الحوار المتمدن - موبايل



الحذف والكتب المقدسة ( الجزء الأول )

سرمد أبي وداد

2017 / 8 / 13
الادب والفن



الحذف ظاهرة لُغوية عامَّة ومشتركة بين جميع اللغات الإنسانيَّة؛ حيث يميل الناطقون بها إلى حذْف بعض العناصر بُغية الاختصار، أو حذف ما قد يُمكن للسامع فَهْمه اعتمادًا على القرائن المصاحبة: حاليَّة كانت أم عقليَّة، كما أنَّ الحذف قد يَعتري بعض عناصر الكلمة الواحدة، فيُسقط منها عنصرًا أو أكثر ؛
هذا ما يجعل هذا الموضوع يكتسي هذه الأهميَّة الكبرى من لَدن الدارسين النحويين والبلاغيين وغيرهم، ولكن مع ذلك فلم تُخَصَّص له بحوث مستقلة، وإنما ذُكِر في كتبهم بشكلٍ عام في فصول لا تَفي بالغرَض المطلوب؛
وبالرغم من وجود بعض هذه الدراسات، فإنها ركَّزت على الجانب النحوي، وأغْفَلت الجوانب الأخرى، أو لَم تَنَلْ حقَّها الذي تستحقه، ومن أجْل ذلك فقد ارْتَأَيْت أن أُشارك في هذا الموضوع الذي سأحاول فيه أنْ أمزجَ بين التنظير والتطبيق؛ حيث سأقوم بعرْض التعاريف ( بإيجاز ) ثم بالتدليل عليها بأمثلة تُفهِمُ المعنى وتُوصِل إلى المطلوب، مع التركيز على الدراسة - نحوية وبلاغيَّة - في ارتباطها بالقرآن، بالإضافة إلى التعريف ببعض الأسرار والأغراض من هذه الظاهرة، وكذا محاولة إدراك بعض مظاهر الحذف، وبعض مواضعه في القرآن الكريم.

تعريف الحذف:
تعريف الحذف من الناحية اللغوية والاصطلاحيَّة:
جاء في لسان العرب مادة "حذَف" ما يلي:
حذَفَ الشيء يحذفُه حَذْفًا: قطَعه من طرَفه، والحُذافة: ما حُذِف من شيء فَطُرِح، وجاء فيه أيضًا ما يُفيد قَطْفَ الشيء من الطرَف، كما يُحْذَف طَرَف ذَنَب الشَّاة، والحذف: الرَّمْي عن جانبٍ، والضَّرْب عن جانبٍ .
والحُذَافَةُ: ما حُذِفَ من شيء فطُرِح، وأُذُنٌ حَذْفاء كأنها حُذِفَتْ؛ أي: قُطِعت، والحِذْفَةُ: القطعة من الثوب، وقد احْتَذَفه، وحذَفَ رأْسه حَذْفًا: ضرَبه، فقَطَع منه قطعة.
ويتَّضح من خلال هذه المُعطيات القاموسيَّة والمعجميَّة أنَّ المعنى الذي تُشير إليه كلمة "حذف" غالبًا، لا يُخرج عن ثلاثة معان أساسيَّة، وهي:
القَطْعُ؛ إذ نقول كما جاء في لسان العرب: حذَف الشيء يَحذفه؛ أي: قطَعه من طرَفه.
القَطْفُ، وهو أيضًا بمعنى القطع؛ كما ذَكَر صاحب اللسان: "قطَف الشيء يَقطفه؛ أي: قطَعه.
الطَّرْح؛ إذ إنه لا يُحذَف شيء إلاَّ طُرِح، والطَّرْح كذلك الإسقاط.
إذًا فالحذف في اللغة يُحيل على القطْع والقطف والإسقاط، كما أنَّ المحذوف من الشيء هو المقطوع منه والساقط.
واصطلاحًا: إسقاط وطرْح جزءٍ من الكلام أو الاستغناء عنه؛ لدليل دَلَّ عليه، أو للعِلم به وكونه معروفًا ؛
وهذا التعريف الاصطلاحي لا يختلف عن التعريف اللغوي المشار إليه آنفًا، بل يُضارعه ويَجري في مجراه، والحذف من المباحث المهمَّة التي أشار إليها كلٌّ من النحويين والبلاغيين، واهتمُّوا بها اهتمامًا كبيرًا، وخصَّصوا له أبوابًا كاملة في مؤلَّفاتهم وكُتبهم، وإن اختَلفوا في طريقة التفسير والتحليل، وكذا في الجانب الذي اتَّخذوه مجالاً للدرس والتفسير، فالنحاة مثلاً انطَلقوا من المنطق الإعرابي، متوسِّلين ببعض التأويلات النحوية؛ مثل: "التقدير الإعرابي، والإضمار، والاستتار"؛ لدراسته والبحث فيه، وكان غرَضُهم في ذلك دراسة التركيب والعلاقات النحويَّة، وإيجاد أوْجه التفسير لحركة معيَّنة أو إعراب مُتضَمنٍ في التركيب النحوي لجملةٍ ما، وأمَّا البلاغيون فقد درَسوا الحذف من الناحية الدَّلالية، وحاوَلُوا إثبات مكامن الجمال وصور التفنُّن والإبداع في الكلام، وأوْضَحوا كونه من أسرار .

