الحوار المتمدن - موبايل



الإستحمار والقابلية للإستعمار..أين المفر؟

ساكري البشير

2017 / 8 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


جاء الاسلام وبين يديه روحا واحدة تجمع فيها بين بلال العبد الحبشي الضعيف وبين عمر ابن الخطاب والصدّيق وعثمان - رضي الله عنهم - السادة الأحرار الأثرياء وعلي وحمزة – رضي الله عنهم - الأشراف...فلا لون ولا جنس ولا مذهب استطاع أن يوحد هؤلاء..بل كان الإسلام وحده كافيا ليسُن سنته ويخطو خطوته نحو توحيد الناس على راية واحدة " أشهد أن لا إله إلا الله..وأشهد أن محمدًا رسول الله" صلى الله عليه وسلم..فلا قبيلة تعلو على قبيلة..ولا جنس فوق جنس..أما اليوم فقد شاءت أيادي القدر أن تُشتت روح هذه الكلمة – التوحيد - وأصبحت تحمل أنماطا أخرى في أذهان الناس...تفرقت إلى شيع لا تكاد تحصيها الصحف والأقلام...فأصبحنا أتباعاً لمذهب فلان...وعبدة للشيخ العلان...وأصبح جنسنا لا فرق بينه وبين مجموعة من الحمير أو قطيعاً الخراف تتناطح فيما بينها على أساس أن ذلك الشيخ له فتوى تخالف فتوى الآخر، أو أن ذلك المذهب يخالف هذا... وساد الغرب العالم وارتقوا يوم وضعوا أسسهم واقتبسوا شعاراتنا.. واتبعوا مناهجنا وقامت قيامة الاصلاح الديني من لوثر حتى فولتير إلى لوثر الثاني، فذهبت ريح الغزوات الفتوحات الإسلامية..وأقبلت عواصف الإستعمار الغربي..حتى صارت أوروبا وأمريكا اليوم اللتان يُسيّران العالم كما يُسيّر أحدنا خاتمهُ في أصبعه..واتخذنا نحن سبيل الشيطان في المراوغة على بعضنا وسلكنا مناهج الذئاب لينهش كل منا أخاه...وسادنا مجموعة من الشياطين العربية يترأسهم إبليس السعودية..فتحللت الإمبراطورية الواقعية العثمانية..وصارت منذ كان إلى فعل ماضٍ ناقص مضى عليه الغبار...ولو قلت لأحدهم تعالى نتكلم عن الحضارة الإسلامية لقال لك بنظرة حائرة ماذا صنعنا؟ نعم..ماذا كنا؟ حتى ولو كنا.. فأين نحن الآن مما كان؟
تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم..ولكن للأسف لم نكسب شيئا يُحسب لنا...بقدر ما اتخذنا أسباباً كثيرة تُحسب علينا.
إنّ الإسلام جاء في ركنه الأول: أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله..وشهادة أن لا إله إلا الله، معناها القريب: إفراد الله – سبحانه – بالألوهية، وعدم إشراك أحد من خلقه معه في خاصية واحدة من خصائصها..وأولى خصائص الألوهية: حق الحاكمية المطلقة، الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد، وحق وضع المناهج لحياتهم، وحق وضع القيم التي تقوم عليها هذه الحياة، فشهادة "أن لا إله إلا الله" لا تقوم ولا تتحقق إلا بالإعتراف بأن لله وحده حق وضع المنهج الذي تجري عليه الحياة البشرية؛ وإلا بمحاولة تحقيق ذلك المنهج في حياة البشر، دون سواه.. وكل من ادعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس، فقد ادعى الألوهية عليهم، أو بإستحمارهم، بإدعائه أكبر خصائص الألوهية، وكل من أقره منهم على هذا الادعاء فقد اتخذه إلهاً من دون الله، بالإعتراف له بأكبر خصائص الألوهية.. وشهادة أن محمداً رسول الله، معناها القريب: التصديق بأن هذا المنهج الذي بلغه لنا من الله، هو حقاً منهج الله للحياة البشرية، وهو وحده المنهج الذي نحن ملزمون بتحقيقه في حياتنا وفي حياة البشر جميعاً.
