربي..
ونستطيع ان نذكر قائمة مهمة من المستشرقين تناولوا الشأن العربي بموضوعية منهم أدوارد سعيد الأميركي من اصل فلسطيني. وحنا بطاطو الأميركي من اصل فلسطيني..
بإختصار أقول لاستاذنا القدير رائد السوداني ان المستشرقين اكثر دهاء من ان يقعوا في مطب السطحية والإطلاق المجاني للأحكام. دراساتهم مهمة وجديرة بالحوار.. ولا علاقة للإستشراق بهوليود او الرواية الأميركية او الشعر الأميركي.. فثمة فروقات مهمة بين مفاهيم الادب والثقافة والفن والاستشراق.. وكلها حاولت وتحاول الصهيونية استغلالها.. لكنها لم تفلح دائما وعلينا ان لا نجعلها تفلح بالتمييز بين ما هو موضوعي وما هو دعائي..
لدي ملاحظة ليست مهمة. لكنها أتت في سياق حديث الأستاذ رائد. عن اطلاق كلمة علي بابا من قبل الاميركان على العراقيين.. في الحقيقة ان ملحمة الف ليلة وليلة ترجمت الى اكثر من لغة من قبل مستشرقين . ودرستها كذلك الدكتورة سهير القلماوي.. المفارقة ان علي بابا كان في الحقيقة الرجل الذي طارد وعاقب الأربعين حرامي. ولذلك فإن اطلاقه كشتيمة خطأ شائع..
وفي الختام لابد من التنويه بالجهد الرائع الذي يبذله الأستاذ رائد ومقدم البرنامج الأستاذ محمد عزيز في التعريف بحركة الاستشراق أصولها / تأريخها / تطورها /فشكرا لهما...









اخر الافلام

.. باريس: الحريري يؤكد عودته إلى بيروت خلال الأيام المقبلة


.. الحريري يؤكد من باريس حضور مراسم عيد الاستقلال في لبنان


.. اجتماع لممثلي الدول العشرين لتوقيع اتفاق خفض استخدام الفحم




.. قناة العربية - البث المباشر


.. أبرز ما قاله الحريري بعد لقائه ماكرون