مصطلح الحذف عند النحويين:
الحذف وما يقع فيه عند النحاة:
تعريف الحذف والمواطن التي يقع فيها:
لقد اهتمَّ النحاة قديمًا بظاهرة "الحذف"، وأحْصَوا مواضعه، وأعطوا الأوْجه المُمكنة فيه، وفسَّروا بعض العِلل الكامنة وراءَه، وتحدَّثوا عنه في مباحث كثيرة - خصوصًا في باب نائب الفاعل - وإنْ عبَّروا عن هذا الحذف بمصطلحات كثيرة، مثل: الاستتار والإضمار، والدليل على ذلك ما ذكَره صاحب "البحر المحيط" أثناء تعليقه على قول ابن عطيَّة أثناء إعرابه لقوله تعالى: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 165]؛ حيث قال: "فقوله: مضاف إلى الفاعل المضمر، لا يعني أنَّ المصدر أُضْمِر فيه الفاعل، وإنما سمَّاه مضمرًا لِمَا قدَّره من "كحبهم..."، أو يَعني بالمضمر المحذوف، وهو موجود في اصطلاح النحويين؛ أعني: أن يسمَّى الحذف إضمارًا"، وذلك لأنَّ اللفظتَيْن كليهما - أقصد الحذف والإضمار - تجتمعان في مادتهما اللغويَّة في معنى الإسقاط، ومن أجْل ذلك فسنتطرَّق لبعض الفروق الموجودة بين هذه المصطلحات الثلاثة: "الحذف، والإضمار، والاستتار".
أمَّا الحذف الذي سبَق تعريفه بأنه: "إسقاط وطرْح جزءٍ من الكلام، أو الاستغناء عنه لدليل دلَّ عليه، أو للعِلم به وكونه معروفًا"، وهذا المعنى ذاته يَستعمله النحاة في أبواب كثيرة من المباحث النحويَّة المهمَّة، ويُعلِّلون ذلك بمجموعة من العِلل التي يَختارونها ويقدِّرونها حسب ما تَقتضيه الضرورة والعِلة النحويَّة، وها هنا ذِكْر لبعض هذه المواضع التي ذكَرها هؤلاء النحاة مع التعليلات التي علَّلوا به هذا الحذف في المواطن التي عدَّدوها:
الحذف في باب المبتدأ والخبر ودليل ذلك ما ذكَره ابن يعيش في "المفصل" عند شرْحه لقول المؤلِّف: "ويجوز حذف أحدهما" - يقصد المبتدأ والخبر - واستخلص منه جواز حذف أحدهما لوجود قرينة حاليَّة أو لفظيَّة، تُغني عن النُّطق بأحدهما، فقال - رحمه الله -: "اعلمْ أنَّ المبتدأ والخبر جملة مفيدة تَحصل الفائدة بمجموعهما، فالمبتدأ معتمد الفائدة، والخبر محلُّ الفائدة، فلا بد منهما، إلاَّ أنه قد توجَد قرينة لفظيَّة أو حاليَّة تغني عن النُّطق بأحدهما، فيحذف لدَلالتها عليه"[5]، ويقصد بذلك أنه يجوز حذْف المبتدأ والخبر كليهما، وإن كانت الفائدة متوقِّفة عليهما، وكانا عمدة في الكلام إذا فُهِم المعنى بدون اللفظ، فيُحذف أحدهما، ويكون مرادًا لفظًا وحكمًا؛ أي: إنَّ إعرابه يبقى على اعتبار حُكمه الأصلي كما لو كان هذا المحذوف؛ سواء أكان مبتدأ، أم خبرًا موجودًا، وقال المكودي معلِّقًا على قول ابن مالك في باب الابتداء:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا
تَقَولُ: زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِندَكُمَا
"يعني أنه يجوز حذْف كلِّ واحدٍ من المبتدأ والخبر إذا عُلِم" وذلك بعد أن ذكَر بعض الأحكام المتعلقة بالمبتدأ والخبر، وقد استدلَّ ابن مالك على حذْف الخبر بقوله: "كما تقول: زيد بعد مَن عندكما"، فزَيْدٌ مبتدأ والخبر محذوف للعِلم به، وتقديره: زيدٌ عندنا، ثم مثَّل لحذْف المبتدأ للعلم به بقوله:
وَفِي جَوَابِ كَيْفَ زَيْدٌ قُلْ: دَنِفْ.
فَزَيْدٌ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ إِذْ عُرِفْ
فدَنِفٌ خبرٌ، والمبتدأ محذوف تقديره: "زيد دَنِفٌ"، وفُهِمَ من قوله: "وَحَذْف ما يُعلم جائز" أنه يجوز حذف المبتدأ والخبر معًا إذا عُلِما، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾ [الطلاق: 4]؛ أي: فعِدَّتهن ثلاثة أشهر، فَحُذِفَ المبتدأ والخبر؛ لدلالة ما تقدَّم عليه؛ أي: قوله تعالى: ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ﴾ [الطلاق 4 .

