الحوار المتمدن - موبايل



اشكالية العلاقة بين الحزب الشيوعي والمؤسسة الدينية في العراق (القسم الثاني والاخير)

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 8 / 13
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


اشاع العديد من الشيوعيين – واهمهم الكاتب كاظم حبيب - ان المستهدف الاول بهذه الفتوى هو الزعيم عبد الكريم قاسم , وذلك من اجل الايحاء ان الشيوعيين والزعيم كانوا ضمن توجه فكري وايديولوجي واحد , رغم علمنا بعدم مصداقية هذه الاطروحة وكذبها عقائديا وسياسيا , فالزعيم عبد الكريم قاسم كان اقرب الى التوجهات الليبرالية منه الى المتبنيات الماركسية , وكان متاثرا بصورة كبيرة جدا باراء الحزب الوطني الديمقراطي وزعيمه كامل الجادرجي , بل وهناك من يذكر تاثره باراء الدكتور علي الوردي التحديثية , وان الاصلاحات التي تغنى بها الشيوعيين العراقيين خلال حقبة الثورة (1958-1963) كانت اصلاحات ليبرالية وليست شيوعية , من قبيل اصدار قانون الاصلاح الزراعي الذي كانت الدول الليبرالية هى الرائدة في هذا المجال مثل الحكومة القيصرية في روسيا ونظام الشاه في ايران وغيرها , واما اذا عرفنا ان وزير الزراعة هديب الحاج حمود احد اعضاء الحزب الوطني الديمقراطي صاحب التوجهات الليبرالية كان صاحب القانون وتنظيمه واقراره , لعرفنا مقدار الاستقلالية عن التاثير الشيوعي في اصداره , وكذا الامر مع قانون الاحوال الشخصية الذي صدر عام 1959 , الذي هو من اهم نتائج المطارحات الليبرالية في العالم الغربي الحديث , وان من اهم المنظرين له والمنظمين لفقراته القاضي السيد احمد جمال الدين ابن عم الشاعر مصطفى جمال الدين وليس الوزيرة لطيفة الدليمي – كما اشاعوا - وهو احد مشاريع العهد الملكي شبه الديمقراطي المؤجلة . فيما كان المسار السياسي يشهد قطيعة وتوترا ظاهرا لااحد ينكره , بل وربما حربا باردة بين الزعيم عبد الكريم قاسم والشيوعيين , فقد كانت الاعتقالات والمطاردة والتهميش والفصل من الوظائف تلاحقهم في كل ساعة , واطلقت ايدي المتصرفين وقادة الفرق في التضييق عليهم , بل ان المنظر الماركسي عزيز السيد جاسم ذكر في روايته (الزهر الشقي) وكتابيه (الحرية والثورة الناقصة) و(مسائل مرحلية في النضال العربي) ان تلك الملاحقات ضد الشيوعيين هى اقسى بكثير مما كان خلال العهد الملكي لانها (عملت على ازهاق الحريات بشكل لاسابق له واصبح الواحد يرصد الاخر, وانتشرت الوشايات والادعاءات الباطلة ويتحول السياسي – ولاول مرة – الى مذنب , فاذا كان السياسي في العهد الملكي يتعرض احيانا وبشكل محدد الى اجراءات عقابية من قبل السلطة , فان ذلك تضاعف الاف والاف المرات في العهد القاسمي , السجون بالجملة , الارهاب بالجملة , الاضبارات امتلئت .....) واطلق هذه العبارة المفاجئة في روايتة (الزهر الشقي) (... جاءت الجمهورية فاذا هى اسوء من الملكية) , بل ربما وصل الحال ان البعض ربط الفتوى التي صدرت في شباط 1960 مع اصدار قانون الجمعيات الذي اقر في الثاني من كانون الثاني (اي قبلها بشهرين تقريبا) , ونية عبد الكريم قاسم المبيتة تهميشهم سياسيا وتقليم اظافرهم . فقد رفضت وزارة الداخلية الموافقة على اجازة الحزب الشيوعي العراقي الحقيقي (جماعة اتحاد الشعب) باعذار واهية , واعطيت الاجازة بدلا من ذلك للحزب الشيوعي المزيف (جماعة داوود الصايغ) المقرب من عبد الكريم قاسم , وهذا ان دل على شيىء فانه يدل على ان الفتوى لم تخرج ربما من فراغ , وانما كان هناك تنسيقا سريا بين المرجع الحكيم والزعيم قاسم في تهميش الشيوعيين وملاحقتهم , وبالطبع لايوجد هناك دليل وثائقي او مصدر حقيقي يؤكد هذا الراي .