ومن ثم فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، لنحقق لأنفسنا صفة الإسلام التي ندعيها، وهي لا تتحقق إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ وهذه الشهادة لا تقوم إلا بإفراد الله بالألوهية، إفراده بحق وضع منهج الحياة، ومحاولة تحقيق ذلك المنهج الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله؛ ليخرجنا من مجتمع القبيلة المتعصب، إلى مجتمع واحد تمتزج فيه كل الأجناس، فلا العربي سيدا على الأعجمي ولا الأعجمي عبد للعربي، فكل الناس سواء إلى من إتقى الله، فقد رفع مقامه عند ربه درجات..وهو سيد قومه..
إن المنهج الإسلامي – كما قال عنه سيد قطب – " منهج سامق فعلاً، ولكنه في الوقت ذاته منهج فطري، يعتمد على رصيد الفطرة، وينفق من هذا الرصيد المذخور، وميزته أنه يعرف طريقه منذ اللحظة الأولى إلى هذا الرصيد!.
إنه يعرف طريقه إلى النفس البشرية منذ اللمسة الأولى، ويعرف دروبها ومنحنياتها فيتدسس إليها بلطف، ويعرف مداخلها ومخارجها فيسلك إليها على استقامته، ويعرف قواها ومقدراتها فلا يتجاوزها أبداً، ويعرف حاجاتها وأشواقها فيلبيها تماماً، ويعرف طاقاتها الأصيلة البانية فيطلقها للعمل والبناء..
وعلى كل رفعته ونظافته وسموه وسموقه.. هو نظام "للإنسان"، لهذا الإنسان الذي يعيش على سطح هذه الأرض، نظام يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان بكل مقوماتها، وخصائص تكوينه وتركيبه بكل مقتصياتها.
وحين تستقيم النفس مع فطرتها، وحين تلبي حاجاتها وأشواقها، وحين تنطلق طاقاتها للعمل والبناء، فإنها تجري مع الحياة في يسر وطواعية، وتمضي مع خط الفطرة الصاعد، إلى القمة السامقة، وهي تجد الأنس والاسترواح والطمأنينة والثقة في خط سيرها الطويل.
إن الإنسانية يجب أن تتجمع على أكرم خصائصها، لا على مثل ما تتجمع عليه البهائم من الكلأ والمرعى، أو من الحد والسياج، فلا الإنسان إنسان إن لم يكن بتلك الهمة العالية، والقيم السامية، والروح العالية، التي تخرجه من عبوديته / وثنيته / فراغه الروحي...إلخ، فالذين يتخذون من المشايخ أدلة، ومن القادة أربابا، لم يعلموا بعد أنهم في كنف العبودية قابعين، وأنهم من أتباع حزب الشيطان، ولعل هؤلاء من تنطبق عليهم كلمة علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – " كلمة حق يراد بها باطل"، فهم يستخدمون الدين عقالاً يقودون به الأمة نحو لهاوية، فالفلاح، والبناء، والحمال، والدباغ ووو كلهم بسطاء ولا يفقهون شيئا، وعامة الشعب هم من هذه الطبقة، فيعتقدون أن كلام الشيخ أو القائد هو أصدق كلام مادام فيه آية قرآنيةأو اثنين، وحديث من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، فيصدقونه ويسرون وفق مقتضاه، ويلبون أهواءه، فضاعت الأمة بين هذا الحزب، وإختفى أثرها من الحزب الثاني.
إن هناك حزبين اثنين في الأرض كلها: حزب الله وحزب الشيطان، حزب الله الذي يقف تحت راية الله ويحمل شارته، وحزب الشيطان وهو يضم كل ملة وكل فريق وكل شعب وكل جنس وكل فرد لا يقف تحت راية الله.
ونحن هنا نقف موقف الذين يحسبون أنفسهم ضمن حزب الله – ونسأله تعالى أن يجعلنا منهم – نسعى لتحقيق الغاية الأسمى التي إنتهجها رسولنا الكريم، ومن كتاب الله العزيز، وهنا لا أقصد أن كل الآخرين في ضلال، بل هناك الكثير ممن يسعون إلى تغيير مصيرهذه الأمة، وإعادتها لسكتها التي انحرفت منها، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من يصارع إلى غاية اليوم.