الحذف عند أهل البلاغة:
إنَّ الحذف من الأبواب اللطيفة والبديعة عند أهل اللغة العربية؛ حيث اعتبروه من المسائل التي تُكسب الكلام جمالاً وروعة، وتَمنحه جودة وبلاغة، بل إنه من الأساليب التي لا يُحسنها إلا المتمكِّنون في اللغة والبارعون في أساليبها، حتى إنَّ إمام البلاغة عبدالقاهر الجرجاني قال عن هذا الباب: "هو باب دقيق المَسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسِّحر؛ فإنك ترى به ترْكَ الذِّكر أفصحَ من الذِّكر، والصَّمْت عن الإفادة أزيدَ للإفادة، وتَجدك أنطْقَ ما تكون بيانًا إذا لَم تُبِن".
ويَقصد الجرجاني بهذا القول أنَّ باب الحذف بابٌ دقيق لطيفٌ، يُكسب الكلام قوَّةً ومَتانة، يكون أشبه ما يكون بالسِّحر الذي يُبهر النفوس، ويذهب بالفكر مذاهبَ عجيبة لطيفة، والسر في ذلك - كما أشار الإمام - أنَّ ترْك الإفصاح أبلغُ من الإفصاح نفسه، وأنَّ التلميح أبلغُ من التصريح، بل إنَّك تجد في بعض الأحايين السكوت أبلغَ جوابًا، وأحسن بيانًا، ثم سرَد الجرجاني مجموعة من الأمثلة الدالة على ما ذكَره، وأضاف قائلاً ومُعلِّقًا: "فتأمَّل الآن هذه الأبيات كلها، واسْتَقْرِها واحدًا واحدًا، وانظر إلى موقعها من نفسك، وإلى ما تجده من اللطف والظرف، إذا أنت مَرَرتَ بموضع الحذف منها، ثم قَلبت النفس عما تجد، وألطَفْتَ النظر فيما تحسُّ به، فإنَّك تعلم أنَّ الذي قلت كما قلت، وأنَّ رُبَّ حذفٍ هو قِلادة الجِيد، وقاعدة التجويد".
كما أنَّ الحذف من الأساليب التي اتَّخذتها العرب في كلامها؛ لتزيينه وتنميقه، وجَعْله أبلغَ تأثيرًا، وأكثر تعبيرًا، وهذا صاحب "فقه اللغة وسر العربية" قد خصَّص فصلاً لذلك، وَسَمَه بما يأتي: "فصل مُجمل في الحذف والاختصار"، وأشار أنه من سنن العرب المتبعة، والسنة - كما هو معلوم - الطريقة والمنهج المتَّبع والمُحْتذى - وقد سرَد في هذا الباب بعضَ المواضع التي حَذَفت فيها العرب حذفًا حسنًا وبديعًا.
والحذف عند أهل البلاغة قسمان:
قسم يَظهر فيه المحذوف عند الإعراب، كقولهم: "أهلاً وسهلاً"، فإن نَصْبَها يدلُّ على ناصب محذوف يُقدَّر بنحو: "جِئت أهلاً، ونزَلْت مكانًا سهلاً"، وليس هذا القسم من البلاغة في شيء" ، يعني أنَّ هذا القسم إنما يُعنى به علماء اللغة الذين يَدرسون العلاقات التركيبيَّة بين الكلمات، ويُقَدِّرون المحذوفات حسب ما يقتضيه الإعراب، ويُحتِّمه موقع الكلمة من الإعراب.
وقسم آخر لا يَظهر فيه المحذوف بالإعراب، وإنما تَعلم مكانه إذا أنت تصفَّحت المعنى وجَدته لا يتمُّ إلاَّ بِمُراعاته، نحو: "يعطي ويمنع"؛ أي: يعطي ما يشاء، ويَمنع ما يشاء، ولكن لا سبيلَ إلى إظهار ذلك المحذوف، ولو أنت أظهرته، لزَالت البهجة، وضاع ذلك الرَّونق"
وهذا هو القسم الذي تناقشه البلاغة، ويَظهر فيه دقائق البيان، ومكنون التعبير، وروائع الأسلوب.
وما ذكرناه آنفًا لا يَعني عدم وجود شيءٍ يدل على وجود الشيء المحذوف، وإلاَّ كان ذلك تعمية وتضليلاً - كما ذكَر د. يوسف الصميلي في تعليقه على كلام الجرجاني، بعد أن نقَله من الدلائل - حيث قال: "مع ذلك فإنَّ الأصل في جميع المحذوفات - حتى وإن تعلَّق الأمر بالبلاغة على مختلف ضروبها - أن يكون في الكلام ما يدلُّ عليها، وإلاَّ كان الحذف تعمية وإلغازًا، لا يُصار إليه بحال، ومِن شرْط حُسن الحذف أنه متى ظهَر المحذوف، زال ما كان في الكلام من البهجة والطلاوة، وصار إلى شيءٍ غَثٍّ لا تَناسُبَ بينه وبين ما كان عليه أولاً.

