الحوار المتمدن - موبايل



تفريع اصول الدين أم تأصيل المتفرعات الجزئية ج2

عباس علي العلي

2017 / 8 / 4
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


المطلب الثاني _ الفروع في الديانات عامة
يعرف البطريرك ميشال صباح واجب الفرد المسيحي على التخصيص وظيفته بوجوده، أي أن ما نعرفه بالفروع العملية التي يؤمن بها كونه مسيحي من خلال الذات المسيحية فيقول عليه أولا (أن يجد موقعه في مجتمعه لا بد من أن يعرف ذاته وإيمانه، ولا بد من أن يرجع لذلك إلى المصادر التي ترشده إلى ذلك: أولا الكتاب المقدس، وثانيا وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني وقد تناولت المواضيع الحيوية في الكنيسة والمجتمع، وثالثا المخطط الرعوي، وقد أجمل في ستة عشر فصلا جميع المجالات التي، إذا أتقنها المسيحي، استقامت حياته مع الله ومع الناس، وزالت حيرته وقلقه، واستقر في أرضه وكنيسته ليبنيها مع كل من يبنيها) .
فالهوية عنده تمثل الوظيفة والوظيفة تمثل الواجب الديني العملي الذي يتبناه المسيحي وفقا لرؤية الرب وليست منفصلة عنها، هنا أقترب البطريرك من حقيقة المؤمن والتي تمثلها أستجابته للدين وهو ما يعتبر فرعا من أصل الفكرة الدينية ذاتها وفقا لتقديره،ولكن هذا القول من جهة أخرى حسب رأي بعض المفكرين ومنهم رأي المفكر المصري نصر حامد أو زيد يمكن أن تعطل ما هو طبيعي في الحياة برد كل الوظيفة الإنسانية للدين مما يؤدي إلى تعطيل الحياة وتقزيمها (تعطيل القوانين الطبيعية والاجتماعية، ومصادرة أية معرفة لا سند لها من الخطاب الديني، أو بالأحرى من سلطة العلماء التي تتحوّل بذلك إلى كهنوت محض) .
فالحياة عند أبو زيد ليست دين فقط وليست إرادة الله فقط وهو الذي أوكل للبشر أن يعمروها وأن يستخلفوا الأرض وفقا لذات الإنسان وما فيها من قوة تعقل وتدبر وتفكر طبيعية، فهو ينحاز للعلمانية التي لا تعني فصل الدين كفكرة خلاقة وضرورية عن المجتمع وتهميشه بقدر ما تعني الأبتعاد عن دور الكهنوت الذي يحتكر الحقيقة الدينية لوحده دون مبرر أخلاقي أو عملي أو حتى ديني (فالعلمانية بحسب هذا الفهم ليست نمطاً من التفكير معادياً للدّين؛ بل هي تُعادي (التأويل الكنسَي) تأويل رجال الدّين الحرفيّ للنصوص، وتُناهض محاولة المؤسسة الدينية فرض هيمنتها وسيطرتها على مناحي الحياة المختلفة، وهي بذلك تعد نمطاً من التفكير يعادي الشمولية الفكرية، والإطلاقية العقلية الكنسَية على عقول الآخرين) .
فالحياة بحد ذاتها تجربة بشرية والدين تبعا للتجربة قابل للتطور والتجديد متى ما عجز عن فهم الحياة، وهنا يعني بالدين الفكر المطروح والمتعامل به به حيث هو نتاج تحصيل التجربة التأريخية للمؤمنين في واقعهم وليس أصل الفكرة الدينية التي تعارض هذا التوجه الأحتكاري من قبل الكهنوت الديني،ما يؤكد هذا التوجه النص الديني ذاته الذي ينفي ويثبت في أن واحد قضية التبديل والثبات في الدين تبعا لتطور التجربة من خلال الزمن {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}آل عمران144.