إن الأمر لم يعد يحتاج إلى التريث أكثر من هذا، فالذين يسعون لتغيير هذا المصير يجب أن يتحدوا، فالإسلام وحدة وأخوة، وعلى المسلم أن يسعى جاهدا لإخراج هذه الأمة من النفق المظلم،يقول علي عزت بيجوفيتش: " المسلم بين خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن يُغِيّر العالم وإما أن يَسْتَسْلِم للتغيير"، لإإختر لنفسك أيُّ الطريقين تريد؟
وحسبنا نعتقد أن تريد الخيار الأول، وبالتالي يجب أن تعلم جيداً أنَّ الاسلام بطبيعته وإن كان ديناً إلا أنه في الوقت نفسه فلسفة حياة كاملة كما أنه نظام أخلاقي وتنظيم وأسلوب ومناخ.. إنه – في كلمة واحدة – طريقة حياة متكاملة، ولا يستطيع الإنسان أن يكون مؤمناً بالإسلام ثم يتصرّف ويَتَعَامل مع الناس ويستمتع بوقته أو يحكم بطريقة غير اسلامية؛ فهذه الحاال المتنافرة تُورِّث النفاق - نحمد الله ونُثني عليه في المسجد ونُخادعه خارج المسجد! - إنها حالة تنتج أُناساً تمزَّقت نفوسهم بالصراعات المهلكة، فهم لا يستطيعون فهم القرآن كواقع معاش في زمن الرسول وليس مثالي كما يدعي البعض وأنه كتاب لكل الأزمان والأمكنة من ناحية، ولا يجدون في أنفسهم القدرة على الجهاد لتغيير الظروف التي يعيشون فيها من ناحية أخرى، أو تنتج أُناساً - ينسحبون من الدنيا؛ لأن الدنيا ليست إسلامية- وهناك نوع ثالث من الناس شعروا بأن المعضلة تطوِّقهم من أقطارهم فانفكُّوا عن الإسلام وتقبَّلوا الحياة والعالم كما وَجَدُوهما، أو بالأحرى صَنَعَهُما لهم الآخرون، وبالتالي ارتضوا لأنفسهم حياة الذل والعبوية .
لقد كان شعار التوحيد في الإسلام شعاراً للتحرير لا للعبودية، وقبل أن يتوجه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بهذا الشعار إلى المثقفين والخطباء والمتعلمين والقادرين والفلاسفة والأشرف والملوك، توجه به إلى العبيد والمعذبين والمستضعفين والجياع الذين كانوا يؤلفون في مكة الطبقة المحرومة والذين شكلوا مجموعة المسحوقين والأرذلين، وقد أخذ كبار مكة وقادتها من أعداء الرسول، أخذوا عليه بأنه لم " يتبعه إلا الأرذلون" وكان هذا المأخذ أكبر شهادة زكت الإسلام وثورته؛ فقد خرج محمد من أشرف القوم ليساند الضعفاء، في حين خرج قادة البوذية في الهند والصين من أشراف الهند والصين؟ لكن اليوم مع الإسلام تختلف القيم!!
كان محمد بن عبد الله، رسول الاسلام، وعداً للعبيد الذن ظنوا أن العبودية هي مصيرهم الأبدي.
وعداً للمحرومين المسحوقين الذي اعتقدوا أنهم، تحت وطأة القوى السياسية والفكرية والأدبية والعسكرية التي كانت في خدمة السادة، مخلوقون للقهر والذل والخنوع.
فمحمد بن عبد الله قد أعلن أن البشرية من جنس واحد وأهل واحد ذات إله واحد، وبمبدأ المساواة هذا، بنى مجتمعاً إنسانيا جديداً على ضوء عقيدة وطيدة ونهج اقتصادي واجتماعي متين.
تلك هي مدرسة الإسلام التي اختطت للأولين طرقهم، وسار على دربهم من بعد ذلك من تلاهم..تلك هي المدرسة التي قادها آخر راعٍ من الأنبياء الذين كانوا يبرزون على حين غرّة في الصحراء القاحلة الصامتة ليقارعوا آلهة القوة والمال وليهتكوا أقنعة الزيف.
أما أن يضحك علينا رجال كلما أذن مؤذن الانتخاب ويعدوننا نعيم الجنة في الحياة، ويحلفون لنا – ليخدعونا – أنهم يُجرون بردى لبناً وعسلاً، ويفرشون الطرق بسطاَ ويلبسون الفقراء حريراً، فإذا انتخبناهم كانت مواعيدهم كمواعيد السيد عرقوب..ثم تتجدد الانتخابات فيعودون إلى الضحك على ذقوننا ونعود إلى انتخابهم؟ ومن ورائهم إعلام يصنع من القادة المنتخبين أسيادا على العالم وهم في واقعهم مجموعة من الجرذان، يصورون برامجهم جنان، وهي في حقيقتها خراب، كمن يدس السم في العسل.