الا ان السؤال الذي يطرح نفسه ، اذا كانت الماركسية والشيوعية تمثل هذا الاتجاه الالحادي الصريح ، فلماذا لم يصدر مراجع الدين فتاوى ضدهم خلال مرحلة العهد الملكي 1921-1958 ، وتحديدا بعد الحرب العالمية الثانية ، الذي شهدت البلاد خلالها انتشارا كثيفا للشيوعية ، لاسيما بين اوساط الطلبة والشباب منهم ، واعتقد ان السبب في ذلك هو ان رجال الدين كانوا قد وجدوا ان الحزب الشيوعي العراقي كان يطرح نفسه انذاك كمدافع حقيقي عن الاستقلال السياسي ومقاومة النفوذ الاجنبي او (الغربي تحديدا) في العراق , الذي كان يشكل هاجسا متضادا مع القيم الدينية ، والداعي الاول لتحقيق العدالة الاجتماعية والمناداة بحقوق العمال والفلاحين والمساواة بين اطياف المجتمع العراقي وفئاته المتعددة ، وبالتالي فليس من المعقول ان تصدر المؤسسة الدينية فتاوى ضد هذه الفئة التي يعتقد الكثير من الاهالي ان عملها وممارساتها تصب في مصلحة الناس ، وان اطروحاتها تشكل بلسما شافيا للاشكالات المستعصية في البنى السياسية والاقتصادية ، فضلا عن ذلك ان الحزب الشيوعي لم يطرح اراءا استفزازية او الحادية – كما قلنا – خلال مرحلة الحكم الملكي , والتنظيم يعمل انذاك سريا في صف المعارضة للسلطة الحاكمة ، والعراقيون قد عرفوا تاريخيا بتعاطفهم الشديد مع الفئات المعارضة ضد الحكومة . الا ان هذا الحزب وبعد ثورة تموز 1958 , اصبحت له بعض القدرات في الهيمنه النسبيه على مقدرات الدولة او السلطه , فاخذت سهام النقد توجه اليه بعد ان احتسبت سلبيات النظام السياسي الجديد عليه , من قبيل انتشار الفوضى والاضطراب واستحكام الصراع السياسي والحزبي والاستخدام المفرط للعنف الجسدي والرمزي خارج السياقات القانونية ضد الخصوم والمخالفين , واستفزاز الشارع العراقي من خلال بعض الممارسات الغوغائية والشعبوية والعصابية , فضلا عن ذلك ، تزايد مخاوف المؤسسة الدينية من تحول مدينة النجف , التي هي مقر الحوزة الدينية العلمية ، ومركز التقليد الاول للطائفة الشيعية واكبر الجامعات الاسلامية في العالم ، الى معقلا من معاقل الحركة الشيوعية في العراق ، من حيث الانضمام الكثيف والانتشار اللافت للخلايا او التنظيمات الماركسية ، ومنطلقا لترويج المفاهيم العلمانية والعصرية وغيرها . ويرجع سبب تقبل وانتشار الافكار الماركسية عند الانتلجنسيا النجفية الى عوامل عدة اهمها : قوة الاختراق السياسي والتربوي الحكومي للمجتمع النجفي , وعدم قدرة الفئات الدينية القديمة من مواكبة العصر والتحولات الفكرية التي رافقت تاسيس الدولة العراقية عام 1921 ، خاصة بعد ان اخذت التطورات الاجتماعية والسياسية في النصف الاول من القرن العشرين منحا تصاعديا ، تصعب على الفئات