حتى في بعض مقولات الدين المسيحي أو الإيمان المسيحي عند البعض ممن يؤمنون بيسوع (رب) نجد المعنى السابق الذي أشار إليه أبو زيد ليحل الرؤية الدينية بخصيصتها كاملة محل الرؤية الواقعية المتكاملة بين الإنسان وربه لتكون محور الحياة وتصر عليها على أنها الحل، كما يرفع البعض اليوم شعار الإسلام هو الحل، (لقد أوصانا السيد المسيح قائلاً في إنجيل مرقس 16: 15 - 16، لذلك ينبغي أن أُعلن السيد المسيح في حياتي ومن خلال أعمالي الصالحة، وأيضاً من خلال كلماتي، أي أُخبر الآخرين عن محبة الله وعمل المسيح الفدائي، إن (للكرازة) دوراً مهماً في حياة النمو، فإنها مثل الحركة في حياة الإنسان، فإذا أكلنا دون أن نتحرك فسوف نصاب بأمراض كثيرة، فعلينا أن نذهب بإيمان ونكرز، ونثق أن الله سيكون معنا وأيضاً سيعطينا الحكمة اللازمة، وسوف يحمينا من الأخطار التي نخاف منها، إن الإيمان المسيحي هو مبادئ حياة، وهذه الحياة ينبغي أن تكون مطابقة تماماً لحياة واهبها ومُحييها السيد المسيح، وبحسب قوّتنا الذاتية لا نستطيع ذلك، ولكن من خلال الإيمان به، وأيضاً من خلال الطعام الروحي الذي ذكرناه، وبقوة الروح القدس نستطيع أن نسلك كما سلك هو أيضاً أي السيد المسيح) .
في الديانة اليهودية كما في الديانة الإسلامية وضع العلماء (الهنوت الديني) قواعد مكتوبة خلافا للمسيحية في مسألة التعبير عن الواجبات والأخلاقيات التدينية في جزء منفصل عن الكتاب المقدس، تفريقا له وتحديدا لما هو مطلوب في العبادة، (كما ان الاسلام هو طريقة حياة المسلمين المؤمنين، كذلك اليهودية هي طريقة الحياة شاملة، وهي مليئة بالقواعد والممارسات التي تؤثر على كل جانب من جوانب الحياة اليهودية ، ماذا كنت تفعل عندما استيقظ في الصباح، ما يمكنك ولا يمكن أن يأكل، وماذا يمكنك إرتداءه وما لا يمكن من الملابس، من هو الشخص الذي تستطيع أن تتزوج به ومن لا تستطيع، وكيفية القيام بالأعمال التجارية، وكيفية الاحتفال بالاعياد والسبت، وربما الاهم، وهو كيفية التعامل مع الله، ومع الناس، والحيوانات، هذه مجموعة من القواعد والممارسات متعارف عليها بالـ (هالاخا) .
من هذه الأطلالة المختصرة والتي قد تكون غير شاملة عن رؤية الفروع في كل الديانات وكل المذاهب على كثرتها وتنوعها نريد فقط أن نشير لحقيقة مهمة كما بيناها في المطلب الأول من هذا المبحث، أن مفهوم فروع الدين ليس مفهوم حقيقي بتمثيل الواجب الديني متجسدا بالعبادة الدينية ليكون فرعا من أصل، فالتعبد والعبادة تبدأ كواجب للمؤمن من قضية الإيمان الذي هو أصل الدين كله، فلا دين بلا إيمان به ولا إيمان ديني حقيقي بعدم وجود الدين كمصدر له ودليل عليه.
الإيمان هو أول طريق الإنسان للدين وهو ما يمثل قناعته به ولا بد للإيمان أن يكون مجسدا بالوعي العقلي والإدراك الحسي والفهم النوعي، فهو كمحدد يقيمي يتضمن ما يلي:.
1. تعرف سابق بما سنؤمن به، فلا إيمان قبل وجود الفكرة الدينية.
2. قبول مبدئي بالفكرة والشروع بالتعامل معها على أنها خطة يمكن السير فيها على الوجه الذي تقتضيه هي لا على الوجه الذي يختاره المؤمن.
3. تطور هذا القبول من خلال التجربة لتتحول إلى ضابط سلوكي يتصدر الفعل ومستندا له وعليه، فلا يكفي أن نقبل بالفكرة ولما تزل في دائرة القبول المحض ما لم تترسخ بالوجدان اليقيني{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} الحجرات14.
4. وأخيرا لا بد للإيمان أن يفضي للخير لأن الله جعل في الدين مسألة الخيرية محوره ومحركه، فالإيمان الذي لا ينتج خيرا فهو خداع ووهم وتضليل {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}آل عمران110.
