الحوار المتمدن - موبايل



الضمير الإنساني والموقف السياسي!

منذر علي

2017 / 8 / 7
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


ما دفعني إلى كتابة هذه المقالة ، هي تلك العبارة المضيئة للمفكر السياسي اللبناني، الشهيد كمال جنبلاط ، التي تؤكد على أهمية التوافق بين الضمير الإنساني والموقف السياسي. ومفادها: "إذا خُير أحدكم بين حزبه وضميره، فعليه أن يترك حزبه وأن يتبع ضميره؛ لأن الإنسان يمكن أن يعيش بلا حزب، لكنه لا يستطيع أن يحيا بلا ضمير."
و هي العبارة، التي كان قد أوردها، بذكاء استثنائي، أحد القضاة الأفاضل في وطني، المنكوب بالفوضى، وانعدام الضمير وجنون السياسة، لدي النخب المهيمنة، فضلاً عن أتساع رقعة الحرب الأهلية والعدوان الخارجي. وها أنا أعود إلى هذه الفكرة مرة ثانية، محاولاً توسيع دائرة التأمل، في ما يخص العلاقة العضوية بين الضمير والموقف السياسي.
إذ على الرغم من أنَّ الإنسان يُخلَق ولديه استعداد، أو قابلية استثنائية فطرية ، Exceptional innate susceptibility ، مقارنة بالكائنات الأخرى ، لتشَكُّل الضمير ، كما يرى بعض المفكرين ، إلاَّ أنَّ الضمير، كما يبدو لي ، ينطلق من تلك الاستعدادات الأولية ويتشكل مع الكائن الإنساني، ويرتقي مع وعي الإنسان، خلال عملية معقدة وطويلة من التنشئة الاجتماعية The process of socialisation ، كما يسميها علماء الاجتماع. وبالتالي فأن الضمير الإنساني ليس مفهوماً مجرداً ، منفصلاً عن الظروف الموضوعية ، والمعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والتربوية ، وإنما يتشكل في إطار الحياة الممتدة ، وفي إطار التفاعل معها ، يؤثر فيها ويتأثر بها. فالمرحوم كمال جنبلاط، المثقف الموسوعي ، صاحب المقولة الملهمة، الخاصة بضرورة توافق الضمير مع الحق، كان متسقاً في مواقفه إلى حدٍ كبير. فمن جانب كان قد أتبع ضميره اليقظ ، ولكنه لم يتخلِ عن حزبه، بل قاد حزبه بثبات ، وقاد طائفته الدرزية ، بما يتوافق مع ضميره الوطني، وقاد الحركة الوطنية اللبنانية ، بما يتوافق مع الضمير الجمعي للشعب اللبناني والأمة العربية، فساند القضية الفلسطينية، بالضد من القوى الانعزالية ، وساهم في صد العدوان الصهيوني عن وطنه ، وسقط شهيداً وهو يحمل راية الوطن عالية. وعلى الضد من ذلك انحازت القوى الانعزالية اللبنانية لمصالحها الأنانية الضيقة ، وقادتْ أحزابها ، بما يتناسب مع ضميرها المعطوب بالأنانية والانتهازية والعمالة ، وساندتْ العدوان الصهيوني ضد القيادة الفلسطينية في لبنان ، وساهمتْ "بضمير مرتاح !" في مجزرة صبرا وشاتيلا ضد الفلسطينيين، وعملتْ ضد لبنان، الوطن، وأنحاز جزءاً منها ، دون مواربة، إلى العدو الصهيوني ، وأقصد هنا تحديداً بشير الجميل ، الذي قُضي عليه ، و كل من سعد حداد وأنطوان لحد، اللذان هربا إلى حضن العدو الإسرائيلي. وقد حاولت المناضلة الشيوعية ، الآنسة سُهي بشارة ، التي أتبعتْ ضميرها النبيل ، غير المتعارض مع موقف حزبها الشيوعي اللبناني، بل بدفعٍ منه ، أنْ تعاقب أنطوان لحد على خيانته الكبرى للوطن ، فأطلقت عليه النار وأصابته إصابة بليغة ، ولكنه لم يمتْ ، غير أن العملية أدتْ إلى إدخاله العناية الفائقة لمدة طويلة ، وامضي جزءاً كبيراً من حياته الملوثة بالعار في فلسطين المحتلة حتى تعفن، وفي الأيام الأخيرة من حياته أنتقل إلى باريس للعلاج وتوفيَ هناك .