التقليدية مواكبته او اللحاق به ، واصبحت بالتالي تخوض معركة خاسرة امام قوى التحديث والتغريب على حد سواء . كما ان طبيعة الحراك الثقافي المتميز للبيئة النجفية من حيث انتشار الكتب والمكتبات (العامة او الخاصة منها) الحديثة والعصرية واستيراد الصحف العربية : كالمقتطف والهلال والعصور الاشتراكية والعرفان من بلاد الشام ومصر ، قد ساهم في بلورة الارضية المناسبة لاستقبال وانتشار الافكار الماركسية بين الاوساط الطلابية والشبابية ، لاسيما رجال الدين منهم , حتى نسب الى القيادي في الحزب الشيوعي اللبناني وطالب الحوزة العلمية سابقا المنظر الماركسي حسين مروة قوله : (تعرفت على الماركسية في النجف) ، الا انه يمكن القول (ان الشباب الدارسين في النجف لم يطوروا فكرا ماركسيا ثوريا ، بل كانوا اكثر ميلا الى نوع من الاشتراكية الراديكالية المعادية للاستعمار والهيمنة البريطانية ، انها نوعا من الاشتراكية الرومانسية) كما قالت (سيليفيا نيق) في دراستها (النجف مركزا للعلمانية الراديكالية , انتشار الفكر اليساري والشيوعي بين طلاب المدارس الدينية في النصف الاول من القرن العشرين) .
بعد انقلاب شباط 1963 اسدل الحزب الشيوعي العراقي الستار عن التطرق للظاهرة الدينية بسبب انشغاله بالملاحقات والمطاردات التي اخذت تقوم بها ميليشيا الحرس القومي ضدهم , وتفرقهم بالاصقاع والمنافي البعيدة او الانزواء والتبرء من الحزب الشيوعي وقياداته . فيما كان الموقف الذي اتخذته المؤسسة الدينية بعد الانقلاب يتميز بالتباين والتناقض الحاد . فقد عمل ال الخالصي في الكاظمية الذين كانوا من اشد المناوئين للحزب الشيوعي على تحريض السلطات الحاكمة والانضمام الى ميليشيا الحرس القومي التابع لتنظيم حزب البعث والمساهمة باعتقال الشيوعيين ومطاردتهم , بل وذكرت بعض المصادر ان الشيخ محمد مهدي الخالصي ابن الشيخ محمد الخالصي اصدر فتوى اكد فيها (ان الشيوعيين مرتدين وحكم المرتد القتل وان تاب) , وبما ان الراوي الوحيد لهذه الفتوى هو الضابط القومي المعروف (عبد الغني الراوي) المساهم الرئيسي في عمليات القتل التي طالت الشيوعيين العراقيين , فانها ستبقى محل شك وتساؤل , بل واشاع الراوي ايضا انه ذهب الى المرجع محسن الحكيم واخذ منه فتوى اعتبار الشيوعيين مرتدين عن الاسلام ووجب قتلهم حتى لو تابوا , الا انه لم يبرز الادلة والوثائق الخاصة بهذا الموضوع , ويبدو ان القصد من ذلك الشياع هو خلط الاوراق , ونقل المعركة للساحة الشيعية الداخلية , واظهار البعثيين والطائفيين بمظهر البرىء المنفذ لواجب الفتوى فقط , لان الاستهداف الاساس لكوادر وقيادات الحزب الشوعي كان يسير على اسس طائفية واثنية بارزة للعيان , وظاهرة