وأما عن أغراض الحذف عند البلاغيين، خصوصًا ما يتعلَّق بالمسند إليه، والتي تُعَدُّ من لطائف هذا الباب أمور، منها:
1- ظهور المحذوف بدلالة القرائن عليه، مثل قوله تعالى: ﴿ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ﴾ [الذاريات: 29]؛ أي: أنا عجوز عقيم.
2- إخفاء الأمر عن غير المخاطب، نحو:" أقبل"، تريد - مثلاً - عليًّا.
3- تَيَسُّر الإنكار عند الحاجة، مثل: "لئيم خسيس" بعد أن ذَكَرت شخصًا معيَّنًا تُنكر عليه أمرًا.
4- الخوف من فَوات فرصة سانحة، كقولك تُنَبِّه صيَّادًا: "غزال"؛ أي: هذا غزال، فاصْطَدْه، أو نحو ذلك.
5- اختبار تَنَبُّه السامع، أو مقدار تَنَبُّهه، نحو: "نوره مُستفاد من نور الشمس، أو هو واسطة عقد الكواكب"، تقصد القمر في كلا الحالتين.
6- ضِيق المقام عن إطالة الكلام بسبب تضجُّر أو توجُّع، كقول أحدهم:
قال:
كَيْفَ أَنْتَ قُلْتُ: عَلِيلُ
سَهَرٌ دَائِمٌ وَحُزْنٌ طَوِيلُ
7- المحافظة على السجع، نحو: "مَن طابَت سريرتُه، حُمِدت سيرته"؛ أي: لَم يَقُل: حَمِد الناس سيرته؛ للمحافظة على السجع المستلزِم رفْعَ الثانية.
8- المحافظة على القافية، كقول أحدهم:
وَمَا المَالُ وَالأَهْلُونَ إِلاَّ وَدَائِعُ
وَلاَ بُدَّ يَوْمًا أَنْ تُرَدَّ الوَدَائِعُ
وذلك أنَّ "ودائع" الأولى جاءَت مرفوعة، فحُذِف "الناس" في الشطر الثاني؛ حتى تأتِيَ مرفوعة، وإلاَّ جاءَت منصوبة؛ إذ إن أصلَ الكلام هو:"يَرُدُّ الناسُ الودائعَ".
9- المحافظة على الوزن، كقوله:
عَلَى أَنَّنَي رَاضٍ أَنْ أَحْمِلَ الْهَوَى
وَأَخْلُصَ مِنْهُ لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِيَا
أي: لاَ لِي شيء، ولا عَلَيَّ شيء.
10- كون المسند إليه معيَّنًا بالحقيقة، مثل قوله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ [الأنعام: 73]، أو ادِّعاءً، نحو: وهاب الألوف؛ أي: فلان.
11- الخوف منه أو عليه، وهذا في باب الفاعل ونائبه، نحو: ضُرِبَ سعيدٌ.
12- تكثير الفائدة، نحو: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [يوسف: 18].
بالإضافة إلى هذه الأغراض هناك أغراض أخرى بلاغيَّة ذكَرها النحاة وأهل البلاغة، منها: العِلم به، أو الخوف عليه، وكذا التحقير والإعظام، كما أنَّ الحذف قد يَرِدُ عند البلاغين في مواطن أخرى، مثل: "باب المجاز"؛ كقوله تعالى في سورة يوسف: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ [يوسف: 82]؛ إذ الحذف عند بعضهم نوعٌ من أنواع المجاز، وهو ما ذهَب إليه سيبويه وغيره من أهل النظر[28].
والحذف هنا لا يُنسب إلى الكلمة المجاورة، وإنما إلى الجملة ككل، وإلاَّ كان ذلك لا يُفيد الكلام شيئًا؛ كما قال الإمام الجرجاني: "إنَّ من حقِّ المحذوف أو المَزيد أن يُنسب إلى جملة الكلام، لا إلى الكلمة المجاورة، فتقول في قوله تعالى: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ في الكلام حَذْفٌ، والأصل: "أهل القرية"؛ تعني: حُذِف من بين الكلام".
ويذكر أهل البلاغة الحذف أيضًا في باب الإيجاز، ويجعلونه القسمَ الثاني من هذا الأخير، ويسمونه بإيجاز الحذف، ويُشترط فيه أن يكون في الكلام ما يدلُّ على المحذوف، ومن أمثلته ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾ [القصص: 25].
حيث حُذِفت هنا جُمَلٌ برُمَّتها، وتقدير الكلام: فذهَبَتا إلى أبيهما، وقصَّتا عليه ما كان من أمر موسى، فأرسل إليه، ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾، وطريق الإيجاز هنا هو الحذف ، وهذا النوع من أهمِّ ما تهتمُّ به البلاغة في باب الحذف؛ لِمَا يتضمَّنه من أسرار بلاغيَّة بديعة جليلة، تُدلِّل على سُمو هذه اللغة وعُلو شأْنها - أسلوبًا وبلاغة، خصوصًا إذا كانت منظومة في الخطاب الذي أعْجَز البُلغاء والفُصحاء وأفْحَمَهم .

