الحوار المتمدن - موبايل



مهدي السعيد وسرّديته السسيوثقافية - ح1 + ح2

عبد الحسين شعبان

2017 / 8 / 7
الادب والفن


مهدي السعيد وسرّديته السسيوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة - 1-
إني أحدثك لترى
فإن رأيت
فلا حديث
النفري
قلم السياسي مغمّساً بحبر الذاكرة
حين كتب مهدي السعيد "سيرته الذاتية" التي بدأت من أزقة الكرخ القديمة كما يروي وصولاً إلى براغ ولندن ودمشق، لم يكن يدر في خلده، إنه سيدوّن بعفوية شيّقة جوانب مهمّة من تاريخ محلّة الدوريين بشكل خاص، والمحلّة البغدادية بشكل عام، بكل تناقضاتها الإيجابية والسلبية وعناصر القوة والضعف فيها. وذهب أكثر من ذلك في مشواره السردي حين رسم بريشته لوحة بانورامية للمشهد السسيوثقافي لمدن عاش فيها، مستعرضاً في الوقت نفسه علاقات واسعة وعميقة مع رفاق وأصدقاء جمعته معهم حياة كاملة بكل عنفوانها وبكل ما لها وما عليها، بحلوها ومرّها، بما فيها من معاناة وقلق وهموم وآمال وأحلام وانكسارات.
وبعدسة فنان حاول مهدي السعيد أن يصوّر لنا عدداً من اللاعبين على خشبة المسرح وحركاتهم وسكناتهم بعيني مراقب دقيق، وفي أحيان كثيرة كان يقترب من المشاركة أو يكون جزءًا منها، لكنه لا ينسى المراقبة التي سرعان ما يعود إليها وكأنه لا يريد أن يفقد متعة المشاهدة، وحسب صموئيل بيكت "المتعة بالفِرجة"، خصوصاً وإن مسرحنا السياسي ازدحم في العقود الثلاثة الماضية بألوان شتى من اللاعبين، من هواة السيرك إلى محترفي الجمنازتيك مروراً بالسحرة والمشعوذين وقرّاء الكف وفتّاحي الفال وصولاً إلى أصحاب التعاويذ والحروز المتنّوعة، حتى إنك لا تستطيع أن تميّز أحياناً بين الشيء وضدّه، فقد اختلطت الوجوه والصور والمواقف.
وحسبنا أن نردّد قول شاعرنا الجميل مظفّر النواب : "قتلتنا الردّه إن الواحد منّا يحمل في الداخل ضدّه"، خصوصاً حين إفتُقِدَتْ الصدقية التي كانت الرأسمال الإنساني الحقيقي سواء على الصعيد السياسي أو ببعديها الإجتماعي والثقافي، يوم كانت الأخطاء ذاتها صميمية، فالمرء يجتهد، وقد يخطأ وقد يصيب. وحسب قول الإمام الشافعي : "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول مخالفي خطأ يحتمل الصواب" والبشر وفقاً لفولتير "خطّاؤون"، ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة فحيثما يميل تميل معه، لذلك اقتضى أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح.
وحين تنهار المنظومة القيمية الإنسانية والأخلاقية أو تتصدّع أركانها، سواء بفعل عوامل خارجية أو داخلية، فإن صورة المجتمع تتشّوش بفعل الفوضى والعنف والزيف، خصوصاً حين تتداخل القضايا والمصالح. ولو تابعنا البرامج والسياسات والعلاقات الإجتماعية بغض النظر عن المواقع والمواقف، فسنرى الكثير من عناصر الشبه بينها، حتى إن المرء لا يستطيع أن يميّز أحياناً بين ذات الشمال وذات اليمين، لاسيّما حين أخذ بعضهم يستعير لسان الآخر وخطابه، حتى وإن كان متخماً بعكسه وأشبعنا بضدّه على مدى سنوات طوال. هكذا تضبّبت الصورة واختلط المشهد وتداخلت المواقع والأطروحات.