بصورة جعلت المرجع محسن الحكيم يتدخل لوقف تلك العمليات الانتقامية والمطالبة بانهائها , بل ان الخالصي نفسه اخذ بالتوسط لاطلاق سراح اثني عشر شيوعيا محكوما بالاعدام لدى صديقه المقرب الرئيس عبد السلام عارف , بعد ان احس انه كان مغفلا ومستدرجا من الحرس القومي / البعثي , وان القضية لاتعدو الا ان تكون لعبة طائفية وان تمظهرت بصراعات علمانية وايديولوجية . وبما ان الانتلجنسيا الشيعية التي سبق ان وصفناها بالمخصية والتي تبلورت بعد انقلاب شباط 1963 تمتلك ذلك الاحساس المتعاظم بالمازوخية والجلد المتطرف للذات , فقد تلقت روايات (عبد الغني الراوي) بالفرح والسرور كقران منزل لايقبل التاويل , وكانها عثرت على كنز لايقدر بثمن , واخذت تعمل على نشر رواياته واكاذيبه باي مناسبة كانت , وفي اي كتاب او مقالة , وكلها تصب في صالح ليس ادانة المؤسسة الدينية الشيعية التقليدية , والمقصرة بالاساس في ميادين اجتماعية وسياسية عديدة , وانما من اجل تبرئة الاب الميت , وعدم مسه بكلمة واحدة , ونقل المعركة من الوسط البعثي القومي الى الساحة الشيعية , وتجد هذا واضحا في مواقع التواصل الاجتماعي في يوم الثامن من شباط والذكرى السنوية للانقلاب البعثي واستشهاد عبد الكريم قاسم , حيث تجد سكوتا مريبا ومحبطا عن ادانة البعثيين او التطرق لجرائمهم ضد الحركة الشيوعية , بل ان اسم البعث حذف بالكامل من النقد والادانة , وانتقلت المعركة بقدرة قادر من الحرس القومي الى مرجعية الحكيم , وقد يكون للقراءة الاسقاطية للتاريخ دورا في ذلك , والسبب هو الصراع الحالي بين الاسلاميين والعلمانيين على السلطة في العراق . ويبدو ان ابرزهم في ذلك الباحث الاسلامي رشيد الخيون الاسدي الذي رغم ان الدكتور مناف جاسب محمد علي الخزاعي صاحب رسالة الماجستير عن (الحزب الشيوعي العراقي 1958-1963 دراسة تاريخية) والكاتب فايز الخفاجي مؤلف كتاب (الحرس القومي اول ميليشيا بعثية في العراق) (وهو رسالة ماجستير بالاصل) سالوه ان كان يملك اي دليل او وثيقة حول مباركة و تاييد فتاوى القتل للشيوعيين بعد انقلاب شباط 1963 من قبل مراجع الدين في النجف ؟ فاجاب بالنفي المطلق بعدم وجود او امتلاك اي وثيقة مختومة او دليل عيني او مادي على ذلك - عدا رواية الضابط القومي والاب المزمن عبد الغني الراوي في وجدان الكاتب رشيد الخيون - الا انه لم يتوقف عن ادراج هذه القصة في جميع كتبه ومقالاته بفرح غريب واصرار مريب , عززها انضمامه الرسمي والعلني للمحور السعودي الوهابي بعد 2003 وامتداحه النظام السياسي التقدمي !! هناك , ومباركته تولية محمد بن سلمان ولاية العهد في المملكة القرو- سطية المنبع الاول للارهاب في العالم فكرا ورجالا وتمويلا .
