الحوار المتمدن - موبايل



هل لعب الفكر الديني دورا في التحولات الوجودية في عالم الإنسان

عباس علي العلي

2017 / 8 / 8
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لعل القضية الأساسية التي تكمن في إرادة الله من قضية الدين هي البحث عن السعادة البشرية التي يصورها الدين في أطار ما يسمى بالمستقلات العقلية في الوجود، لكن بعد إعادة ترتيب بنائها وترتيب أولوياتها وفقا للعلم الرباني فيها، هذا هو مختصر الخطاب الرباني وجوهر الفكرة الدينية، فحتى ما يفرضه الله من أحكام وصورة من الألزام والنهي لا تتعدى هذه الهدفية ولا تعتدي على الواقع إذا كان مسايرا لما هو طبيعي مماهي لنظرية العقل السليم بمعناه العقل الذي لا يقبل بالتحريف والتزييف والخداع.
لذا خاطب الله تعالى نبيه الكريم بهذا النص الذي سيبقى دوما نصا مرشدا ودلاليا في تفسير علاقة الدين بالإنسان(وما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)، البعض يتصور أن محمول هذا النص ليس عاما ولا مبدأ كامل حتى يكون دلاليا، وإنما هو من جملة المبادئ التشجيعية التي وردت في الكتاب لغرض تشجيع الرسول في المضي في رسالته والتخفيف من أحزانه جراء الهجر والتحدي الذي لقيه من خصومه والعناد والتمرد الذي لحقه من بعض أنصاره، هذه النظرة القاصرة لا يمكن تبنيهابهذه السهولة خاصة مع متابعة سياق الآية والسورة قصديا.
الدين أداة تغيير معرفية ومنهج من العقليات التي تخاطب الإنسان على أنه كائن قادر بالقوة للأمتثال للفضائل الكونية والخير بمعزل عن الروافد المؤسسة، فهو كائن أجتماعي معرفي متعقل ينظر لمجمل وجوده وعلاقاته بالذات ومع الأخر من منظار واقعي، وصحيح أن الإنسان ليس بالضرورة أن يكون مثاليا بالغالب ولكن الحس المثالي المتمثل بالجانب الروحي يبقى عنصرا أساسيا في تعامله اليومي والتفصيلي مع الحياة، لذا فالدين يحرض الإنسان على تبني الخيارات الأخلاقية والمثالية جنبا إلى جنب مع الجانب المادي فيه وبذات الطريقة التي يتعامل بها مع العنصر الأخير.
من جانب أخر ومن خلال النظر التأريخي لدور الدين في الحياة العامة للإنسان، نرى أنه ساهم وبشكل أخر في تبلور جوانب مهمة من التحولات الكونية التي قادته لأن يكون كما هو اليوم كائن عابر حتى للعقل، بدخوله بما يسمى (بعالم ما بعد العلم والمعرفة)،عالم ما بعد العلم وتحريره من الوهم والخرافة، فأنتج بمسيرته عشرات المدارس الفلسفية والفكرية وقاد نفسه بنفسه إلى مرحلة عبور الذات إلى محاولته الدؤوبة لأختراق مادية الوجود والتعمق في إدراك الكثير من التفصيلات التي لا يتصور البعض قبل قرون وعقود من الزمن أنها ستكون من ضمن الإرث العلمي والمعرفي له.
هذا التحول الجوهري هو واحد من نتائج حضور الدين وخاصة دعوته للقرأءة وطلب العلم والتفكر والتدبير فيما حوله، لا يمكن لعاقل مثلا أن يتصور لمجرد التصور أن المعرفة الدينية والخوض في تفاصيلها هي فقط إرضاء لإرادة الرب وخضوع لتعاليمه الخاصة بالعبادة فقط، هذا ظلم حقيقي عندما ننكر دور أي معرفة في حياة الإنسان وخاصة إذا كانت تعتمد في تبنيها على تحريك العقل وزجه في معنرك الوجود من أجل الخير بمعناه العام.
لو نظرنا جزئيا إلى حالات المجتمع الديني في كل التجارب التي تدخل فيها الدين وأجرينا مقارنة علمية بمنهج محايد ومتجرد مع النتائج التي أحدثها وساهم في صيرورتها، نشهد أن الإنسان كان الهدف الأساس للتغيرات والتحولات، كما أنه كان أيضا الوسيلة والأداة التي أحدثت وجسدت التغيرات والتحولات، وبذلك ساهم الدين من جانبه أن يستعيد الإنسان وعيه وأن يمارس هذا الوعي واقعيا دون أن يكون لهذا الدين مصلحة خارج الهدف هذا، لذا يمكننا القول دوما أن الدين والرسل من ضمن المسخرات له في طريقه نحو الكمالات البشرية.
