الحوار المتمدن - موبايل



حصيلة عشرة أشهر من حراك الريف

عبد السلام أديب

2017 / 8 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


منذ استشهاد محسن فكري في يوم 28 أكتوبر 2016 وأنا أتتبع حراك الريف وردود فعل التحالف الطبقي الحاكم، وأحاول أن أقرأ طبيعة المشهد السياسي والسيرورة التي يتطور على أساسها في محاولة لفهم وتوقع ما قد يحدث في المستقبل القريب من تحولات نوعية غير مسبوقة.

الحقيقة الأولى المؤكدة هو أن التحالف الطبقي الحاكم والذي يروق للبعض تسميته بالمخزن مع أن هذه التسمية لم تعد تستوعب حقيقة هذا التحالف الطبقي، نظرا للتداخل الاقتصادي والسياسي بين مربع الحكم بالمغرب والرأسمال المالي الدولي في علاقة تبعية وثيقة لا يمكن تجاهلها وحيث أن خدمة هذه المصالح منذ عقود أخذت طابع استغلال مزدوج للطبقات الشعبية المسحوقة التي تم سلبها كافة حقوقها الاقتصادية والاجتماعية وتكفي الاشارة الى المنجزات اللاشعبية الممارسة من قبل حكومة بنكيران خلال خمس سنوات السابقة، والتي اعدمت صندوق المقاصة ورفعت أسعار المحروقات والمنتجات والخدمات الأساسية وخربت نظام تقاعد الموظفين المدنيين وخربت خدمات التعليم والصحة العموميتين وأوقفت تشغيل حاملي الشهادات، كما أن هذا التحالف الطبقي الحاكم لم يعد يتوفر على اي شرعية شعبية على الأقل منذ انتخابات 7 أكتوبر 2016، فقد قاطع تلك الانتخابات 21 مليون نسمة ولم يشارك فيها سوى 8 ملايين نسمة وأن الأغلبية الحكومية في مجموعها والتي تم تأخير تشكيلها خمسة أشهر لكي يتناسي الرأي العام الشعبي نتائج تلك الانتخابات اللاشرعية، لا تتوفر سوى على أقل من 20 في المائة فقط من أصوات مجموع المشاركين في الانتخابات.

الحقيقة الثانية هي أن البرنامج السياسي للاغلبية الحكومية الحالية لا يمثل الارادة الشعبية بل ضد مصالحها ينخرط في استمرارية برنامج حكومة بنكيران التفقيرية السابقة والخادمة للمصالح الاقتصادية للتحالف الطبقي الحاكم ومصالح الرأسمال المالي الدولي وإذن فإن ردود فعل الجماهير الشعبية المسحوقة على هذا البرنامج السياسي ستبرز بقوة طال الزمن أم قصر وذلك سيتجلى من خلال حراك الريف وما يحدث في باقي الجهات.

الحقيقة الثالثة وهي أن ساكنة الريف عشية استشهاد محسن فكري يوم 28 أكتوبر لم تكن تعجيزية وكانت تتلخص فقط في تطبيق العدالة في حق المسؤولين المباشرين عن مقتل محسن فكري والتوقف عن ممارسة سياسة تهميش منطقة الريف وعسكرته، لكن عجرفة التحالف الطبقي الحاكم الذي أراد حماية خدامه والتغطية على جريمة اغتيال محسن فكري ومواصلة تهميش وعسكرة المنطقة دخل في مناورات متعددة من أجل ربح الوقت ودفع الرأي العام الوطني والدولي المتتبع لما يجري في شمال المغرب لتناسي أحداث الجريمة.

لكن في المقابل واصل شباب الريف الشامخ تظاهراتهم السلمية الى أقصى حد من السلمية مع تدقيق مطالبهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي لا يمكن تحقيقها الا عن طريق رفع التهميش والعسكرة عن المنطقة وهي امور في غاية البساطة اذا ما كانت هناك ارادة لتجاوز الاصطدام الحتمي.