وقد نفى السيد طالب الرفاعي في اماليه الذي نشره رشيد الخيون نفسه وجود مثل تلك الفتاوي واصدارها من المراجع والعلماء , سواء اكان الحكيم ام الخالصي ام نجم الدين الواعظ (والاخير هو من ابرز علماء السنة) الذين لفق عليهم الضابط القومي عبد الغني الراوي تلك الفتاوي , التي لايبغي من ورائها سوى تصفية اكبر عدد من الشيوعيين – وخاصة الشيعة منهم - اولا , وتبرءت ساحته واجرامه ثانيا . فقد اكد الرفاعي (وما ادهشني اكبر نسبة بعض هذه الفتاوي الى اكبر مجتهدي علماء الشيعة في العالم الاسلامي المنظور اليه بالورع والقداسة الامام السيد محسن الحكيم , وفي اعتقادي ان تلكم الفتاوي سياسية اكثر منها دينية ... ومن هذا المنظور انه لايمكن صدور مانسب الى اولئك الاعلام من فتاوي تبيح قتل اناس ولدوا على فطرة الاسلام ....) واتهم الرفاعي التنظيمات البعثية بنشر تلك الاكاذيب بالقول (ان موقع تلكم الفتاوي ومصدرها الصحيح الارشيف المعني في تلك الاكاذيب ونشرها بين الناس ... الايديولوجيا البعثية السياسية والمؤسساتية .... ولاظهار الحقيقة اقول ان السيد الحكيم من اشد الذين يتورعون في مسالة سفك الدماء ..... فكان يقول كل شىء يسبب اراقة ملىء محجمة دماء لن افتي به , حتى صارت هذه قاعدة مسلمة في نهج الحكيم السياسي) وذكر الرفاعي مثلا حول ذلك تحريم الحكيم لقتال الكورد رغم مطالبة الرئيس عبد السلام عارف في الستينات من القرن الماضي من رجال الدين اصدار فتوى تجيز قتالهم والهجوم على مدنهم وقراهم .
استمرت العلاقة بين الحزب الشيوعي العراقي والمؤسسة الدينية في السنوات المحصورة بين شباط 1963 وتموز 1968 رتيبة او باردة , ولم يشوبها اي تطرف او انحياز او هجوم من احدهما للاخر , وانشغل الحزب الشيوعي بصورة كبيرة جدا بحالة التشرذم والانشقاقات التي حصلت بين قيادته وتنظيماته عام 1967 والتي نتج عنها انشقاق المدعو (عزيز الحاج) وتاسيسه لتنظيم حزبي جديد اطلق عليه تسمية (القيادة المركزية) , واعتبر هذا الانشقاق اخطر واقوى انشقاق في تاريخ الحزب الشيوعي . واستمرت تلك الاوضاع على ماهو عليه حتى الانقلاب البعثي الثاني في تموز 1968 , حيث اخذ الشيوعيون يتملقون للسلطة الجديدة , ويخطبون ودها بعد نصائح وتعليمات وفدت اليهم من القيادة الشيوعية السوفيتية , رغم مرور خمس سنوات فقط على مذابح الحرس القومي عام 1963 ضد قيادات الحزب وكوادره , وكان اول مظاهر التاييد والتنسيق هو الموقف من الدعوى الكيدية التي روجت لها السلطة البعثية الحاكمة ضد السيد مهدي الحكيم ابن المرجع الاعلى محسن الحكيم بالتامر ضد الدولة والتجسس لصالح احدى الحكومات الاجنبية , فقد اعلن تقرير الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الصادر عام 1969 تاييده لما قامت به الحكومة البعثية في (كشفها لشبكات التجسس الامريكية واقطابها ومنهم رشيد مصلح ومدحت الحاج سري وسيد مهدي سيد محسن الحكيم احد اقطاب الرجعية في العراق) وهذا يعني ان الشيوعيين ايدوا حملات الاعدام العلنية التي قام بها البعثيون في ساحة التحرير عام 1969 ضد الابرياء , من اجل ارهاب الناس واخافتهم وتكريس سلطتهم من خلال القمع والرعب والاستبداد , رغم انها قد اثارت اشمئزاز حتى القادة العرب , واهمهم جمال عبد الناصر الذي اعتبرها مسرحيات كاذبة وطالب بوقفها فورا , والا فانه سيتدخل ويعلن كذبها امام العالم .