كان مهدي السعيد وهو ابن البيئة الشعبية البغدادية الكرخية يقارب المشهد السياسي برؤية سسيوثقافية، ولم يرغب أن تفلت حادثة كبرى أو صغرى إلّا وحاول أن يمرّ عليها ولو سريعاً، كما توقّف عند بعضها وتعمّق في أخرى، لكن حبكته الدرامية ظلّت تنتقل معه وتتداخل مصادرها بين الإجتماعي والثقافي، وإنْ ظلّ السياسي والحزبي لاحقاً متميّزين في رؤيته على نحو بارز وشديد.
ولكنه بالتدرّج أخذ يتّجه نحو أفق أوسع رحابة، منتقّلاً من العمل الحزبي "الضيّق" إلى العمل السياسي بمعناه "الواسع"، ومن هذا الأخير إلى العمل الإعلامي، خصوصاً باتساع معارفه وعلاقاته العربية بعد أن عمل في السفارة اليمنية في براغ وفيما بعد حين انتقاله إلى لندن، حيث توسّعت دائرة اهتماماته وعلاقاته العراقية، إضافة إلى الوسط الإعلامي العربي. وقد وفّر له ذلك فرصة إجراء مراجعات تاريخية، لاسيّما في سنوات ما بعد الإحتلال، لينتقل إلى التأمل وإعادة قراءة بعض الأحداث ونقدها بروح منفتحة وغير حزبوية.
جيل الستينات : جيل الأسئلة
منذ أن علقَ مهدي السعيد بالسياسة، فتعلّق بأهدابها وركض وراء أحلامها الوردية حتى وإنْ كلفته منافي ومعاناة، لكنه واصل سيره في دروبها الفسيحة والوعرة في الآن، منتقلاً من محطة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية، حاملاً معه ذكريات متنوعة مختزناً أسراراً عديدة.
وكنت قد تعرّفت عليه وعلى أشقائه في العام 1960 وذلك من خلال صديقي العزيز جواد العادلي عن طريق صاحب المكوى "اسماعيل" الذي يرد ذكره في المذكرات، وهو من أقارب العادلي وكانت عائلته صديقة لعائلتنا وسكنوا بجوارنا لفترة من الزمن، وكان شقيق جواد العادلي "حمودي العادلي" وهو عضو في الحزب الشيوعي معتقلاً معنا، وقد تمّ تقديمه للمجلس العرفي العسكري، وحكم عليه لثلاث سنوات قضاها في سجن نقرة السلمان الصحراوي. وبعد إطلاق سراحنا وتسوية أمور فصلنا من المدرسة وقبولي في الجامعة، إلتقيت بهادي ومهدي وفيما بعد سعدي السعيد عدّة مرّات، حتى تعمّقت علاقاتنا خلال أحداث انشقاق الحزب الشيوعي في العام 1967 واستمرت خلال العقود المنصرمة.
ولذلك حين طلب مني مهدي السعيد كتابة مقدمة لسيرته الذاتية، ركنت مشاعر الصداقة جانباً لكي أقرأ ما أعرفه ولا أعرفه عن صديق جمعتني به صداقة زادت على خمسة عقود ونصف من الزمان. ولا أذيع سراً إذا قلت إنني بقدر ما أعرف مهدي السعيد فقد استمتعت بما كتبه وبما لفت الإنتباه إليه وبما حاول إضاءته، فقد عاش الأحداث بكل جوانحه منذ أواخرالخمسينات ومطالع الستينات من خلال معاينة ومعايشة ومشاركة، خصوصاً حين بدأ وعيه الأول يتشّكل مع السنوات الأولى من ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 ليتوقف عند محطتة الراهنة، وهو بعد نحو نصف قرن من التعب والكدّ والإنشغال، يراجع بروح إيجابية مسيرته التي لا تخلو من مرارة وخيبة، بل إنه يراجع مسيرة جيلنا أيضاً، خصوصاً لماعاناه.