فمتى نُبصِر بعين العقل، ونتأمل بقلب مجرد حكيم في مصيرنا الذي نتخيله حتميا؟ ومتى نصير أمة متيقظة عاقلة لا نائمة ولا مغفلة، نتخذ لكل رجل من رجال السياسة دفتراً كدفتر التاجر فيه (من) و (إلى) نقيد له فيه ما له ونسجل له ما عليه، لنرى كم أعطى الأمة، وكم أخذ منها؟ ماذا كان يملك من قبل وما يملك الآن؟ كيف كان يعيش هو وأهله وكيف يعيش اليوم؟ هل صدق الوطنية أم اتخذها تجارة رابحة؟
متى نفرق بين الصالح والطالح، والخيّر والشرير، ولا نكون مغفلين ننسى مواضي الرجال، ونُخدع مثل الأطفال؟
إن الثورة العربية التي نعيبها بعويلنا الليلي والنهاري في القنوات والإذاعات وعلى المواقع الإلكترونية هي مجرد بلبلة لا أكثر، تحاول أن تجعل هذه الثورات تحيد عن دربها الذي رسمه لها ذلك المنعطف التاريخي، إن هؤلاء اللغة التي يفهم بها هؤلاء البشر اليوم هي لغة المدفع، والحق على شفار السيوف وحد الألسنة، لا بأطراف الألسنة ولا بصحائف الكتب..فلا تتكلموا بعد اليوم إلا بلغة المدفع!.
وزماننا هذا الذي كثرت فيه الفوضى وعمت في بلاد الإسلامي ليست هي(المؤامة؟؟؟)التي نرويه لأطفالنا، وكأننا نحن نحمل البراءة من دم يوسف، بل نحن شركاء في هذه المهمة، لأننا في واقعنا نمثل الوسيلة التي يستخدمها غيرنا في تشريدنا وتفريقنا، وإعادة هيكلتنا على ما كنا عليه قبل الإسلام، كل قبيلة لها سيدها، وكل قبيلة هي عدوة القبيلة الأخرى، حياة القبلية والتناحر بين بني الجلدة الواحدة.
ربما تتساءل: كيف لذلك الزمن أن يقارن بهذا؟ وسترمينا بسهام النقد القبيح، وتصفنا بأننا رجعيون، نعم، نحن رجعيون كما تقول تماما، فغني الآن وأرقص، لأنني لن أجيبك إلا كما أجاب الطنطاوي رحمة الله عليه علىى نفس سؤالك هذا: ، قام الطنطاوي رحمة الله عليه بالرد عليه ليعلمه ما لم يعلم: " فالرجعية..هي أن ترجع هذه الأمة إلى سلائقها؛ سلائق الفطنة والعقل، والعزة والنبل، وأن تعود إلى خلائقها؛ خلائق الجهاد، والبذل، والصدق في القول، والصدق في الفعل، وإلى ما صنع أجدادنا، فترفض كل جديد (لا حاجة إليه) يفسد علينا لساننا أو يخمد فينا إيماننا، ونأخذ كل جديد نافع في العلم والسياسة والأدب وفي طرائق الفكر وفي أسلوب العيش، كما أخذنا - من قبل – الخبر كله من تفكير اليونان وتأمل الهند وحياة فارس، وقبسنا من كل أمة أحسن ما لديها، ولكنا بقينا عرباً في لساننا، مسلمين في عقائدنا وأفعالنا؛ الرجعية أن نرجع إلى ديننا لترجع لنا أمجادنا، ولتعود راياتنا خفاقة على الدنيا، وحضارتنا باسقة على الأرض".
إنها رجعية، ولكنها رجعية الذي مرض إلى الصحة، والذي افتقر إلى الغنى، الذي ذل إلى العز، ورجعية الكون إلى بياض نهار جديد، وبعد ليل عاصف شديد الإظلام.
لا نريد أن نرجع إلى ركوب الخيل ونترك السيارة، ولا إلى القنديل ونهجر الكهرباء، ولا إلى السيف وندع القنبلة، ولا نكتفي بتذكرة داود الأنطاكي عن كتب الطب الحديث، ولا بالمعلقات العشر عن روائع الأدب الجديد؛ كلا، ولا نريد أن نرجع إلى جهل الماضي وخرافاته وأوهامه، فإن الحضارة قد تتقد وتخبو، وتتقدم وتتأخر، ولكن الفكر يتقدم أبداً، ونحن نعرف قيمة الفكر.