ثمة مثال آخر على النبل الإنساني وانحياز الضمير إلى الحق ، والتخلي عن التعصب العرقي ، وهنا يحضرني المناضل جو سلوفو ، الذي كان رئيساً للحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا وعضوًا في اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الإفريقي ، وهو الرجل الأبيض ذو الأصول الأوربية، الذي قرر ، اتساقا مع ضميره ، الانحياز للأغلبية من الأفريقيين السود، والملونيين ، الوافدين من أسيا ، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين أو حتى غير متدينين ، ضد أبناء عرقه من الجنس الأبيض، و تم التنكيل به ، وعاش مشرداً بين أنجولا وموزنبيق وزامبيا وبريطانيا ، وجرى اغتيال زوجته الأولى من قبل النظام العنصري الأبيض في عام 1982. وفي عام 1985م أصبح رئيس الأركان للجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي. وكان أول عضو أبيض في اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الإفريقي المناهض لنظام الفصل العنصري ، وظل مُهدداً ومطارداً ومحكوماً عليه بالموت. وكان بإمكانه أن يتخلى عن ضميره و ينقاد لمصلحته الضيقة ويجمع ثروات طائلة ويختار حياة آمنة في عاصمة أوربية ، و يقضي وقته في ممارسة القمار ، ومعاقرة الخمر ، ومعاشرة ما شاء له من النساء ، مثل كثير من الأثرياء العرب، الذين لا يجمعهم شيئاً بالضمير الإنساني، ولكنه لم يفعل ذلك، وظل وفياً لقيمه الإنسانية النبيلة حتى آخر لحظة في حياته.
والتوافق مع الضمير ليس مرهوناً بدين معين ، أو بأيدلوجية معينة، ولكنه موقف عابر للأديان والمعتقدات الفكرية والسياسية ، ويكفي أنْ نذكر هنا إنَّ المطران كابوتشي ، أعلى شخصية كاثوليكية عربية ، عارض موقف الدول المسيحية المتحيزة لإسرائيل، وتجاوز منصبه الرفيع ، وأنحاز لضميره الوطني والإنساني، وقام بتهريب الأسلحة للمقاومين الفلسطينيين.
وهناك المناضل كوزو أوكاموتو الياباني ، اليساري ، المنتمي للجيش الأحمر الياباني ، الذي أنحاز لضميره الإنساني ، وقَدِم ، مع مجموعة من رفاقه، ياسويوكي ياسودا وأوكودايرا تسويوشي، إلى مطار اللد الإسرائيلي ، وهناك أخرجوا أسلحتهم الرشاشة، التي كانت معبأة داخل حقائب السفر، وشرعوا في فتح النار على الإسرائيليين، بهدف أيقاظ الضمير العالمي، الذي لم يأبه لموت الآلاف من الفلسطينيين. وهنا لا بد من التأكيد أننا لا نؤيد العنف ضد المدنيين المسالمين ، يهوداً كانوا أم عرباً أم غيرهم ، ولكننا أوردنا هذا المثال ، كتعبير عن الانحياز للحق ، بصرف النظر عن الوسيلة الموصلة إليه، التي ينبغي ، على أية حال، أن تكون إنسانية وعقلانية وتتسق مع حقوق الإنسان في المحصلة النهائية.