أسلوب (الحذف) في القرآن الكريم

الحذف في كلام العرب أسلوب معهود ومسلك معروف، يعمدون إليه لتحقيق أغراض بلاغية معينة، تفيد في تقوية الكلام، وإخراجه على الأسلوب الأمثل. وقد جاء القرآن على وفق نهج العرب في الكلام، فاعتمد الحذف في كلام العرب أسلوب معهود ومسلك معروف، يعمدون إليه لتحقيق أغراض بلاغية معينة، تفيد في تقوية الكلام، وإخراجه على الأسلوب الأمثل. وقد جاء القرآن على وفق نهج العرب في الكلام، فاعتمد الحذف أسلوباً من جملة أساليبه البلاغية.
المراد من الحذف
و(الحذف) لغة: الإسقاط. واصطلاحاً: إسقاط جزء من الكلام، أو كله لدليل يدل عليه.
أقوال العلماء فيه
يُجمع اللغويون على أن الحذف في كلام العرب كثير، إذا كان في الكلام ما يدل عليه. ومن أقوالهم في ذلك ما ذكره ابن جني في كتابه (الخصائص) تحت عنوان: باب في شجاعة العربية، قال: "اعلم أن معظم ذلك إنما هو الحذف، والزيادة، والتقديم، والتأخير، والحمل على المعنى...". وقال أيضاً: "قد حذفت العرب الجملة، والمفرد، والحرف، والحركة". وقال الجرجاني في (دلائل الإعجاز) منوهاً بقيمة أسلوب الحذف: "هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد في الإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تُبِنْ".
فوائده
يذكر علماء اللغة والبلاغة أن الحذف في الكلام لا يكون عبثاً، وإنما يكون لغرض وفائدة، كأن يكون الحذف بقصد التفخيم والتعظيم، أو زيادة اللذة باستنباط المعنى المحذوف، أو طلباً للإيجاز والاختصار، أو لغير ذلك من الفوائد البلاغية. قال الجرجاني في هذا السياق: "ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها، إلا وحذفه أحسن من ذكره".
أسبابه
وللحذف أسباب تدفع إليه، وتسوغ اللجوء إليه، من ذلك الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر، نحو قولك: الهلال والله، والتقدير: هذا الهلال والله، فحذف المبتدأ استغناء بدلالة الحال؛ إذ لو ذكره لكان عبثاً.
ومن ذلك التنبيه على أن الزمان لا يُسعف بالإتيان بالمحذوف، وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم، نحو قوله تعالى: {ناقة الله وسقياها} (الشمس:13)، فحذف الفعل على التحذير، والتقدير: احذروا ناقة الله فلا تقربوها.
ومنها التفخيم والإعظام، من ذلك قوله تعالى في وصف حال أهل الجنة: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} (الزمر:73)، فحذف جواب الشرط؛ إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى، فجعل الحذف دليلاً على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه. ومن هذا الباب أيضاً، قوله تعالى: {فغشيهم من اليم ما غشيهم} (طه:78)، أي: غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله.
ومنها التخفيف؛ لكثرة جريانه في كلام العرب، كما حذف حرف النداء في قوله سبحانه: {يوسف أعرض عن هذا} (يوسف:29)، وتقدير الكلام: يا يوسف. ومن هذا القبيل قوله عز وجل: {والليل إذا يسر} (الفجر:4)، حذفت الياء للتخفيف. والأصل: يسري.
ومنها رعاية خواتم الآيات (الفاصلة)، نحو قوله تعالى: {ما ودعك ربك وما قلى} (الضحى:3)؛ إذ الآيات السابقة واللاحقة لها منتهية بالألف المقصورة.