إنما نريد أن نرجع إلى عقولنا، وأسس ديننا، ومقومات عروبتنا، فنحكمها في جديد يعرض علينا؛ فنأخذ أخذ العاقل البصير، لا نقلد تقليد الطفل الغرير، ونتلمس السلف فالخلف حتى نصحح ما كان زلة، ونعمل بما كان قويما..
هذه هي رجعيتنا!"
ما قيمة كل واحد منا إن لم تكن على قدر إيمانه بنفسه وبمجتمعه؛ ولو نظرنا إلى أنظمتنا السياسية والاجتماعية، لرأينا مأساتنا بوضوح، فكم حقرونا في هذا المجال؟! لقد أذلونا إلى حد، بتنا معه لا نؤمن بقابليات قدراتنا ذاتها، أصبحنا نرى أنفسنا في عجزٍ تأباه حتى فراخ الحيوانات!! فنحن عاجزون عن الانتقاد، عن الاستفسار، وحتى عن الكلام وحق الاعتراض! صرنا، لا نجرؤ أن نتصور أننا قادرون على أي عمل صغير! نعم.. بلغنا هذا المستوى من الضعف وعدم الثقة بالنفس!! ولا شك، أن الجيل الذي يستحقر نفسه بنفسه، سكون حقيراً أيضا، فسياسة الاستعباد، حتى يظن هذا الأخير نفسه من أسرة منحطة، وطبقة دنيا، فيسهل عليه عندئذ تقبل المذلة بصدرٍ رحب، ويلجأ مستسلماً إلى حضن الرق والعبودية.، وما كان بلال مؤذن رسول الله صل الله عليه وسلم نفسه بلالا قبل الإسلام، فالإسلام صنع له الحرية، والحرية صنعت منه رجلا محاربا، يدافع عن الاسلام بكل ما أوتي من قوة، هكذا هم المسلمون حقا، وليس كما يطرحه الإعلام عن داعش والداعشية على أنه الإسلام...تعالى نثني أكمامنا ونتحد لنُرِي العالم ما هو الإسلام حقا..
إن الإيمان بالنفس، يوفر للإنسان شيئاً واحداً هو "الوعي النفسي"، هو أن يعرف في الدرجة الأولى، لأي عرق وأصل ينتسب، وبأي أمة يرتبط، وإلى أي تاريخ، وأي حضارة، وأي فترة زمنية، وأي أدب ينتمي، وإلى أي مجد وقيم يمتٌّ!! هذه عودة إلى "الوعي النفسي" وفوق هذا، إلى "الوعي الوجودي" الوعي الذي يجعلني أشعر بنفسي، كموجود إنساني في ذروة ألوهيته، وهكذا؛ عندما أجد نفسي بتلك المظاهر، أعرفها تماماً، وآنس بها، ولا أعود أتخلى عنها بأي ثمن، ولا يعود ممكناً، المساومة على جزء من لحظات وجودي، وخصوصاً إن عرفت من "أنا"! هذه الـ "أنا" تكون عظيمة بعظمة الكائنات، إن هي اكتشفت نفسها قليلاً، وبلغت "وعيها النفسي".
هكذا نخرج من الإستحمار الداخلي الذي أصبحت ظلماته قابعة في دواخلنا، تمازج أرواحنا الفطرية الطاهرة فتدنست.
أما عن العالم الخارجي فلا غرو أن يعتمد على أسلوب الإستحمار ليجعل منك إنسانا ضعيفا، قابلا للإستعمار في أي لحظة،إن المستعمرين لا يدعونك دائما إلى ما تشاء، فهم يسعون دائما لغفلتك، حتى لا يثيروا انتباهك، فتفر منهم إلى المكان الذي ينبغي أن تصير إليه! بل هم يختارون دعوتك حسب حاجتهم؛ فيدعونك أحياناً إلى ما تعتقده أمراً طيباً من أجل القضاء على حق كبير، حق انسان أو مجتمع، وقد تُدعى لتنشغل في حق آخر، فيقضون هم على حق محق آخر، فالنظرية السياسية المعاصرة بفلسفتها رائعة، ولكنها هل تصلح في بلاد العرب؟ فنسعى نحن نحلل وننقاش ونتشاجر، حتى تذهب طاقاتنا، وفي مقابل ذلك يستغلون هم تلك الفرصة لتنفيذ إستراتيجيات أخرى تحقق لهم مصالح جمّة.