لكن النتيجة كانت هي ان تراكم المظاهرات السلمية وتكرار نفس المطالب وتدقيقها أدى الى انتشار الوعي بين الجماهير المسحوقة الذين لم تعد تنطلي عليهم أوهام التحالف الطبقي الحاكم وتمكنوا من استعادة تاريخ ملاحم الريف البطولية في مواجهة الامبرياليتين الفرنسية والاسبانية والسلطة الرجعية التابعة المحلية خلال حرب الريف 1921 - 1926 ثم حقيقة القمع الدموي لابناء الريف سنتي 1958 - 1959 وحقيقة القمع الدموي لسنة 1984 وحقائق قمع حركة 20 فبراير سنتي 2011 و 2012، التي ذهبت بارواح خمسة من شباب الحسيمة واستشهاد كمال الحساني واعتقال العديد من ابناء الريف الشامخ فوعي الجماهير الشعبية بهذا التاريخ وبحقيقة ما يسمى بالعلم الوطني الذي صممه المارشال الليوطي كما جاء على لسان المحامي محمد زيان وبأن تأسيس عبد الكريم الخطابي لجمهورية الريف سنة 1921 كان يدخل في مشروع تحرري وطني شامل ليس للمغرب فقط بل لشمال افريقيا بكاملها وأن تأسيس هذه الجمهورية حدث عندما أصبح المغرب بكامله تحت الاحتلالين الفرنسي والاسباني.

ان وعي الجماهير الشعبية المسحوقة بتاريخهم الذي يحاول التحالف الطبقي الحاكم طمسه ولد تعاطفا عاما وشاملا وطنيا ودوليا مع حراك الريف مما أدى الى تبخر اديولوجية النظام وتلفيقاته حول تاريخ المغرب.

لكن بلادة التحالف الطبقي الحاكم توقعه دائما في أخطاء لا تغتفر، فبدلا من فتح باب الحوار وتلبية المطالب البسيطة لساكنة الريف لإعادة الهدوء للمنطقة، عمل على الاشتغال بأساليبه الايديولوجية والقمعية القديمة البائدة من أجل عزل ساكنة الريف عن باقي جماهير المغرب المسحوقة والتي كانت تمارس حينما كانت نسبة 70 في المائة من الشعب المغربي تعاني من الامية والفقر، فتمثلت أول مناورة لهذا التحالف في استعمال نفس المبرر الايديولوجي الذي استعمله المارشال الليوطي ضد عبد الكريم الخطابي سنة 1921 والمتمثل في محاربته بدعوى نزعته الانفصالية عندما قام بتأسيس جمهورية الريف، فقد جمع وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت الاغلبية الحكومية وأمرها بتقديم تصريحات للإعلام العمومي تتهم فيه حراك الريف بنفس نزعة عبد الكريم الخطابي الانفصالية لتأليب الرأي العام ضده. لكن هذه المناورة باءت بفشل ذريع حيث خرجت بعد يومين من تلك التصريحات مسيرة مليونية بمدينة الحسيمة تنفي عنها تهمة الانفصال.

بعد ذلك لجأت الداخلية الى مناورة ثانية حينما أوحت الى أئمة المساجد لتقديم خطبة جمعة تعتبر فيها ان كل تظاهرة هي بمثابة كفر وضد الدين الاسلامي، وهو ما جعل بعض شباب الحراك يستنكرون تلك الخطبة ويوقفونها، الشيء الذي كان بمثابة الضوء الأخضر للسلطات القمعية لاقتناص كافة شباب حراك الريف سواء من كانت لهم علاقة مباشرة بايقاف امام المسجد يوم الجمعة الأسود أم لم تكن لهم علاقة بذلك.