وفي عام 1973 نشرت صحيفة (طريق الشعب) الشيوعية التي تصدر في بغداد مقالا حرضت السلطة البعثية فيه على ملاحقة الاسلاميين الشيعة بالعنوان التحريضي الصريح (اوقفوا النشاط الرجعي في جامع التميمي) . علما ان الجامع المذكور يقع في منطقة الكرادة الشرقية في بغداد ومقرا لنشاط الحركة الاسلامية , وتحت ادارة وامامة السيد حسين هادي الصدر . فيما بلغ التملق الشيوعي للبعثيين والتنسيق بالمواقف السياسية ذروته بعد انتفاضة صفر – شباط 1977 عندما اصدر المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي توجيها داخليا الى جميع المنظمات الحزبية واصفا فيها تلك الانتفاضة بانها (استغلال المشاعر الدينية والطائفية ومحاولة اثارة الجماهير للقيام باعمال استفزازية ..... بمناسبة اربعينية الامام الحسين ....... وان هذا النشاط الديني الطائفي المعادي للسلطة الوطنية ماهو الا ستار لمؤامرة رجعية امبريالية تستهدف المسيرة الثورية لبلادنا ومكتسبات شعبنا وكل انجازات ثورة 17 – 30 تموز التقدمية .... ان حزبنا الشيوعي العراقي يقف بحزم الى جانب السلطة الوطنية وحزب البعث العربي الاشتراكي الحليف !!) . وبعد قمع هذه الانتفاضة واعدام قادتها واعتقال اخرين منهم , اصدر الحزب الشيوعي بيانا في شباط 1977 اكد فيه دعمه للاجراءات الحكومية المتبعة بهذا الخصوص , على اعتبار (ان اتخاذ اجراءات الحزم ضد النشاط التامري حق من حقوق الثورة ومبدا يحدد واجبات القوى الثورية في صيانة منجزاتها) , ورغم تلك البيانات والمقالات الداعمة للبعثيين التي اصدرها الحزب السيوعي العراقي في سياق التحالف السياسي لما اطلق عليها (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية) التي تشكلت عام 1973 الا ان البعثين كانوا في تلك الفترة مستمرين في عملهم اليومي باعتقال الشيوعيين واذلالهم ومراقبتهم , بل وحتى اعدامهم بحجج واهية , ولم يمضي عام 1979 الا واصبحت الجبهة الوطنية في خبر كان , واضحت ملاحقة الشوعيين وانصارهم قائمة على قدم وساق , واخذ القادة الكبار والكوادر المتقدمة في الحزب بالهروب الى خارج البلاد - كعادتهم - وتركوا قواعدهم تلاقي المصير المحتوم لوحدها , وتحول البعثيون من اصدقاء في مواجهة المؤسسة الدينية الاسلامية الى اعداء , تجلى هذا بوضوح بعد اعدام السيد محمد باقر الصدر وشقيقته السيدة امنه الصدر بنت الهدى في نيسان 1980 , فقد اصدر الحزب الشيوعي بيانا في اب 1980 ندد فيه باعدام الصدر واخته بالقول (ايها الناس الطيبون في العالم ... اقدمت الزمرة الديكتاتورية المسلطة على رقاب شعبنا بقوة الحديد والنار قبل ايام على ارتكاب جريمة بشعة جديدة بقتلها سماحة السيد محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى بعد اعتقال دام بضعة ايام , وقد هزت هذه الجريمة الفظيعة ضمائر كل الخيرين الذين تعزعليهم قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان(كذا)) كما ندد الحزب في البيان نفسه اصدار السلطة البعثية الحاكمة لقانون اعدام كل شخص ينتمي لحزب الدعوة الاسلامية بالقول (ولتبرير اعمالها ضد معارضيها في الحركة الدينية المعادية للديكتاتورية اصدرت الطغمة الحاكمة في 31/3/1980 قانونا يقضي باعدام كل من يعمل في حزب الدعوة الاسلامية او يتعاطف معه , وهو قانون عقابي باثر رجعي خلافا لكل القيم والاعراف القانونية والانسانية) .