هذا الإستعمار الذي نلقي عليه اللوم ليلا نهار، هو في نظر مالك بن نبي خيرا أرسله الله من حيث لا نحتسب، وهو ما يجعلنا نستبدل نظرتنا السابقة حين نتأمله جيدا، سنرى بأنه "لا يمكن أن نحسبه شرا كله، بل إن خيرا قد حققه الله على يديه من حيث لا يدري، فلئن كان بطشه انتقاما، فإن في طياته رحمة... ولنتأمل .. ما الذي بعث العالم الإسلامي من نومه قرنا؟ من الذي أيقظه من خمسين سنة تقريبا؟ من الذي قال له قم؟ إنه الإستعمار. نعم إنه قد خلع علينا بابنا، وزعزع دارنا، وسلب منا أشياء ثمينة.. لقد أخذ من حريتنا وسيادتنا وكرامتنا، وكتبنا المنسية، وجواهر عروسنا، وأرائكها الناعمة، التي كنا نود أن لو بقينا عليها نائمين!.."
هذه الرسائل التي تنبهنا، مثلما يعمل المنبه مع صاحبه، تمكننا من إعادة إستيعاب واقعنا، من خلال إعادة بعثنا من مرقدنا، وفي هذه النظرية سنرى كيف يتم ذلك؟
تنطلق نظرية القابلية للإستعمار من معاملين وفق ما يطرحه بن نبي، حيث يكمن المعامل الأول في " الإستعمار" وهو عامل خارجي يفرض على الكائن المغلوب على أمره الذي يسميه المستعمر "الأهلي" نموذجا محددا من الحياة والفكر والحركة، وحين يكتمل خلق هذا النموذج يظهر من باطن الفرد معامل "القابلية للإستعمار"، وهو معامل يجعل الفرد يستبطن مفاهيم المستعمر عنه ويقبل بالحدود التي رسمها لشخصيته هذا المستعمر، وليس ذلك فحسب بل يصبح يدافع عنها ويكافح ضد إزالتها.
فهو "في الواقع يخدع الضعفاء، ويخلق في نفوسهم رهبة ووهما، ويشلهم عن مواجهته بكل قوة، وإن هذا الوهم ليتعدى أثره إلى المستعمرين أنفسهم فيغريهم بالشعوب الضعيفة، ويزين لهم احتلالهم إذ يحاولون إطفاء نور النهار على الشعوب المتيقظة، ويدقون ساعات الليل عند غرة الفجر، وفي منتصف النهار، لترجع تلك الشعوب إلى العبودية والنوم".
أما العامل الثاني فهو المتمثل في عامل "القابلية للإستعمار" وهو الذي يهمنا، حيث يجعله بن نبي على أنه العامل الداخلي المستجيب للعامل الخارجي، بل رضوخ تام داخلي لعامل الإستعمار يرسخه ويجعل التخلص منه أمرا مستحيلا، والمفهوم بمجمله يعني جملة الخواص الإجتماعية التي تسهل سيطرة الغزاة وإستمرار الوضع المنحل للحضارة، وبن نبي يدرك ذلك حين إستعمل هذه الصفة عموما في وصف الحضارة في طورها المنحل، ولا يقتصر على وصف المجتمع الذي تعرض بالفعل للإستعمار؛ ومن أمثلته الدائمة أن هناك مجتمعات تتعرض بالفعل للإحتلال العسكري، ولكنها "غير قابلة للإستعمار"، كحال المجتمع الألماني بعد إحتلال الحلفاء، وهناك مجتمعات لم يدخلها الإستعمار ولكنها قابلة للإستعمار ويحظى بهذه " المزية" مثلما هو متمثل عند إخواننا في اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي وبعضا من دول إفريقيا الذين هم بخلاف المجتمعات الإسلامية الأخرى لم يتعرضوا للإحتلال الإستعماري ولكن مجتمعهم مثله مثل بقية هذه المجتمعات قابل للإستعمار.
إذا يمكن القول بأن الإستعمار – التقلدي المتمثل في دول أوروبا أو المعاصر المتمثل في روسيا والصين والهند وأمريكا- هو العامل الخارجي الذي يساهم في صنع جملة العوامل التي من شأنها أن تضعف العالم الإسلامي من الداخل، لتخلق منه نموذجا جاهزا، لتقبل واقعه، وتهيئة الأوضاع للرضوخ والقبول بالإحتلال دون أية إعتراضات، أو التمرد عن تلك التوجيهات التي يمليها الإستعمار، في حين أن العامل الداخلي، هو القابلية للإستعمار، والذي يجعل منا مقتنعين بأمرنا، راضين بقدرنا، غير مبالين إن كنا نحن من نسطر تاريخنا أو غيرنا، ذلك أننا أصبحنا كذرة في عالم يموج بالرياح، فتتلقفنا تارة لليمنى، وأخرى لليسرى، وبالتالي أصبح العالم الإسلامي ذلك الكيان المغلوب على أمره؛ "وكلما حاولنا التخلص من داء المعامل الإستعماري الذي يعترينا من الخارج، فإننا نرى في الوقت نفسه معاملا باطنيا يستجيب للمعامل الخارجي ويحط من كرامتنا بأيدينا".