ومنها شهرة المحذوف حتى يكون ذكره وعدمه سواء، من ذلك قوله سبحانه: {ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} (النحل:30)، والتقدير: أنزل خيراً. حذف الفعل؛ لأن ذكره وعدمه سواء؛ لدلالة السياق عليه.
أدلته
تقدم أن الحذف لا بد أن يكون لدليل، ودليل الحذف قد يكون دليلاً يقتضيه العقل، وقد يكون دليلاً يقتضيه الشرع، وقد يكون العادة، وقد يكون السياق، وقد يكون غير ذلك، وهاك بعض تفصيل لذلك.
مثال الدليل الذي يقتضيه العقل قوله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها} (يوسف:82)، فإنه يستحيل عقلاً تكلم الأمكنة إلا معجزة، فكان لا بد من تقدير سائل عاقل، فقالوا: التقدير: واسأل أهل القرية. ونحو هذا قوله سبحانه: {فقبضت قبضة من أثر الرسول} (طه:96)، فدليل العقل يقتضي أنه إنما قبض من أثر حافر فرس الرسول.
ومثال الدليل الذي يقتضيه الشرع قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} (البقرة:184)، وتقدير الكلام: من كان مريضاً أو على سفر فأفطر، فعليه أن يقضي ما أفطره من أيام.
وقد يكون دليل الحذف العادة، كقوله تعالى: {قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم} (آل عمران:167)، أي: مكان قتال، والمراد مكاناً صالحاً للقتال؛ لأنهم كانوا أخبر الناس بالقتال، والعادة تمنع أن يريدوا لو نعلم حقيقة القتال، فلذلك قدره مجاهد: مكان قتال.
وقد يكون دليل الحذف اللفظ نفسه، كقوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم} (الفاتحة:1)، فاللفظ يدل على أن فيه حذفاً؛ لأن حرف الجر (الباء) لا بد له من متعلق.
وقد يكون دليل الحذف سياق الكلام، من ذلك قوله سبحانه: {لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} (الأحقاف:35)، أي: هذا بلاغ، بدليل ظهوره في موضع آخر: {هذا بلاغ للناس} (إبراهيم:52).
شروطه
ألمحنا بداية إلى أن الحذف لا يكون عبثاً، وإنما يكون لغرض وغاية، ومن ثم ذكر اللغويون بعض الشروط ليستقيم أسلوب الحذف في الكلام، ومن أهم الشروط التي ذكروها لصحة الحذف: أن يكون في الكلام دلالة على المحذوف، إما من لفظه أو من سياقه، وإلا لم يتمكن من معرفته، فيصير اللفظ مخلاً بالفهم؛ ولئلا يصير الكلام لغزاً، فيبعد عن الفصاحة، وهو معنى قولهم: لا بد أن يكون فيما أبقى دليل على ما ألقى. ومن الأمثلة على هذا الشرط قوله سبحانه: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} (النساء:1)، والتقدير: ارحموا الأرحام. وهذا مستفاد من اللفظ. وذكروا شروطاً أخر للحذف، ليس هذا مقام تفصيلها.
أقسامه
يأتي الحذف في كلام العرب - وكذلك في القرآن الكريم - على أقسام، نذكر منها:
أولاً: الاقتطاع: وهو ذكر حرف من الكلمة وإسقاط الباقي، ومن هذا القبيل قوله سبحانه: {وامسحوا برءوسكم} (المائدة:6)، قيل: إن (الباء) هنا أول كلمة (بعض) ثم حذف الباقي، والتقدير: فامسحوا بعض رؤوسكم. وجعل بعضهم من هذا القسم حروف فواتح السور.
ثانياً: الاكتفاء: وهو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط، فيُكتفى بأحدهما عن الآخر. وأمثله هذا القسم كثيرة، أبرزها قوله تعالى: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} (النحل:81)، أي: والبرد. ومن هذا القبيل قوله سبحانه: {وله ما سكن في الليل والنهار} (الأنعام:13)، والمراد: وما تحرك في النهار، وإنما آثر ذكر (السكون)؛ لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد.