وحين أتحدّث عن جيلنا فهو جيل الستينات الذي أفلح الشاعر والروائي فاضل العزّاوي في كتابه "جيل الستينات - الروح الحيّة" في تسليط الضوء على معاناته الفائقة وإرهاصاته الباهرة، سواء على الصعيد السياسي والثقافي أو على الصعيد الإجتماعي لا سيّما التطلّع إلى الحداثة والإنفتاح على المدارس المختلفة في الأدب والفن والعمارة بكل صنوفها وألوانها، خصوصاً بعد هزّة العام 1963 الإرتدادية، التي أحدثت صدمة كبرى في الحركة الفكرية والثقافية والسياسية في العراق. وكان هذا الجيل قد اجترح عذابات لا حدود لها على صعيد الفكر والهوّية والعلاقة بالآخر والتنوّع والتعدّدية، وبالطبع في قضايا الحريات العامة والخاصة، ولاسيّما حرّية التعبير والإعتقاد والتنظيم والحق في المشاركة.
ويختلف جيل الستينات الذي عاش فترة انتقال حادّة وأوضاع تغيير على صعيد عالمي، عن جيل الأربعينات والخمسينات، حيث سادت اليقينيات الآيديولوجية والتقسيمات الإستاتيكية "شبه الثابتة" في تقويم طبيعة الصراع، ناهيك عن الإنخراط فيه، كما إنه يتميّز عن جيل السبعينات والثمانينات الذي بدأ معه صراع من نوع آخر وكان المشهد قد اكتمل، فجيل الستينات هو جيل الأسئلة الكبرى، حيث لم تعد تكفيه الإجابات الجاهزة، واليقينيات السرمدية والحتميات التاريخية، فقد أخذت الأسئلة تتكدّس، وكان الجواب لا يجد سبيلاً للإقناع، وهكذا كانت الإرهاصات تكبر وتغتني بالمعارف والعلوم والتكنولوجيا، الأمر الذي احتاج إلى نوع جديد من الجدل على مستوى الداخل الجوّاني، إضافة إلى الخارج الفوقاني.
لم يتحدث مهدي السعيد عن جيل الستينات بشكل عام، بل اختار "حلقة" محدّدة منه طابعها العام متمرّد وبأشكال متنوّعة وامتازت بنوع من التضامن والتواصل والمودّة، على الرغم من العواصف والمتغيّرات والصراعات (الداخلية والخارجية) التي كانت سائدة فضلاً عن اختلاف المواقع والمواقف والمآلات لاحقاً، وهو ما قد أعود إليه في وقت آخر.
ويذكر مهدي السعيد بالأسماء عدداً من أفراد تلك "الحلقة" اليسارية التي عملت بثقة وظلّت متماسكة في كل الظروف أصابت أم أخطأت.
بصمة مملّحة
جاءت سيرة مهدي السعيد مزيجاً من ذكريات ومذكرات واستعارات ومراجعات وتجارب وخبر منها ماهو ناجح ومنها ماهو فاشل، وبقدر ما حاولت تقديم عرض جاد لتجربة ذاتية وسياسية بامتياز، فإنها في الوقت نفسه حفلت بطرائف وحكايات ومصادفات ممتعة حاول الكاتب تمليح نصّه لكي لا يأتي ثقيلاً، وقد وضعها بأسلوب مبسّط ويكاد يكون عفوياً، ولعلّها تعكس جوانب من شخصيته المرحة رغم جديّتها.
السيرة الذاتية لمهدي السعيد تضمّنت بوحاً في جزء غير قليل منها وكشفاً لواقع سسيوثقافي، حاول أن يعطيه بصمته الخاصة، خصوصأً باستعراض لا يخلو من دهشة الكاتب ذاته الذي اختزن هذا الكمّ الهائل من الصور والمشاهد والأحداث والمفارقات في ذاكرته، وقد يكون مفيداً قراءة هذه المذكرات كحلقة متصلة ومتكاملة، بل ومتراصة على الرغم من المراحل التي وضعها.