فأصبحنا له خاضعين، ذلك أن أفكاره قد أصبحت كامنة في ذواتنا، تعيش داخلنا وتكبر كلما كبرنا، وننفذ مطالبه، ونتخذ توجيهاته سلما للصعود، ونمشي على طريقته، دون أن نعي ذلك، أو ظنًا منا بأننا نحاربه، ولا خلاص من هذا الداء إلا بقاعدة واحدة: أخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم".

أما بالنسبة لعوامل القابلية للإستعمار هي في تنوعها كثيرة، ومن أبرزها ماهية الذات العربية التابعة للغرب، فمنذ إستقلالنا ونحن نسعى لإلغاء نظم التبعية التي ساهمت بشكل كبير في ترسيخ عقلية العبودية والسيادة، وهنا تحضرني مقولة لإبن خلدون، يصف فيها هذا النوع من الإنحطاط أنه من طبع الضعيف تقليد القوي، فيكفي أن نرى التقليد من رأس الهرم إلى قاعدته، ومن نظمنا السياسية، وقوانينا التشريعية، إلى مناهجنا التربوية كلها تقليدا للغرب، وأذكر أن خلال دراستي بالجامعة، كنا نتسابق في ذكر إسم أحد المفكرين الغربيين مثل: " سيغموند فرويد، ستيف سميث، جون بيليس، كينيث والتز....إلخ" ونتباهى به، بدلا من البحث عن أسماء عربية إسلامية أصيلة، مثل المفكر" مالك بن نبي، البشير الإبراهيمي، أبو حامد زيد، عبد الحميد بن باديس ، عبد الوهاب المسيري، النبهاني، مصطفى محمود، سيد قطب، تيمية، البوطي.. إلخ" .
أيضا لم يكن عالمنا يزخر بكل هذه النكهات من التخلف والفقر، والصراعات الحدودية، والنزاعات الأهلية، وغيرها حين كنا على أيدي الخلافة - وإن كانت خلافة مقعرة إلا الراشدة منها- بينما أصبنا مجرد أقطار صغيرة، وفق حدود وهمية يرسمها الإستعمار لتحقيق أهدافه وفق سايكس بيكو -1 – وسيكس بيكو -2-، ونتقاتل نحن إن لم يحقق الإستعمار ذلك، دون إدراك بأن إقتتالنا ذلك هو في صالح غيرنا، ذلك هو لُبّ وزبدة ما نريد الوصول إليه، فما على الإستعمار إلا أن يلوح بالمنديل الأحمر، كما تلوح في الألعاب الإسبانية للثور،ونحن بدورنا سنهيج...وندمر بعد ذلك كل شيء بنيناه..
ولنتحدث الآن بلغة الأرقام حتى تتسع مداركنا لهذا الهول الذي نحن مقدمون عليه، فعالمنا الإٍسلامي لا تخلو جغرافتيه من نزاعات ساخنة على مدار السنة، وحتى وإن لم يكن ظاهرا فهو كامن، ففي آسيا من 27دولة إسلامية توجد فيها حوالي 21 نزاع نشط، بينما في إفريقيا هناك حوالي 16 نزاعا بينيا من بين 26 دولة إسلامية، في حين أنه تحتوي المنطقة العربية على 18 نزاعا من إجمالي 22 دولة، بينما شمال إفريقيا تحتوي على عدة نزاعات حدودية وسياسية، وفي منطقة الخليج العربي أيضا هناك نزاعات بينية حدودية نشطة..