ثالثاً: الإضمار: وهو أن يضمر من القول المجاور لبيان أحد جزأيه، كقوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران:159)، وقد شهد الحس والعيان أنهم ما انفضوا من حوله، وانتفى عنه صلى الله عليه وسلم أنه فظ غليظ القلب. ونحو هذا قوله سبحانه: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} (الأنفال:23)، المعنى: لو أفهمتهم عليه، لما أجدى فيهم التفهيم، فكيف وقد سُلبوا القوة الفاهمة! فعُلِم بذلك أنهم مع انتفاء الفهم أحق بفقد القبول والهداية.
رابعاً: أن يستدل بالفعل لشيئين، وهو في الحقيقة لأحدهما، فيضمر للآخر فعلاً يناسبه، كقوله سبحانه: {والذين تبوءوا الدار والإيمان} (الحشر:9)، والتقدير: واعتقدوا الإيمان. ونحو هذا قوله عز وجل: {لهدمت صوامع وبيع وصلوات} (الحج:40)، و(الصلوات) لا تهدم، فالتقدير: ولتُركت صلوات.
خامساً: أن يقتضى الكلام شيئين، فيقتصر على أحدهما؛ لأنه المقصود كقوله سبحانه: {قال فمن ربكما يا موسى} (طه:49)، قال ابن عطية: ولم يقل: (وهارون)؛ لأن موسى المقصود المتحمل أعباء الرسالة.
سادساً: أن يذكر شيئان، ثم يعود الضمير إلى أحدهما دون الآخر كقوله سبحانه: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} (الجمعة:11)، لم يقل: إليهما، وتقدير الكلام: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما؛ لدلالة المذكور عليه. ونحو هذا قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها} (التوبة:34)، فإنه سبحانه ذكر الذهب والفضة، وأعاد الضمير على الفضة وحدها؛ لأنها أقرب المذكورين؛ ولأن الفضة أكثر وجوداً في أيدي الناس. وهذا القسم من الحذف كثير في القرآن.
سابعاً: الحذف المقابلي، وهو أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيحدف من واحد منهما مقابله؛ لدلالة الآخر عليه كقوله سبحانه: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} (التوبة:102)، تقدير الكلام: خلطوا عملاً صالحاً بسيئ، وآخر سيئاً بصالح؛ لأن الخلط يستدعي مخلوطاً ومخلوطاً به، والمعنى: تارة أطاعوا، وخلطوا الطاعة بكبيرة، وتارة عصوا، وتداركوا المعصية بالتوبة. ونحو هذا قوله تعالى: {ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} (الأحزاب:24)، قال المفسرون: تقديره: يعذب المنافقين إن شاء، فلا يتوب عليهم، أو يتوب عليهم فلا يعذبهم. وهذا القسم كثير في القرآن أيضاً.
بقي أن نقول: إن الحذف في القرآن الكريم قد يكون حذفاً لاسم، أو فعل، أو حرف. و(الاسم) المحذوف قد يكون مبتدأ، أو خبراً، أو فاعلاً، أو مفعولاً وهو كثير، أو مضافاً وهو كثير، أو مضافاً إليه وهو قليل، أو جاراً ومجروراً، أو موصوفاً، أو صفة، أو معطوفاً، أو معطوفاً عليه، أو مبدلاً منه، أو موصولاً، أو ضميراً متصلاً، أو حالاً، أو منادى، أو شرطاً، أو جواباً للشرط وهو كثير، أو جملة، أو قولاً. و(الفعل) المحذوف قد يكون فعلاً خاصًّا، أو فعلاً عامًّا. و(الحرف) المحذوف قد يكون حرفاً جارًّا وهو كثير، أو حرفاً في نهاية الكلمة، وهو أكثر ما يكون في نهاية الآيات. ولكل قسم من هذه الأقسام تفصيل وتمثيل، لا يتسع المقام له.