وقد تأكدت كافة الجماهير الشعبية من براءة شباب الحراك فيما نسب لهم من تهم ملفقة ومن وضوح ظلم التحالف الطبقي الحاكم لساكنة الريف، فانضمت أصوات كافة الأحرار والحرائر للمطالبة بإطلاق سراح معتقلي الريف. لكن التحالف الطبقي الحاكم لم يعد يصغي لعين العقل بل واصل ممارسة عجرفته وعنهجيته وبدأ في قمع التظاهرات والمسيرات السلمية بوحشية معتقدا أن شباب الريف مجموعة من الخرفان يكفي لإرهابهم وبث الخوف في نفوسهم لكي يخضعوا للأمر الواقع.

لكن العكس هو ما حدث، فكلما تصاعد القمع والتعذيب والاعتقالات والاحكام الجائرة بل وحدث اغتيال عماد العتابي غدرا، كلما أبى شباب الريف الشامخ الا أن يتحدى وينزل في مسيراته السلمية لإدانة القمع والتعذيب والاعتقالات والظلم والاغتيال.

لقد أدت سيرورة الأحداث وتراكم الاحتجاجات اليوم الى الانتقال نحو مستوى نوعي جديد من المواجهات، فمن جهة أصبح التحالف الطبقي الحاكم منبوذا مكروها من كافة الطبقات الشعبية المسحوقة بكافة المناطق لأن ممارساته في الريف هي نفس الممارسات بالمناطق الاخرى كما هو الشأن بالنسبة لمظاهرات العطش في مناطق بني ملال وصفرو ووزان ... الخ ومن جهة أخرى اخذت القوى الشعبية تلتف أكثر فأكثر سواء مع حقوق جماهير الريف العادلة أو مع مطالب باقي الجماهير في مختلف الجهات بل أدى تطور الأحداث الى توحيد أبناء الريف الشامخ في بلاد المهجر والذين يصل عددهم الى حوالي خمسة ملايين نسمة بمختلف مشاربهم الفكرية والعقائدية وهو ما عزل شرذمة الانتهازيين من ابناء الريف الذين اختاروا دعم سياسة التحالف الطبقي الحاكم الظالمة.

ما هي إذن الآن آفاق الصراع الطبقي الحالي بين التحالف الطبقي الحاكم والطبقات الشعبية المسحوقة، فالمقاربة الأمنية المبتذلة التي تستهدف اخضاع المنطقة عبر نشر الرعب والاعتقال والمحاكمات الجائرة لم تعد تخيف أحدا فقد تبخر مفعولها نهائيا حيث لاحظنا مؤخرا أنه رغم اعتقال العشرات من الناشطين في مدن امزورن والحسيمة والعروي، فإن ذلك لم يقلص من حدة المواجهات بل على العكس من ذلك زاد من حدتها، فكلما قرر شباب الريف النزول للتظاهر نراهم يتحررون من كل خوف ويتحدون قرارات المنع ومظاهر العسكرة و أشكال القمع العنيف الوحشي، وهو ما حدث في تظاهرات يوم عيد الفطر وكذلك في مسيرات يوم 20 يوليوز، حيث قطع شباب الريف الكلومترات فوق الجبال للالتفاف على قوات القمع المرابطة لبلوغ اماكن تظاهراتهم السلمية. كما شاهدنا كيف تحدى شباب تاماسينت كافة قوات القمع من أجل الوصول الى مدينتي امزورن والحسيمة.

إن ما يؤكده هذا الواقع الجديد هو دخول المنطقة والمغرب على العموم في وضع أزمة ثورية حادة ذات آفاق مظلمة، فقد تتراكم اصطدامات عنيفة بين الطرفين مستقبلا قد تنتج أشكالا متطورة من الحرب الطبقية الحاسمة.







اخر الافلام

.. منال سمعان وإيلي معلوف في أمسية -عالبال-


.. مسابقة المهارات العالمية 2017 في أبوظبي


.. حوار مع المطربة منال سمعان




.. تهديدات مدريد.. وتظاهرات كتالونيا


.. السيسي يتعهد بمواصلة مواجهة الإرهاب