وهناك المحامية التقدمية اليهودية فيليتسيا لانغر ، التي عارضتْ دولة الاحتلال الإسرائيلي ، وانحازت لضميرها الإنساني، و دافعت عن عشرات آلاف من الأسرى الفلسطينيين، في سجون الاحتلال الصهيوني، ومارستْ قناعاتها الإنسانية دون تحيز لدينها، أو عرقها ، وهاجرت بشكل معاكس ، جراء الاضطهاد والتنكيل من قبل دولة الكيان الصهيوني، و قفلت راجعة إلى الدولة التي هاجرت منها، وهي ألمانيا ، ولكنها عادتْ في الآونة الأخيرة إلى فلسطين المحتلة ، ليس بهدف الإقامة فيها ، ولكن لكي تعبر عن تضامنها مع الأسرى الفلسطينيين، وتتضامن ‘ على وجه التحديد، مع النائبة في المجلس التشريعي الفلسطيني، المناضلة خالدة جرار عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وهناك المناضل كارلوس الثعلب ، حسب وصف أجهزة الاستخبارات الغربية ، الذي دفعه ضميره الإنساني لأن يتخلى عن حياة الدعة والراحة، في أسرته الفنزويلية الثرية ، وينضم ، مدفوعاً بتعاطفه الإنساني العميق ، إلى الجبهة الشعبة لتحرير فلسطين. وخلال نشاطه في صفوف الجبهة اضطلع كارلوس بمهمات قتالية عديدة. وقد تم اكتشافه في السودان، من قبل الشرطة الفرنسية السرية ، وتم القبض عليه عام 1994 ، بالتعاون مع الحكومة السودانية، "الإسلامية" ، التي انحازت للسياسة على حساب الضمير الإنساني، وحكم عليه بالسجن المؤبد في فرنسا عام 1997.
ويمكن الإشارة إلى عشرات الشخصيات الفذة اليهودية وغير اليهودية، التي انحازت إلى ضميرها الإنساني، وساندت القضية الفلسطينية النبيلة، أمثال المفكر اليهودي البارز، نعوم تشومسكي ، وعالم السياسة اليهودي نورمان فنكلشتاين ، والمؤرخ الإسرائيلي البارز إيلان بابي ، و ديزموند توتو ، كبير أساقفة جنوب أفريقيا ، والحائز على جائزة نوبل للسلام ، والمفكر الفرنسي العظيم روجيه غارودي ، الذي أعتنق الإسلام ولكنه رفض الانسياق وراء الأنظمة الملكية العربية الشائنة ، التي تزعم ، بشكل زائف، تمثيلها للإسلام ، وهي في الواقع لا تمت بصلة للإسلام ، وقام بفضح الأساطير الإسرائيلية ، وحُوكم في فرنسا ، وأدين باعتباره معادٍ للسامية ، ولم يهتم الحكام العرب بما كان يعانيه هذا المفكر الفذ، وهو في التسعين من عمره ، من اضطهاد وحشي في فرنسا ، جراء تلك التهمة البغيضة ، وإنما انشغلوا أثناء الأزمة بمسألة ما إذا كان روجيه غارودي " قد خُتن" ، عقب اعتناقه للإسلام ، وأكتمل إسلامه أم لا!
بالمقابل هناك الذين اتخذوا مواقف متعارضة مع المصالح الوطنية والقومية لشعوبهم ، فضلاً عن الضمير الإنساني ، ويمكن هنا أن نضرب مثلاً على ذلك، بالعلاقات الموثقة بين كل من جبهة النصرة و"داعش" والاستخبارات الإسرائيلية ، والاتصالات السرية والعلنية لشخصيات محسوبة على الدول الإسلامية ، منها شخصيات أدبية ، كالكاتب المسرحي المصري علي سالم ، الذي رفض موقف الحركة الوطنية المصرية المناهض للتطبيع ، وأنحاز للتطبيع مع العدو الصهيوني ، لقاء بعض الجوائز المالية ، و هناك شخصيات دبلوماسية وأمنية سعودية رفيعة ، مثل الأمير تركي الفيصل ، والأمير بندر بن سلطان ، واللواء أنور عشقي ، ولقاءاتهم السرية والعلنية مع القيادات الإسرائيلية ، كتسيبي ليفني ، و دوري غولد وغيرهما، بقصد التنسيق مع العدو الصهيوني ضد مصالح الشعب الفلسطيني والأمة العربية.