أما القصور والتقصير في متابعة هذه التحولات والأستمرار بها على ذات النسق والمنهاج فهي دوما تعود لعجز الإنسان وتكاسله وفتور الإرادة في المواصلة، وهذه الأمور مع كون الإنسان ذاته كائن جدلي لا يستقر دوما على منهج ولا يخضع في كل مرة إلى الأستجابة له جعله يبتعد شيئا فشيئا عن القوة المحركة تأريخيا، أما لأنشغاله بالصراعات البينية التي تنتج من طبيعة علاقة الإنسان مع الأخر أو نتيجة تراكم الوعي الجمعي في أتجاهات مغايرة لروح الرسالات، وهكذا نشأ التراجع والتغيير والتحريف بناء على قوة الفاعل المستفيد من المصالح الخاصة والفئوية أما للسلطة بمعناها الكلي، أو نتيجة تطور المعرفة وأختلاطها بالمسميات المقارنة أو المقاربة للفكر الديني نتيجة المنافسة أو تجاوز حدود اليقين.
كانت قضايا الملكية والعبودية البشرية ونظام التعاملات المالية ونظام الأسرة وحقوق المرأة وعلاقة الإنسان مجملة مع الأخر المماثل والمنافس أو الضد، ومسائل الحث على التعلم وأكتساب المعرفة وبسط العدل كمفهومن مفاهيم المستقلات العقلية الطبيعية التي عرفها الإنسان سابقا من ضمن المنظومة الأخلاقية الأجتماعية، وتباين النظرة حول كل ذلك وأختلاف التجارب فيها من ضمن أساسيات التحول وأهداف التغيير الذي لعبه الدين في كيفية التعامل معها مركز فيها على الجانب التعليمي والتطوري تحت عنوان المصلحة الشمولية للمجتمع.
فلا الدين تدخل مثلا فيها لمصلحة الديان ولا ورد مفهوم واحد يؤكد الحاجة الفعلية لذلك، لكن المؤكد أنه جاء لرفع الشقاء عن الإنسان وتوكيد حقيقة أن الإنسان لا بد أن يعيش في حد أدنى من النظام والمعرفة المؤسسة التي لا تخترق برغبات فردية متمردة أو مراعاة لمصلحة خاصة قد لا تتوافق مع مفهوم الحرية الطبيعية له كون الكائن الإنساني في ذاته يبلغ ويسعى للصلاح والإصلاح صيانة لوجوده المحدود فرديا أو جماعيا{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}هود88.
الإنسان من حيث هو طاقة محدودة بدنيا أيضا هو كائن بلا حدود من الناحية العقلية لأنه يملك القدرة على تطويع المادة وتحويلها إلى طاقة، هذه الخصيصة هي التي جعلت منه كيانا مزدوجا يشعر بتناقض المنط التكويني له ولكنه لا يفهمه من جهة أخرى، الدين جاء في أحد جوانبه لتفسير هذه الإشكالية وحلها وفقا لحقيقة كل من المادة والعقل، المادة التي تكتنز بداخلها أسباب القوة وتجعلها ممكنة وواقعية بتفعيل النظام العقلي وخطاب الدين خطاب لهذا المكمن الخطير وتحريكا له في محاولة أستكشاف الوجود الحولي.
الذين ينظرون بتطرف للجانب المشرق من الأنجاز الحضاري للدين وتعامله مع مشكلات الإنسان وقضاياه متطرفون بالشعور أنهم أنحازوا لقضية حتمية هي أن الدين حل كامل وبالتالي منحوا كامل القوة والقدرة له، حتى لو أدى ذلك إلى تعليق فاعلية العقل في الإنجاز والعمل، في حين نجد النصف الأخر الذين ينظرون للجانب المظلم من التجربة الدينية ليس من مؤدى الفكرة والنص، ولكن من المحصلة العملية التأريخية التي عبرها بها الإنسان عن فهمه، كونها تجربة تخضع للأجتهاد والتأويل والإسقاط البشري السيكولوجي، يرون أن الدين كان العنصر المخرب والضار في بناء عالم الإنسان الخالي من الحرية وحقه الطبيعي.
هذا التناقض والتضاد في رؤية النتائج ليس بالأمر الهين لمن يريد أن يمارس الدين دوره الطبيعي كرافد من روافد المعرفة البشريه، ويساهم في كينونته الإصلاحية بتغيير خط عمل الدين وإعادة ترتيب أولوياته تجاه الإنسان وفقا للمرادات القصدية التي تتكلم عن الإصلاح وأعمار الوجود بكل ما هو ينتهي في غائية الخير، حقيقي أننا اليوم نواجه فوبيا العودة إلى المثالية الأخلاقية الدينية ونحن نواجه سيل من التهم والحوادث والفكر التخريبي الذي تركته تجربة الفكر الديني على الواقع، ولا ننكر أيضا أن موضوع الدفاع عن هذا التأريخ المشوش والمحرف ليس من العقلانية بشيء ولا يمكن حتى التسليم بأن كل ذلك حدث خارجا عن أثر الدين وجوديا.







اخر الافلام

.. تعرف على مشروع توسعة المسجد الحرام


.. العويوي حارس الأقصى يروي مشاهداته لحريق المسجد


.. أخبار عربية | كيف يؤثر الترويج لحمزة بن لادن على تنظيم #القا




.. إدارة أموال الإخوان بعد 5 سنوات تتحفظ على 1400 قيادي و66 صرا


.. الذكرى الـ 48 لحريق المسجد الأقصى