الحوار المتمدن - موبايل



الأسرة المغربية وتقدير النساء في العصر المريني

لحسن ايت الفقيه

2017 / 8 / 4
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


تعكس الأسرة، في غالب الأحيان، كبرياء اجتماعيا. لذلك ظلت دراستها مقدمة لدراسة المجتمع في زمان تاريخي ما. والأسرة مجسدة عموما في مجموعة من القيم، إن لم تكن، هي نفسها، صانعة فضاء التعود الذي قد لا يخضع، دواما، لشريعة ما. وتعد كتب النوازل منهلا لرصد وضع الأسرة المغربية، وهو الوضع الذي لا يمكن أن يكون إلا دياكرونيا، في أوان زماني محدد. وسنعود ثانية إلى الأستاذ محماد لطيف في كتابه «الزواج والأسرة في المغرب الأقصى خلال العصر الوسيط»، طباعة سوس ونشرها بأكادير سنة 2015، وهو الكتاب الذي خص الفترة المرينية.
وقبل إجراء القراءة، أريد أن أخاطب مسافرا عن قصد، أو عابر سبيل، إلى فضاء الذاكرة ببقايا معسكر تازمامارت. ففي هذه المنطقة يستهويك برج ضخم يقاوم الزمان، شرق مدينة الريش، بالأطلس الكبير الشرقي، ينعته السكان بسمة «برج مولاي الحسن» أو «دوار مولاي الحسن». إنه الموضع التاريخي لمدينة گرس لوين التي لعبت دورا مهما في تجارة القوافل. تنسب الرواية الشفوية المدينة إلى «السلطان لكحل»،أي: السلطان الأسود باللسان الدارج المغربي. ويغلب أنه عيسى بن يزيد الأسود، أو أبو القاسم سمغو بن وائل، أو أبو الحسن المريني وكل هذه التقديرات، وإن كانت بعيدة عن الدقة، فهي صحيحة، أو على الأقل تجعلك تقترب من ذاكرة سكان حوض زيز، إن هم يؤرخون للحدث على شاكلتهم. ذلك أن عيسى ين يزيد الأسود الخارجي هو «السلطان لكحل» أي: الأسود باللسان الدارج المغربي. وأبو القاسم سمغو بن وائل أسود كذلك، لأن كلمة «سمغو» أمازيغية، تعنى العبد، والعبيد في مغرب القرون الوسطى يجلبون من أفريقيا جنوب الصحراء، وهم سود البشرة. وأما السلطان المريني المفهوم في تاريخ المغرب أنه السلطان لكحل، هو أبو الحسن المريني. ولا غرو، فمدينة گرس لوين بناها خوارج بني مدرار، بعيد بناء سجلماسة، ودمرها الموحدون تدميرا، ثم أعاد بناءها المرينيون. ويعنينا من هذه الرواية الشفوية أنه بشمالي مدينة گرس لوين يقع موضع يدعى «منزه الغالية». والغالية هي ابنة السلطان أبي الحسن المريني، تقول الرواية الشفوية إنه أنشأ لها بستانا به قصر تسكنه، بستان يمتاز بتنوع أشجاره المثمرة. ونستخلص من الرواية الشفوية أن ذاكرة سكان حوض زيز تشهد على ما للأسرة، في العصر المريني من أهمية كبيرة، وخاصة في جانب تقدير النساء. و«لا مراء أن التطورات التي حدثت على الصعيدين العسكري والسياسي...لا بد أن تنعكس آثارها على الصعيد الاجتماعي» يقول الأستاذ محماد لطيف في الكتاب المذكور، صفحة 34. ويعد السلطان أبو يعقوب يوسف «أول من هذب ملك بني مرين وأكسبه رونق الحضارة وبهاء الملك»، نقلا عن الناصري، في الجرء الثالث من كتاب الاستقصاء. «وبشكل عام، فقد اتاحت الأحوال المادية لسلاطين بني مرين، تقليد من سبقوهم من الأسر الحاكمة في معظم مظاهر حياة الدعة والترف، فقلدوها في التأنق في اللباس، والتفنن في الأطعمة، والإكثار من الزوجات، واتخاذ العبيد والجواري والإماء والخدم» (صفحة 38). ولم يغفل الأستاذ محماد لطيف التحدب إلى جانب التعود حيث أشار إلى« أن عادات الزواج لدى أسر السلاطين من بني مرين كانت تتم (تجري) في أجواء احتفال اتسمت طقوسها بالهالة والتعظيم، وبالضخامة التي تؤكد على غائباتها من الناحية السياسية فعلاوة على إبرازها لهيبة السلطان وأبهته فقد سعت الدولة المرينية من خلالها إلى