في واقعنا العربي اليوم ، لا نطلب من النخب أن تنحاز لضميرها ، وتنافح عن الأقليات المضطهدة في الصين و الفيلبين وتايلاد وغيرها ، كما فعل غير المسلمين مع القضية الفلسطينية ، وغيرها من القضايا العربية ، ولكننا نطلب منهم ، ببساطة ، أنْ يكفوا عن التدخل في اليمن العراق وسوريا وليبيا ولبنان ومصر ، وإشعال الحرب الأهلية و الصراعات الداخلية ، ومساندة القوى الخارجية ، التي تسعى لتقويض الكيانات الوطنية والقومية للأمة العربية.
وبالعودة إلى عبارة الشهيد كمال جنبلاط ، الملهمة القائلة: " إذا خُير أحدكم بين حزبه وضميره، فعليه أن يترك حزبه وأن يتبع ضميره؛ لأن الإنسان يمكن أن يعيش بلا حزب، لكنه لا يستطيع أن يحيا بلا ضمير ."
فأننا نجد في العالم العربي ثمة فجوة كبيرة بين الضمير وبين الأحزاب و الواقع السياسي. فالضمير يقضي عدم التحزُب للطوائف والأعراق والأحزاب السياسية ، على حساب وحدة الوطن والشعب، ولكن الكثير من الفعاليات السياسية ، تقف مع طوائفها وأحزابها ، وتتعامل مع القوى الخارجية وبما يحقق أهداف تلك القوى العدوانية ، كما الحال في العراق وسوريا وليبيا واليمن ، ضد وحدة الوطن والشعب.
ففي اليمن ، مثلاً ، فأن الضمير يقضي بوقف الحرب ومواجهة أخطار الأوبئة كالكوليرا، ولكن هناك من يدعو للحرب العبثية بحماس. والضمير يستدعي إدانة العدوان الخارجي ، ولكن هناك من يحرض على استمرارها والتربُح منها، والضمير يستدعي التصالح والتسامح ، و لكن هناك من يثير الفتنة الطائفية والسلالية والجهوية ، والضمير يستدعي الوحدة، ولكن هناك من يدعو للانفصال..
هل نأمل في قادم الأيام أنْ تتبع بعض القوى الحزبية ضمائرها وتدرك الحقيقة البسيطة ، وهي أنَّ مرض الكوليرا، المتفشي في اليمن لا يعرف التعصب الحزبي، أو السلالي، أو الجهوي، وأنه مرض يقتل كل الناس ، بصرف عن مذاهبهم الدينية ، أو انتماءاتهم الجغرافية ، أو أيدلوجياتهم السياسية.؟ هل نأمل أنْ تتبع بعض القوى ضمائرها، وتفك ارتباطها بالمحاور الإقليمية العدوانية التوسعية ، و تدعو للتصالح بين أبناء الشعب وصيانة وحدة الوطن؟
الحرب والكوليرا لن تفضيان سوى إلى الموت. فهل هذا ما نسعى إليه؟ إذِنْ، ليس هناك من مخرج آمن من الأزمة القائمة في اليمن وفي غيرها من البلدان العربية ، إلاَّ بالتوافق بين الضمير الفردي والموقف السياسي الوطني، الذي يستدعي وقف الحرب وخلق مناخ ملائم للتصالح ورأب الصدع ، والعودة إلى المواطن ، وفق آلية ديمقراطية سليمة، قائمة على العقل والعدل، لاختيار من يرتضي به الشعب أنْ يكون حاكماً له ، دون ابتزاز داخلي، أو قسر خارجي!







اخر الافلام

.. أخبار عربية - مجلس الأمن يرفض الإستفتاء على انفصال إقليم كرد


.. أخبار عربية - القوات العراقية تدخل قضاء الشرقاط شمال غرب #ال


.. أخبار حصرية - صواريخ بالستية وغارات جوية روسية تستهدف ريف #إ




.. لماذا تدافع إسرائيل عن استقلال كردستان؟


.. أويحيى يوجه انتقادات -لاذعة- للمعارضة الجزائرية