نشرت في صحيفة الزمان العراقية ، 1/8/2017

مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة - 2
يتحدّث مهدي السعيد عن محلّة الدوريين الينبوع المتدفق بالجديد، ولا سيّما سوقها الشهير المعروف "سوق عيسى" وكيف كان الناس بعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، متعايشين ومتضامنين، لكن ما حدث من شرخ سياسي أدى لإنقسامهم إلى قسمين، وكانت السياسة قد لعبت بالرؤوس كما يقال، فالقسم الأول وقع تحت تأثير الحزب الشيوعي، في حين وقع القسم الثاني تحت نفوذ القوميين، وخصوصاً من حزب الإستقلال ومن ثم حزب البعث، وكان مثل هذا التصنيف امتداداً لنفوذ الأحزاب قبل الثورة، لكنه اتّخذ طابعاً عدائياً وتناحرياً بعدها، حيث اشتّدت الخصومات والعداوات والبغضاء.
ولم يكتفِ مهدي السعيد "أبو ثبات" كما كنّا نكنّيه أو الرفيق "صائب" أو "أبو أسيل" لاحقاً بتصوير الأجواء السياسية المحتدمة، بل سرد علينا حكايات وقصصاً ممتعة وفي الوقت نفسه لها دلالات ينبغي أن تقرأ في سياقها التاريخي عن الوضع الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والتعليمي والصحي لسكان محلّة الدوريين.
ولم ينس أن يتعرّض للإنتماءات العرقية والتنوّع والتعدّدية التي عرفتها، فهناك العوائل المسيحية و الصابئية (المندائية)، وهناك عرب من غرب العراق من أصول سنّية، مثلما هناك العرب الشيعة، وهؤلاء غالبيتهم من وسط وجنوب العراق إضافة إلى وجود مجموعة من العوائل الكردية، وهو بذلك حاول أن ينقل لنا حالة التعايش والتسامح والتضامن التي كانت الكثير من مناطق ومحلّات بغداد تعيشها بطريقة عفوية وتلقائية ودون أية حساسيات، مثلما كانت محافظات أخرى تعيش ذلك مثل الموصل والبصرة وكركوك وديالى والحلة وغيرها، وهي مناطق توتر وعنف وتطهير عرقي وطائفي، إضافة إلى محافظات إقليم كردستان مثل إربيل والسليمانية ودهوك.
الشقاوات
ينتقل السعيد بعد ذلك ليحدثنا عن صنف إجتماعي آخر، ألا وهو "الشقاوات" وهم صنف يمتاز بقيم ومفاهيم خاصة عن النخوة والشهامة والدفاع عن المظلوم، وفي الوقت نفسه يلتجأ إلى أخذ "الأتاوات" أحياناً واستخدام العنف ومحاولات الإستقواء على الآخرين لفرض الهيمنة عليهم. ويشير إلى أنّ مُثل الشجاعة والتصدي للغرباء والدفاع عن أبناء المحلّة كانت تستهوي الشباب تشبّهاً أحياناً ببعض الشقاوات، ويقول أنه "وفي إحدى مراحل النمو كدتُ أفقد بوصلة التطور الإيجابي وأتحوّل إلى صنف الشباب الذي يمارس الشقاوة"، ولكن تربيته العائلية والمحيط الإجتماعي هو الذي جعله يختار طريق التعليم والسياسة لاحقاً، وإلّا كما يقول كنت : "مقتولاً أو قابعاً في السجون".
