الحوار المتمدن - موبايل



غَارُوت..الملاك المنفي إلى الأرض!؟(الجزء الأخير).

سليم نصر الرقعي

2017 / 8 / 4
الادب والفن


وهكذا امتلكت (نوران) (نعمان) وجعلته يصبح رفيقها وعشيقها وخليلها ثم زوجها وحليلها وينتقل للعيش معها في قصرها الكبير المنيف ثم جعلته مديراً للمصنع ثم وكيلاً لأعمالها كلها وهكذا رفعته الى طبقتها الاجتماعية العليا فأصبح من ضمن علية القوم!، فالمرأة في الحب وفي اختيار رفيق الدرب تكون في أغلب الأحوال وبفطرتها الأنثوية الحذرة شديدة التحفظ والتأني إلى أن تتأكد بالفعل بأن هذا (الرجل/ الذكر) الذي أعجبها ولفت انتباهها هو من تريد من الرجال والذكور وأنه هو من سيروي لها غليلها الجنسي ويُشبع جوعها الحسي ويملأ فراغها العاطفي والنفسي ويحقق لها حلمها الرومانسي ويطوقها بالحنان ويحقق لها الأمان، فتخضعه للتجارب مرة ً بعد مرة ً لتتأكد من أنه مجنون بحبها بالفعل!، فإذا تأكد لها ذلك – أي أنه مجنون بحبها ! - شرعت له باب قلبها على مصراعيه بكل جنون وأطلقت ذلك السيل العرم من العواطف الأنثوية المحمومة نحو ذلك الرجل بلا تحفظ !، وهو بخلاف طبيعة (الرجال/الذكور) الذين في أغلب الأحوال ما إن تعجبهم (امرأة/أنثى) من النظرة الأولى حتى تهيج مشاعرهم السفلية الجنسية أو مشاعرهم العلوية الرومانسية أو الإثنين معاً فيجثون على أقدامهم بكل تسرع وينهارون انهيار السد فتتدفق عواطفهم بكل عنف وفوضى نحو تلك الأنثى المختارة منذ البداية كالسيل العرم ويركضون خلفها يهزون ذيولهم هز الكلاب لذيولها إذا رأت سيدها المحبوب!، أما إذا رأت هذه الأنثى أن هذا العاشق الولهان ورغم هذا السيل من الاعجاب والعشق والاهتمام الذي أحاطها به ليس هو من تريد من الرجال ولا هو المطلوب من الذكور وليس (رجل الأحلام المنشود) وأدارت ظهرها له وتركته في حيرته يتخبط وناره يحترق!، فويل له من عذاب طويل ومن عمر وبيل، ويلٌ ألف ويل!! ، ولكن (نعمان) لم يكن هذا الرجل المنبوذ المطرود ولا كان الحب الرومانسي هو مطلبه الأساسي مع أنه كان هو بالفعل بالنسبة لهذه السيدة الثرية الحسناء عين الفارس المنشود!، لهذا ما إن وقعت في غرامه وإمتحنت حبه لها وهيامه بها وأدركت أنه يريدها كما تريده حتى أغدقت عليه بكل شيء من مشاعرها وجسمها الحلو الشهي ومالها الوفير وسلطانها الكبير ولم تمنع عنه شيئا ً أي شيء!! ، وهكذا هي (المرأة/الأنثى) حينما تعشق رجلا ً من صميم قلبها وأنوثتها فإنها تعطيه بكل سخاء وتدفق كل ما عندها بلا تردد ولا تحفظ !، فالمرأة العاشقة امرأة مجنونة سخية تختلط في قلبها مشاعر الأنوثة مع مشاعر الأمومة فتتفوق على الرجل العاشق في جنونها وكرمها وسخائها!، ولكن ويل لها ألف ألف ويل إذا كان خيارها هذا خياراً خاطئاً (!!) .. إلا أن الحقيقة المريرة أن هذا النوع من (النساء العاشقات) لدرجة الجنون نادرات بالقياس للعشاق من الرجال!، لهذا فأغلب سكان جحيم العشق عبر التاريخ هم من الرجال كما رأيتهم - أنا كاتب القصة - ذات مرة حينما عبرت في شبابي جحيم العشق نحو المطهر!.