وبلغة الأسماء نذكر فقط أبرزها والمتمثلة في: النزاع العراقي الأردني سنة 1958، النزاع المصري السوري سنة 1961، النزاع المصري الليبي سنة1977، النزاع السعودي الإيراني سنة 1987، النزاع الثاني السعودي الإيراني 1996، النزاع الأوغندي السوداني 1999؛ أما في القرن الواحد والعشرون، إنتقلت الصراعات إلى أبعد من ذلك ولعل آخرها النزاع الثلاثي مع دولة قطر، بل تطورت أكثر من اللازم وأصبحت نزاعات داخلية – دينية أو قبلية -أكثر منها بينية، خصوصا مع تزامن ثورات الربيع العربي، فمن بينها: نزاع السودان بين الشمال والجنوب والذي وصلت نتيجته إلى الإنقسام، النزاع في سوريا بين أطراف المعارضة والنظام، النزاع في تونس بين السلطة والشعب، النزاع في ليبيا بين الميليشيات المتنافسة على الحكم بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، النزاع في الصومال، مالي وإفريقيا الوسطى...والكثير الكثير الذي لا تحصيه مجرد مقالة بسيطة، وداخل كل دولة هناك صراعات أخرى تختلف عما تم ذكرها، فمثلا نجد التصنيفات الدينية، مثل شيعة وسنة، إخوان وسلفية، وهابية وإخوان...إلخ
أيضا بروز التنظيمات الإرهابية التي أصبحت لها دعائم بريطانية أمريكية صهيونية، تسلح هذه التنظيمات بالأسلحة الضخمة، مثلما هو تنظيم داعش، المتواجد حاليا في دول الشام، وهناك عدة تنظيمات أخرى لها ثقل كبير مثل حزب المقاومة والممانعة المتمثل في حماس وحزب الله...
كل هذه التجزئات الصغيرة التي أصبحت مجموعة متراكمة دون أن تتشكل في كيان واحد، أو يستحيل تشكلها وإندماجها من جديد، ذلك أن الإستحالة تكمن من الداخل، فمادام كل جزء من الأجزاء السابقة يغني على ليلاه، فلن نجد أملا لإعادة إنقاذ هذا الرفات المتبقي من التركة العثمانية، ولكن عمر إن مات فرب عمر لن يموت، لأن عوامل الوحدة لازالت موجودة، ذلك أنها تحتاج فقط للتفعيل، وتحتاج لدفعها نحو حركة سريعة، حتى يتسنى لها الإستمرار في نفض الغبار على هذه الأمة، وإعادة بعث عجلة مجدها، ذلك ما يهابه الإستعمار الداخلي والخارجي، فهو لا يريد منا أن نستيقظ، لذلك يلجأ إلى أساليب لقتل تلك الشعلة التي تضيء دربنا في كل مرة..
لكن لنطمئن، ولنأخذ نفسا عميقا، ولنعد لقراءة واقعنا من منظورنا الإسلامي، سنجد أن التاريخ يثبت بأن العوامل التي أثبتت وحدتنا منذ الخلافة الراشدة هو الدين الإٍسلامي، ذلك ما نريد أن نصل إليه، وهو ما نؤكده أن مكائد الشيطان لا بد وأن لها نقاط ضعف، وأن البُنى التي يقف عليها عالمنا الإسلامي هي بُنى دينية عميقة فطرية بالدرجة الأولى، فهو العامل الوحيد القادر على جمع شتاتنا، وإعادة إدماجنا في كيان واحد، وبالتالي تتشكل هويتنا من جديد، " ومهما بذل الغرب من جهود لتحويل البلاد العربية لنمط المعيشة الغربية فإن سعيهم غير ناجح، ذلك أن الشعب العربي يؤمن بالإسلام ويعتز بهويته العربية وبتاريخه وثقافته، ومن المستحيل أن يذوب المسلمون في الثقافة الغربية، لأن الإسلام دين ينظم كل دقائق الحياة الإجتماعية الثقافية، السياسية والإقتصادية".
المراجع
علي عزت بيغوفيتش، الإعلان الإسلامي
سيد قطب، هذا الدين
علي شريعتي، الشهادة، ترجمة: إبراهيم دسوقي شتا
علي الطنطاوي، مقالات في كلمات
علي شريعتي، النباهة والاستحمار
محمد شاويش، مالك بن نبي والوضع الراهن







اخر الافلام

.. 19-10-2017 | موجز التاسعة صباحاً.. لأهم الأخبار من #تلفزيون_


.. حصرياً: -طباخ الرئيس- يقود الكتائب الإلكترونية لبوتين لنشر ا


.. ترامب والقضاء.. المعركة تتجدد




.. الأمين العام للمجلس الأعلى الإيراني: طهران لن تسمح بتجاهل مص


.. -رحلة حنظلة- تعكس واقع القمع