هنا يمكننا أن نفرق بين ما يفهم أنه فروع على أنها الواجبات المناطة بالمؤمن والتي تتشكل من خلال العمل إلى هدف أسمى وهو الخير الذي يعني دوما أفضل النتائج المتطابقة مع إرادة الديان، فالصلاة خير إذا كانت كما أراد الله، {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}العنكبوت45، والصوم أيضا تحت نفس الهدف {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}البقرة184، والخير هو كل ما يقرب الله من الإنسان ويتقرب به إليه، {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}هود88، والإصلاح هو الهدف النهائي لوظيفة التدين والدين معا {وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}الأعراف170.
الخلاصة في قضية الواجبات الدينية التي يعتبرها البعض فروع الدين لا بد أن تستهدف الغائية من الدين وتتصل به ليس لأنها فقط سلوكيات للتعريف بالنتدين من غيره ولكن لأنها تعبر عن حقيقة الإيمان بالدين إذا كانت تنطبق مه روحية الأصل الديني وتتماهى معه، فكل ما في الدين يجب أن يكون مسخرا لقضية إصلاح الوجود وتيسير الحياة وتسهيل الوجود الإنساني فيه، وحتى في الدين اليهودي مثلا نجد الهدف حاضرا سواء أكانت فرديه هذه الأعمال أو جماعية، (ولكن المتتبعين لمجموعة الـ الهالاخا لها وجهة نظر مختلفة وهم يعتقدون أنها تزيد من الروحانيه في حياة الفرد، لأنها تجعل من أتفه الاعمال الدنيويه، مثل الحصول على الطعام والزي، أعمالاً ذات أهمية دينية، كما يعتقدون ان الصلاة ومراعاه القواعد الدينية بذكرها على الدوام لها علاقتها مع الالهي، وفتصبح جزءاً لا يتجزأ من وجودها) .
فالخير إذا كما يفهمه اللاهتيون الكلاسيكيون مرتبط بالخطيئة الأولى ومتفرع منها كما يقول (القديس أوغسطينوس هو اول من دعاها بالخطيئة الاصلية)، نرى أخرين في نفس النطاق الديني يعارضون الفكرة ويرون أن (أن الطبعية الإنسانية ليست خاطئة أو فاسدة عند ولادتها كما ظن القديس بولس في رسائله، وأنها بالتالي تستطيع الحصول على النعمة والخلاص ودخول ملكوت السماء بأعمالها الحسنة او الخيرة، وكنتيجة لهذا الرأي يمكن أن يتم الخلاص بدون مجيء يسوع المسيح الى هذا العالم، ولم تكن هناك حاجة لصلبه وموته، أي بطلان اهمية سر الفداء الذي قام به يسوع المسيح من خلال موته على الصليب من اجل مغفرة الخطيئة الاصلية) أي أنهم يعتقدون أن الإنسان أصلا منحاز للخير بوجود الدين من عدمه.
لم يكن هذا الموقف الديني اللاهوتي عموما من موضوع الخير الذي تأسست بموجبه الأديان كلها، فقد رد قسم أخر من الىهنيين على تلك النظرية معتمدين أصلا على النية في فعل الخير بل لا بد لها وشرطا أن تكون مقدمة للعمل الصالح، وبذلك فرقوا بين الطبيعي والمختار في تثبيت ما يعرف بالفرع الديني عن الأصل، (على الرغم من اتفاق القديس توما الاكويني مع القديس اغسطينوس بأن للخطئية علاقة مع نِية او قَصد فاعلها، إلا انه لا يتفق معه على أن عمل الشر يتحول الى عمل الخير بمجرد وجود نية حسنة لدى الفاعل، لكن القصد او النية هو شرط اساسي بان يتحول العمل الخير الى خير حقيقي، ويرى القديس توما الاكويني بأن طريق نيل حياة القداسة هو التخلي عن الخيرات الارضية والبحث عن حياة القداسة التي هي الحياة مع الله والتي لا تتحقق الا بتسخير الحياة الارضية لخدمة الله كاملة) .







اخر الافلام

.. في مصر ورغم تهديدات التعايش... أجراس الكنائس تستمر بالاحتفاء


.. كيف تنظر دمشق لإعدام 116 شخصا من قبل تنظيم -الدولة الإسلامية


.. المرصد السوري: تنظيم -الدولة الإسلامية- يعدم 116 شخصا في الق




.. تقرير خاص من دير الزور: مسلحو تنظيم -الدولة الإسلامية- لايزا


.. الاسلاميين على دوار عبدون دعما للثورة السورية 6 72012