وهكذا وبسبب عشق هذه السيدة أصبح نعمان فعليا ً هو سيد القصر وسيد صاحبة القصر والمالك الفعلي لكل شيء!، ثم ومع مرور الشهور والأعوام وقد أصبح نعمان من المترفين وقد أصيبت زوجته (نوران) بشلل نصفي نتيجة جلطة دماغية مفاجئة إذا به قد أغرم بامرأة اخرى فقيرة شابة يافعة لعوب لم تتجاوز العشرين من عمرها كانت تعمل في إحدى أملاك السيدة، أنثى لعوب اطاحت بعقله بالرغم أنها لم تكن في حسن وجمال السيدة (نوران) قبل أن تصاب بالشلل النصفي ولكنها كانت أنثى شابة ماهرة ذكية تمتلك بالفطرة خبرة ودهاء في صيد الذكور وتعرف بشكل دقيق وجيد من أين تُؤكل كتف الذكور وماذا يريد الرجال على وجه التحديد!؟ وكيف تلوي رؤوسهم إليها وتجرهم إلى فخها المرصود خطوة خطوة!؟، تعرف متى وأين تكون (أَمةً وخادمةً ذليلة) أمام عشيقها تتمسح بيديه كالقطة (السيامي) ومتى تكون سيدة طاغية جبارة تصغر خدها لهذا العاشق الولهان في تجبر وتنمر وتمد قدمها لهذا العاشق المسكين ليقبلها بكل خنوع وهو يسكب من عينيه الدموع!!؟، هكذا وقع (نعمان) في حبائلها بشكل جنوني لينتهي الامر باتفاقهم على الخلاص من زوجته المريضة كي يتمكنا من أن يعيشا سوياً في القصر مُنعْميْن بثروة زوجته بعد قتلها !!.
وهكذا سولت له نفسه وسولت له عشيقته وطوعت له قتل زوجته من أجل هذه العشيقة المتنمرة ففعل كما لو أنه منوّم مغناطيسيا ً!، وتمكنا بذكاء خبيث ومكر كبير من تدبير وتنفيذ ما يمكن تسميته بـ(الجريمة الكاملة) لتبدو كما لو أنها قد ماتت نتيجة سقوطها من درج القصر!!.
***
ثم بعد مرور عام من مقتل زوجته تنتقل عشيقته الشابة لتعيش معه في قصره لتصبح بعد عدة أشهر سيدة هذا القصر الجديدة! .............. وتمر الأعوام ليكتشف (نعمان) أن خليلته الشابة التي أعطاها كل شيء أصبح لها عشيق شاب سري!!، فيُجنُ جُنونه ويقرر قتلهما بالجرم المشهود ويفعل ذلك بكل وحشية وشراسة بعد أن تظاهر بالسفر للخارج ليضبطهما في غرفة نومه معاً على فراشه عاريين يتبادلان القبلات!، أطلق النار عليهما دون هوادة بكل غضب وجنون ولكنها ورغم اصابتها البليغة تمكنت من الهروب من القصر والذهاب للمستشفى لإسعافها هناك وحين يستجوبها رجال الشرطة وهي على فراش الموت تخبرهم بأن زوجها (نعمان) هو من أطلق النار عليها وعلى عشيقها في غرفة النوم ثم تعترف قبل ان تلفظ انفاسها الأخيرة باشتراكها مع نعمان في تدبير جريمة قتل زوجته (نوران) منذ عدة سنوات !!، وهكذا انهار السقف فوق رأس نعمان !!.
***
لقد تعرض الملاك (غاروت) سابقاً بعد أن أصبح بشريا ً يُدعى (نعمان)، لاختبارات اخلاقية كثيرة فشل فيها واحدا ً بعد الآخر ليتحوّل في النهاية الى مجرم شرير قاسٍ يمارس الخيانة والغدر والاجرام، وفي غمرة ايقاع الحياة الدنيا وصخب المدينة وضخامة الثروة والترف والسقوط في هاوية الخطايا والغدر والخيانة ينسى نعمان بشكل تام أنه كان في يوم من الايام من الملائكة التي هبطت من السماء الى الأرض لا كرسل من الله للرحمة او العذاب بل كأحد الملائكة المنفيين من ملكوت السماء بسبب آفة الغرور أو الكبر التي اصابتهم!، وأغلب هؤلاء لم يكونوا من الملائكة الأصلية المخلوقة من نور الله إبتداءً بل كانوا في الأصل اما من الجن أو مخلوقات فضائية قديمة من مجرات بعيدة عن مجرتنا (درب اللبانة) ترقت في سلم المعرفة والعبادة حتى وصلت الى درجة ومصاف الملائكة !! .