إثبات تفوقها على الدول السالفة، وفرض الرمزي على القبائل والكيانات المجاورة» (صفحة 43) وتفيدنا هذه الشهادة في القياس على الوضع الحالي فلما يسود الزواج العشائري Endoganie يقل مقدار المهر، وتنتشر الأعراس الجماعية ضمانا للتعاون بين أفراد العشيرة لتسوية مصاريف الزواج. ولما يسود الزواج غير العشائري، كما هو حاصل لدى المرينيين، فإن المهر يرتفع قدره، وترتفع نفقات العرس، وتطفو مظاهر أخرى على السطح. «فإذا كانت النصوص لا تكشف عن القيمة المالية للصداق الذي أصدقه الأمير أبي الحسن المريني، عند زواجه بالأميرة الحفصية فاطمة واكتفت بوصفه، فإنه ومن دون شك، لن يكون أقل من المهر الذي منحه لأختها عزونة» أي: 15 ألف دينار ذهبا، ومائتا خادم (صفحة 42). ولاتزال الأسر بمحيط سجلماسة التي باتت يحمل يومه اسم تافيلالت تنفق كثيرا في تجهيز العروس، وتطلب صداقا مرتفعا. ولا غرو، فمنطقة تافيلالت كانت تأثرت كثيرا بالوجود الزناتي الذي دام إلى حدود نهاية العصر المريني. ومن المظاهر المثيرة للانتباه و«التي تفصح عما حظيت به احتفالات الزواج لدى هذه الأسر، حرصها على الحضور المكثف بجميع قبائل بني مرين وبجميع عيالاتهم، إلى جانب مشاركة بعض القبائل الأخرى باستعراضاتها الحربية خاصة» (صفحة 44) ولا تزال الأسر الزناتية بحوض گير بجنوب شرق المغرب تنظم حفلات رقص حاملة الخناجر، تعبيرا عن طقوس الانتصار. وتعود طقوس الانتصار، في الغالب، إلى العصر المريني.
وإلى جانب الأسرة «ظل عالم النساء والحريم من الخبايا التي كان السلاطين من بني مرين يضربون عليها الجدران، ويسدون الأبواب، ويمنعون التطلع إليها داخل القصور وفي المحلات» (صفحة 46). وليس من عادات الأمازيغ تصيير النساء حريما، ذلك أن انفتاح بني مرين على القبائل العربية، وعلى التصوف الطرقي طمعا في النفوذ وإرساء الشرعية فرض عليهم اعتماد الحريم في نهجهم الأسري، فظلت عزلة النساء «من التقاليد المرتبطة بالدولة المرينية مقارنة بالسابق من الدول وخاصة الدولة المرابطية»، وتلك ملاحظة بارزة لدى المرينيين (صفحة 46). وفي الجانب المعماري نلفى تأثير الحريم، ذلك أن الحوليات التاريخية باتت «تتحدث عن جناح خاص بالحريم داخل القصور» (صفحة 46) وفي قصور تافيلالت بجنوب شرق المغرب، ممرات خاصة بالنساء تسمح بولوجهن إلى داخل القرية وخارجها. وهناك نساء انفردن بالسكن في دور ضخمة (صفحة 48)، وطالما ترسم للبنائين تصاميم الدور النسوية كما فعل السلطان أبي الحسن إرضاء «للأميرة الحفصية عزونة وهي في طريقها إلى المغرب» (ص 48). ومما لا شك فيه، أن تقدير السلاطين المرينيين للنساء ملفت للانتباه، مما شجعهن على البروز، وطالما يقدر بعضهن «على فرض أبنائهن أمراء لخلافة السلطان» (ص 48). ولقد فصل القول الأستاذ محماد لطيف «في مسار حياة العديد من السلاطين المرينيين وفق ما توافر «من معطيات تاريخية»، فكان للمرأة حضورها القوي والوازن وذو فاعلية «في تيسير دواليب السلطة، بل والفتك بعدد من رجالها» (ص 51). ولقد صدق عبد الرحمان بن خلدون حين قال، إن «دور النساء في أمر ولاية العهد وحبك المؤامرات والدسائس، عادة ما يكون أكثر بروزا في المرحلة الأخيرة من عمر الدولة».







اخر الافلام

.. أخبار عربية | يوجد المئات من مقاتلي داعش في #تلعفر حسب الجيش


.. أخبار عربية | أطفال مقاتلي #داعش يعانون


.. شو صاير | لتبدو جذاباً في أعين الناس.. إليك 10 خطوات مثبتة ع




.. نشرة الإشارة الثانية 2017/8/21


.. المرصد- ناجي العلي.. ريشة أرخت للنكبات وللنضال ضد الاحتلال