بعد تولي صدام حسين السلطة الرسمية في تموز 1979 , وتحول البلد للنظام الديكتاتوري الشمولي العائلي , واصبح كلا من الحزب الشيوعي العراقي والمؤسسة الدينية خارج اللعبة السياسية , وعززت الحرب العراقية الايرانية تلك السلطة البعثية من خلال الاجراءات العرفية وتبعات الحرب الامنية والعسكرية , وانتقلت قيادات الحزب الشيوعي الرسمية للعمل خارج العراق , وشكلت تنظيمات وخلايا مسلحة عرفت بالانصار , اخذت تحارب النظام في شمال العراق من خلال الدعم اللوجستي والتنسيق مع الفصائل الكوردية من جانب والحكومة الايرانية من جانب اخر , كما حصلت تنسيقات اخرى مع الفصائل الاسلامية المسلحة التي اتخذت من ايران مقرا لها واهمها المجلس الاعلى وقوات بدر , واستمرت الاوضاع على ماهو عليه دون تغيير جذري بالعلاقة . وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 تراجع الاهتمام الشيوعية واحزابها وقياداتها في العالم اجمع , واصبح هاجس الحكومات الرئيس هو الاسلام السياسي الحركات الاصولية والرادكالية الثورية منها والارهابية , واصبح التيار الشيوعي لايشكل مصدر قلق او خطر محدق او توتر للمؤسسة الدينية , بسب انشغالها بالاستبداد والديكتاتورية البعثية . واستمرت الاوضاع على ماهو عليه حتى سقوط النظام البعثي الحاكم عام 2003 وتصدي الاسلام السياسي (الشيعي والسني) للمسوؤلية والحكم في البلاد , وعودة كوادرالحزب الشيوعي العراقي من المنافي , والمساهمة الجادة والفاعلة بالعملية السياسية والديمقراطية من خلال انتخابات مجلس النواب , الا ان تلك المشاركة لم تفرز نتائج يعتد بها , لان المزاج السياسي والايديولوجي العام للمجتمع العراقي قد تحول نحو المتبنيات الدينية الاسلامية , واصبح الحزب الشيوعي لايشكل مصدر ازعاج او تهديد للنسق الاسلامي الحاكم , ومن ورائه المؤسسة الدينية في النجف , رغم انه في الاخير اخذ يرفع الشعارات الليبرالية والعلمانية والديمقراطية , واصبح اكثر نضجا وبرغماتية في موضوعة الدين والعادات الاجتماعية والتعامل مع القيادات الاسلامية , فعمل جاهدا على تغيير اسمه وعنوانه الى التيار المدني من جانب , او التحالف مع التوجهات الاسلامية الرايكالية الاخرى من جانب اخر (التيار الصدري انموذجا) , وكل ذلك في سبيل اعادة انتاج نفسه من جديد , وبعث تلك الروحية الثورية التي اصابها التكلس والضمور , حتى لو كان من خلال تغيير الشعار الشيوعي الشهير (ياعمال العالم اتحدوا) الى (ياعمال العالم صلوا على محمد وال محمد) !!.







اخر الافلام

.. أخبار خاصة | فتاة #سورية مرشحة لنيل جائزة دولية بفضل جهودها


.. الأمن المصري يواصل مطاردة خلية الواحات الإرهابية.. ومجموعة أ


.. الوطن اليوم | انخفاض حوادث المرور في جدة 24% ووفياتها 33%




.. بنادق ورشاشات إماراتية الصنع بمعرض البحرين العسكري


.. ترويج بلا حدود- هاينز غارتنر