***
وهناك في السجن حيث يقضي (نعمان) عقوبة السجن المؤبد، يتذكر خلالها ماضيه البعيد ويُدرك بشاعة كبره وغروره الذي ارداه حينما كان ملاكاً كما اردى الملاك ابليس من قبل وانتهى بلعنه وطرده من ملكوت السماء الى الأبد!.
وهناك في السجن يشعر (نعمان/غاروت) بالندم الشديد وبشاعة ما وقع فيه من ذنوب وخطايا كبيرة وينطلق في زنزانته الانفرادية يئن أنين الندم من صميم قلبه ويعيد علاقته بالله ويبني صلته بخالقه الرحيم من جديد، يصوم النهار ويقيم الليل بكاءً وندماً، لقد عرف الحقيقة وجرّب حياة البشر وادراك عظمة وحكمة الله وخطته التي تجري فوق كوكب الأرض، فتبدل احتقاره وكراهيته لبني آدم الى عطف واحترام وأخذ في محبسه الأرضي في قسم المحكومين بالمؤبد يتعبّد ويدعو لنفسه ولبني آدم بالرحمة والغفران، كانت دموعه تنهمر ليل نهار، دموع الندم والخشوع والتواضع لله العظيم الحكيم.
وفي السجن المؤبد ومع مرور الأعوام بلغ (نعمان/غاروت) من العمر ثمانين عاماً كان قد تحول خلالها الى منارة روحية تشع الرحمة والطيبة داخل السجن، وكان نزلاء السجن وحرس السجن وادارة السجن ينظرون اليه جميعا ً باحترام كبير وتقدير وينادونه بلقب (الشيخ/القديس المحترم!) فقد كان له اثر طيب وعميق على الجميع، بل قد تحوّل الكثير من نزلاء السجن بالتفافهم حوله وحسن معاملته لهم وكلماته الطيبة العميقة والصادقة الى أشخاص طيبين خلوقيين أمناء رحماء فيما بينهم، حتى أن ادارة السجن قررت اطلاق سراح الكثير منهم لحسن سلوكهم!، وفي النهاية قررت ادارة السجن بالتعاون مع محافظ المدينة ومجلس القضاء اطلاق سراح نعمان في حفل كبير لتكريمه ومنحه (شهادة المواطن الصالح) في المدينة اعترافا ً بجهوده الإصلاحية الهائلة غير المعهودة رغم كل ماضيه الاجرامي الذي انتهى بالحكم المؤبد!، وفي يوم الحفل الكبير حضرت وسائل الاعلام المحلية لبث ونقل هذا الاحتفال التكريمي للمواطن الصالح نعمان واطلاق سراحه اعترافاً بجهوده الإصلاحية الكبيرة داخل ذلك السجن الكبير الذي كان قبل ذلك سجنا ً سيئ السمعة في كل البلاد وكان يشكل تحديا ً حقيقيا ً في إدارته للسلطات حيث كان نزلاؤه من عتاة القتلة والسفاحين والشاذين واللصوص وسفلة القوم والمجرمين، فتحول هذا الوكر من بقايا البشر وحثالة المجتمع بفضل مجهودات الشيخ أو القديس المحترم (نعمان) إلى مدرسة إصلاحية لإعادة التأهيل والتثقيف الإنساني ولتخريج خيرة الناس والمواطنين الصالحين!!.... "لقد صنع الشيخ/القديس نعمان معجزة إنسانية داخل السجن!!"، هكذا كتبت إحدى الصحف بالخط العريض في إشارتها لهذا الحفل التكريمي المزمع عقده بمناسبة إطلاق سراح الشيخ والقديس نعمان وتكريمه في حفل مهيب وكبير!!.
***
وجاء اليوم الموعود وتقاطرت الوفود على السجن حيث أعدت إدارة السجن كل مراسم الإحتفال لاستقبال رجال السلطة المحلية في المدينة وبعض أهالي السجناء لتوديع نعمان وتكريمه ومنحه (شهادة المواطن الصالح) وحضرت وسائل الاعلام المحلية لتغطية هذا الحدث النادر والغريب (تكريم القاتل الذي انقلب قديسا ً!)، ولكن حينما توجهت ادارة السجن الى زنزانة السجين نعمان لاصطحابه إلى مكان الاحتفال لم تجده هناك !!، ولم يجدوا في غرفته غير ملابسه مع رائحة تشبه رائحة المسك والعنبر تعم المكان!، وأما نعمان ،بجسمه ولحمه وشحمه، فقد تبخر واختفى كما لو أنه شبح !! ، كانت مفاجأة من العيار الثقيل جدا ً الأشبه بالصدمة !! ودب الهرج والمرج وعلت الحيرة رؤوس القوم في استغراب ودهشة !! ، أين اختفى هذا الهرم العجوز الطيب!؟ هل هو نصاب محتال !؟ هل هو ساحر!؟ هل احتال عليهم وتظاهر بكل هذا الوقار والطيبة خلال العشرين عاماً الماضية التي قضاها في السجن كي يفر بهذه الطريقة الغريبة!!؟؟ ولكن هذا غير معقول !! ، فاليوم هو يوم اطلاق سراحه بشكل قانوني في احتفال محلي مهيب مع تكريمه بشكل رسمي فلماذا يهرب إذن وما الداعي وما المبرر !!؟؟، فتش الحراس السجن غرفة فغرفة ومكاناً فمكاناً دون جدوى!! ولم يعثروا له على أثر!! ، استدعوا أكبر وأذكى رجال البحث الجنائي والمفتشين لتفسير هذه القضية الغريبة الغامضة!، قضية اختفاء العجوز و(الشيخ/القديس) نعمان بذلك الشكل المفاجئ والمُحيّر وغير المفهوم في يوم الاحتفال بتكريمه واطلاق سراحه!!، ولكن كل التحقيقات وصلت إلى طريق مسدود رُسمت على جدار سده علامة استفهام وتعجب كبيرتيْن؟!.
فبعد عام من البحث والتحقيق لم يصل المحققون الى أية نتيجة تُذكر ولا حل معقول للغز اختفاء الشيخ والقديس نعمان!!، واضطروا في النهاية إلى اغلاق ملف القضية وتصنيفها تحت باب (القضايا الغامضة وغير المفهومة!؟) ، ولكن الصُحف وبعض القنوات التلفزيونية التي تحب الاثارة والغموض ونظريات المؤامرة ظلت تثرثر و تتساءل عن ذلك الاختفاء الغامض في محاولة لايجاد تفسيرات معقولة ترضي فضول الجمهور للقضية منها احتمال ان احدى العصابات التي كانت تسيطر على السجن والتي ظلت تعتبر (المحترم نعمان) عدواً قديماً بسبب أنه تمكن بتأثيره الروحي والأخلاقي من تفكيك وجودها وسلطانها المعنوي على السجناء داخل السجن وبالتالي إنهاء وجودها بالكامل هي من قام بخطفه وتصفيته ودفنه في مكان مجهول من باب الانتقام والتشفي وإيذانا ً بعودة سلطانها للسجن!!، وقالت إحدى الصحف بأن أقرباء زوجته أو عشيقته اللتين قتلهما أيام شبابه هم من انتقموا منه فقتلوه وأخفوا جثته بالتعاون مع بعض رجال العصابات!! ، بينما إحدى الصحف التي تعنى بالقوى الخفية والظواهر السحرية وقصص العفاريت والأشباح والأرواح ادعت أن روح زوجته القتيلة هي من انتقم منه بهذه الطريقة الغامضة المحيرة الخارقة للعادة!!...... وهكذا ظل هذا اللغز الغامض وهذه القضية المحيرة تغيب عن اذهان الناس في المدينة لفترة من الزمن ثم سرعان ما تعود للواجهة من جديد !، وفيما كان أهل الارض يتساءلون عن سر اختفاء ذلك السجين العجوز الطيب الذي يُدعى (نعمان) بذلك الشكل المُحيّر في يوم اطلاق سراحه وتكريمه، كان الملاك (غَارُوت) يجوب حدائق ملكوت السماء الخامسة في خشوع وتواضع وسلام عميق بعد أن جرّب حياة البشر على الأرض وعرف حقيقة مخطط الله الحكيم والكريم في السماء الدنيا !، وظل (غَارُوت) هناك في السموات العلى حيث يُقيم في السماء الخامسة مع الأرواح الطيبة يستغفرُ لكل من في الأرض من البشر في محبة وحنان واحترام !!.
***********
سليم الرقعي
2017
(**) هذه النسخة هي النسخة التجريبية والتي سأعيد لاحقا ترتيبها وتبويبها بل وصياغتها إما لتصبح أقصر فتكون قصة قصيرة او لتصبح أطول فتتحول من خلال اضافة بعض الأحداث الضافية والحوارات والمحادثات بين الشخصيات الى قصة طويلة أي الى رواية .









اخر الافلام

.. هذا الصباح- مبادرة لتدريس الموسيقى والغناء لأطفال لاجئين


.. صباح العربية: -جود- فيلم يحكي قصة كفاح السعوديين


.. المايسترو سليم سحاب.. مبادرة شخصية لتدريب أطفال مشرّدين على




.. فنانون أفغان يحولون الجدران الإسمنتية في العاصمة كابول الى ج


.. هذا الصباح-معرض بالمكسيك يجسد أبطال فيلم الرسوم -كوكو-