والشقاوات التي يتحدث عنهم مهدي السعيد وإنْ كانوا يحترمون المثقفين والأدباء، فهم انقسموا أيضاً بانقسام الشارع السياسي، فمال قسم منهم إلى القوميين والبعثيين، بل أصبح بعضهم من الجهاز الصدامي المعروف باسم "جهاز حنين" الذي أشرف عليه صدام حسين نفسه، ومن أبرز أعضائه كان "جبار كردي" و "ستار كردي"، وكان آخر عمل قاما به هو إطلاق النار على تظاهرة احتفالية شيوعية بمناسبة ثورة أكتوبر (1968) في ساحة السباع ببغداد، حيث استشهد فيها 3 أشخاص وجرح 12 شخصاً، أما القسم الثاني فمال إلى الشيوعيين ومن أبرزهم "خليل أبو الهوب" الذي قُتل في العام 1959 في مقهى بشارع النصر ببغداد، ومساعده فاضل طويرني الذي لجأ إلى ألمانيا الديمقراطية، وفيما بعد إلى براغ وعاد إلى بغداد في أواسط السبعينات.
وتعتبر ظاهرة الشقاوات قديمة وتعود إلى العهد العثماني، ومن أبرز الشقاوات "أحمد قرداش"، واشتهر عدد من الشقاوات في مطلع القرن العشرين مثل "إبن عبد كه" الذي ذاع صيته و"موسى أبو طبرة" و"جواد الأجلّك"، وقد تناول سِيَرِهمْ عالم الإجتماع المبدع علي الوردي، وخلال اندلاع ثورة العشرين، انضم إليها بعض الشقاوات وأبلوا فيها بلاءً حسناً مثل "عبدالمجيد كنّه" وهو عمّ الوزير خليل كنّه، وقد ساهم في مقاومة الإنكليز، إضافة إلى تكليفه بمهمات أخرى.
وحسب حسن العلوي فإن نوري السعيد هو الآخر كان قد اعتمد على الشقاوات في الإنتخابات وفي إيذاء الشيوعيين المناهضين للنظام الملكي، وكانت مكافأة لهم السماح بالإستيلاء على أحد الكراجات والإستحواذ على مردودها. وإذا كان النظام البعثي قد استفاد من الشقاوات فإنه قام بتصفيتهم لاحقاً، ولم يسمح بنمو ظاهرة العنف خارج نطاق الدولة التي تعزّز توجهها الشمولي الكلّاني منذ اليوم الأول.
طرائف ومفارقات
يستذكر السعيد بشغف مرور سيارة الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله خلال ذهابهما أسبوعياً وفي يوم الجمعة إلى المقبرة الملكية، وكيف كان يصطف الجميع على جانبي الطريق ليقوم الملك الشاب بالتلويح لهم. جدير بالذكر إن الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله قتلا يوم 14 تموز /يوليو/ العام 1958 وتمّ التمثيل بجثة الأخير وسحله في الشوارع فيما بعد، وكانت جثته قد تمّ تعليقها لتتدلّى من سطح أحد فنادق الكرخ، حيث اجتمع الناس ليشاهدوها وترتفع حماستهم لرميها بالأحذية. وكان مهدي السعيد قد شاهد هذا الحادث، مثلما شاهده كاتب السطور وسبق أن كتب عنه لما تركه من تأثير سلبي عليه.
ويستحضرمهدي السعيد حادثة طريفة، وهي كيف إن الجاموس القادم من "جسر الخرّ" والعائد إلى معدان محلّة الذهب، الواقعة على مشارف شارع الشيخ معروف، كان قد عطّل الموكب الملكي، وأحدث نوعاً من الارتباك والخوف، خصوصاً في ظلّ الأوضاع السياسية غير المستقرّة، ولم تفلح سيارات المرافقين وهي تهدر "بالهورنات" (الزمّورات) العالية لانفراج الموقف، حيث كان الجاموس على ما يبدو "يتبختر" بتمهّل وهو يمرّ من أمام سيارة الملك الشاب.
وفي موقف آخر عطّل "مهدي خبالو" مرور سيارة الملك فيصل الثاني، حين حاول قطع خط سير الموكب الملكي دون أن يلتفت لأحد، وكان قد واصل عبوره للشارع ببطيء شديد مع ابتسامة عريضة، واضّطرت حينها سيارة الملك إلى التّوقف ريثما اجتاز "مهدي خبالو" الشارع باتجاه الرصيف، ولم يكن مثل هذا المشهد يمرّ دون ارتباك واستنفار من جانب الشرطة تحسّباً لما قد يحدث.