---------------

المراجع والمصادر :

البلاغة الواضحة - الشرح؛ على الجارم ومصطفى أمين، دار المعارف، ط 1999، ص241.
لسان العرب؛ ابن منظور: محمد بن مكرم، دار صادر للطباعة والنشر، ط 4، سنة 2005، مادة "حذَف".
شرْح ابن عقيل على ألفيَّة ابن مالك؛ محمد محيي الدين عبدالحميد، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط20، رمضان 1400هـ - يوليو1980م، ج1، ص243.
إعراب القرآن؛ الزجاج؛ تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، القسم الثاني، ص 743.
شرح المفصل؛ لابن علي بن يعيش النحوي، المطبعة المنيرية، مصر، ط 1، ج1، ص 94.
شرح المكودي على الألفيَّة في عِلْمَي الصرف والنحو، أبي زيد عبدالرحمن بن صالح المكودي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع،
دلائل الإعجاز؛ الإمام عبدالقاهر الجرجاني؛ شرح وتعليق د. محمد عبدالمنعم خفاجي، دار الجيل، ط1، 2004م -1424هـ
جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع؛ السيد أحمد الهاشمي؛ ضبْط وتحقيق وتعليق: د يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، ط1، سنة 1999، ص 103.
وظاهرة الحذف في الدرس اللغوي؛ طاهر سلميان حمودة، كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، طبع ونشر الدار الجامعية، 1998







اخر الافلام

.. انا وانا - محمد حفظي: يوضح حقيقة محاربة فيلم -اشتباك- من الر


.. انا وانا - محمد حفظي يرد على هجوم عمرو مصطفى عليه .. مستغرب


.. انا وانا - محمد حفظي يوضح أسباب قيامه بإنتاج جزء جديد من فيل




.. انا وانا - محمد حفظي يكشف أسباب غضبه من مهرجان القاهرة السين


.. انا وانا - رأي رامي عبد الرازق في مشاركة معز مسعود لحفظي في