ثم يعود ليخبرنا من هو "مهدي خبالو"؟ فيقول إنه : معلم وصاحب معشر ومزاج طيب وعلاقات اجتماعية حسنة، ولكن بعض تصرّفاته الغريبة جعلت بعض أصدقائه يتمازحون معه فيلقبونه باسم "مهدي خبالو"، علماً بأن توجّهه السياسي كان قريباً من القوميين العرب، وهو صديق لكاظم شقيق مهدي السعيد الذي كان طالباً متفوقاً في الإعدادية المركزية التي كان لها شأن كبير في الخمسينات، خصوصاً وكانت تحظى باهتمام المسؤولين وكان من منتسبيها أبناء الطبقات العليا والمتوسطة، إضافة إلى المتفوقين في الدراسة، ولعبت دوراً سياسياً معارضاً للنظام الملكي، خصوصاً في انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر وضد العدوان الثلاثي الأنكلو - فرنسي الإسرائيلي.
ويتحدّث عن بعض المحلات الشعبية القريبة من محلّة الدوريين مثل محلّة الذهب التي كانت تضمّ بعض بيوت الدعارة، ولا ينسى أن يروي لنا تفاصيل المجزرة التي تعرضّ لها المومسات في إحدى الصباحات حين فاق الناس ليشاهدوا كيف تمّ ذبحهن، وقد قام هو بفضوله ودهشته الطفولية بمشاهدة سبع جثث مقطوعة الرؤوس ملقاة على الأرض وبقع الدماء تحيط بها من كل جانب، حيث هرع مع أطفال المحلّة بعد ذيوع الخبر.
وفي غمرة ذلك يحدثنا السعيد عن الفرق الرياضية الشعبية وكيف لمع نجم اللاعب الشهير "ناصر جيكو" في الخمسينات ومحمد راضي في الستينات وغيرهم.
وفي المذكرات يتناول مظهراً آخر يلتجأ إليه بعض العاطلين عن العمل، والهدف الحصول على ربح سريع ودون بذل جهد، ألّا وهو لعبة "السي ورق" المشهورة التي يستدرج إليها السذّج والمغفلين.
وبعد ذلك يصوّر لنا ساحة المتحف التي تعجّ بالمسافرين والمارّة، وهناك ألعاب السحرة والقردة ومربي الأفاعي والعقارب، والحلاقين الذين يفترشون الرصيف، وكانت أخته الكبرى شريفة تصطحبه معها باستمرار لحلاقة شعر رأسه في الساحة وعلى الطريقة الشعبية.
ويستذكر مهدي السعيد بعض المشاهد التي ستبقى عالقة في ذاكرته، منها : منطقة اسمها "جولة أم عليوي"، وهي كما يقول كانت مسرحاً لطفولته، وفيها عدداً من بيوت الأغنياء بينهم "أمين خاكي" أحد أبرز القادة العسكريين، وهو عراقي من أصول تركية، وهكذا كانت تتجاور الأصول الاجتماعية في المحلّات البغدادية. وتضمّ المحلّة أيضاً الكتاتيب ومن أشهر الملّايات "الملّه قادرية" التي تعلّم على يدها مبادىء القراءة وحفظ بعض صور من القرآن قبل ذهابه إلى المدرسة.
وبالقرب من المنطقة كانت دار الإذاعة في الصالحية حيث كان مهدي السعيد طفلاً يقتنص النظر إلى بعض المطربين مثل حضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم وعبد الصاحب شرّاد، وبعد العام 1958 يقول كنّا نرى مصطفى جواد وشمران الياسري (أبو كاطع) وغيرهما يترددون على دار الإذاعة. أما عزيز علي المطرب المعروف فقد كان يتحاشى الجلوس في المقهى كما يقول.
شيوعيو محلّة الدوريين
ويمضي مهدي السعيد في سرديته ليتناول عمل الحزب الشيوعي في محلّة الدوريين والمحلات المجاورة، وكيف كان عبدالأمير عباس "أبو شلّال" يستخدم "الدراجة الهوائية" في حركته وتنقلاته. وكان قد أصبح في وقت لاحق عضواً مرشحاً للجنة المركزية، وحين انفرط عقد الجبهة بقي أبو شلّال في العراق وعاش في ظروف بالغة القسوة.
وقد حدثني سعد البزّاز حين انتقل إلى لندن وأصدر بعد حين "جريدة الزمان"، أن كتاباً جاءه من رئاسة الجمهورية يطلب منه الاتصال بعدد من الشخصيات والطلب منها الإدلاء بتصريح ضد "العدوان الثلاثيني" العام 1991، أي بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990 وانسحابها إثر حرب قوات التحالف ضدّ العراق، التي بدأت 17 كانون الثاني (يناير) العام 1991 وانتهت في 26 شباط (فبراير) من العام ذاته.
وحسبما نقل لي البزّاز فقد أرسل أحد الصحفيين ومعه مصوّر (وكان البزّاز حينها رئيساً لتحرير صحيفة الجمهورية) واستدلّ الصحافي والمصوّر على البيت، لأن عنوانه كان قد جاء من ديوان الرئاسة، ووصلوا إليه وفوجئوا برجل مهاب وكبير السن ويبدو على مظهره أنه خارج دائرة السياسيين المعروفين، وحين طلبوا منه الإدلاء بتصريح، اعتذر معلّلاً ذلك بأنه لا يفقه بمثل هذه الأمور، وعليهم أخذ آراء الخبراء والمختصين وأساتذة الجامعة في حين إنه صاحب دكان صغير يبيع فيه بعض احتياجات العمل اليومي المنزلي. فواجهوه بأنه سياسي وقيادي في الحزب الشيوعي، فقال لهم "كان زمان" وإنه نسي كل شيء.
وهكذا تملّص أبو شلّال الذي لفّ رأسه باليشماغ من الظهور أمام الشاشة أو عدسة المصوّر كي لا يفسّر الأمر بأنه تنازل أو ما شابه ذلك مع إنه قال لهم أثناء الحديث إن الناس جميعاً ضدّ العدوان الثلاثيني. وهنا بدأت حيرة البزّاز، فماذا سيكتب للرئاسة ؟ هل سيقول إنه رفض. أو امتنع أو اعتذر ؟ والتفسيرات والتأويلات ستكون غير مقبولة وستجلب معها مشكلات للرجل، وببراعته كتب ما معناه : إن الرجل بلغ من العمر عتيّا، وهو منشغل بقوته اليومي، فضلاً عن ذلك، فهو بسيط ولا يمكنه التعبير، كما أن وضعه الصحي بائساً. وبذلك كان أبو شلّال بمنأى عن استجواب أو إعادة استذكار أو تبعات أخرى.
كما يحدثنا مهدي السعيد عن فتح محل لكيّ الملابس، ويبدو إن المحل كان محطة حزبية استخدمها حسن عوينه القيادي في الحزب الشيوعي وعضو لجنة الارتباط، وقد قتل تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 في قصر النهاية، وأذيع خبر استشهاده مع سلام عادل ومحمد حسين أبو العيس يوم 7 آذار (فبراير) 1963.







اخر الافلام

.. اللغة الانجليزيه 2 ث uonit 1 الدرس الاول


.. راقصة البالية نورهان خطاب تبهر حضور العرض الخاص لفيلم «فستان


.. تفاعلكم: التحرش بالفنانات يهز عرش ملك هوليوود




.. ست الحسن - افتتاح معرض الفنان عبدالسلام عيد بجاليري ضي


.. هذا الصباح- معرض خاص بالأديب السوداني الراحل الطيب صالح