الحوار المتمدن - موبايل



رسائل إلى سميرة 5

ياسين الحاج صالح

2017 / 8 / 14
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


سمور، حاولت في الرسالة السابقة أن أعطيك فكرة عن الوضع الإنساني لسورية، ويقال عنه بين حين وآخر إنه أسوأ أزمة إنسانية منذ أيام رواندا عام 1994، وأكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية. لكن ما أجده أنا فظيعاً هو شيئان. أولاً أن نكبتنا جرت عملياً بإشراف عالمي، وبحضور أميركي وروسي وفرنسي وبريطاني، ودون نقص في المعلومات الموثوقة، وطوال ست سنوات ونصف تقريباً (وليس ثلاثة شهور مثلما في رواندا)؛ ثم إن عنوان هذه الكارثة الوطنية والإنسانية، بشار الأسد، ليس في موقعه بعد كل هذا الوقت، بل يجري الكلام اليوم عن "إعادة تأهيل" النظام، وهو ما يعادل مكافأته على هذا المسلسل الإجرامي الخارق.
ما معنى ذلك يا سمور؟ ما معنى أن يقتل نصف مليون، وتحطم حياة الملايين، وتعمل القوى القائدة في النظام الدولي، وفي عالم اليوم، على إعادة تثبيت الأوضاع التي أدت إلى الكارثة، والطاقم الحاكم المسؤول مباشرة عن مقتل أكثر من 2% من محكوميه؟ معناه ببساطة أن موت من ماتوا لا قيمة له، أن عذاب من عُذِّبوا لا اعتبار له، وأن تحطيم حياة الملايين لا مقابل له. أعتقد أنه يقال لنا أن مئات الألوف الذين قتلوا ذهبت حياته هدراً، وكذلك صرخات كل من عذبوا، وكل آلام الأمهات والآباء والأطفال لا شأن لها ولا اعتبار، وأن هذا كله ليس ثمناً لأي شيء، ولا يعود عليكم بأي نفع. ليست الدماء ثمنا للحرية، وليس الضحايا قرابين للخلاص؛ وباختصار: موتانا ليسوا شهداء، وليست لنا لقضية. ولن تؤدي المحنة الرهيبة إلى التغيير السياسي، ولن يحاسب القتلة ولن تتحقق العدالة، ولن يُفتح أفق جديد أمام البلد، ولن يصير السوريون في موقع أفضل للتحكم بحياتهم وصنع مستقبلهم.
يعني أن موت من ماتوا لن يحمي حياة من ظلوا أحياء، وأن عذاب من عذبوا لا يضمن في شيء ألا يعذب من لم يعذبوا بعد.
هل يمكنك أن تتخيلي ذلك يا سمور؟ حين تحرم معاناتنا من أن يكون لها معنى، نخرج عملياً من الدائرة الإنسانية التي هي دائرة معاناة ومعنى، فإما أننا ندرج في دائرة الأشياء التي لا تعاني ولا تعني بينما يكون مهندسو نكبتنا وحدهم البشر، أو نكون بشراً مخفوضي المرتبة، بينما مهندسو نكبتنا فوق بشر، وربما آلهة. هل تتخيلين ذلك يا سمور؟ العنصرية تتفوق على نفسها، وعلى حساب كائن مثل داعش يستطيع أي عنصري فاشي أن يضع على وجهه قناع المتحضر المتحرر الرفيع الشأن.
حين يعتبر موت 100 منا مثل موت 1000 مثل موت 100 ألف مثل موت مليون، صفر في كل حال، فإنه يقال لنا عملياً إن كل واحد منا وكلنا معاً صفر، وإن إبادتنا ليست خسارة، ولا عواقب لها. لا بد أنهم آلهة أولئك الذين أخرجوا محنتنا على هذا النحو حتى تكون قلِّتنا مثل كثرتنا أمامهم. وبالفعل تقارب قضيتا من مدخل "الحرب ضد الإرهاب"، الذي لا يكتفي بإباحتنا، بل هو حكم مسبق بالإدانة علينا كإرهابيين أو "حواضن اجتماعية" للإرهاب، مثلما قال بشار الأسد. هكذا نسير من الحرمان من المعنى إلى الإباحة والحرمان من العدالة إلى الإبادة والحرمان من الحياة.
هذا مرعب يا سمور. أن نهجر وندان، أن نعذب وندان، أن نقتل وندان. أن يدان المعتدى عليهم والمقتولين بدل المعتدين والقتلة. مرعب أن نلعن هكذا، أن نعامل كملعونين من آلهة قاسية، متروكين لعذاب بلا نهاية، لا يجدينا شيء ولا ينقذنا شيء.
يقولون إنه لا بديل عن بشار الأسد، يجددون انتدابه علينا لأنه مضمون وتحت السيطرة. ما يريده المتحكمون بعالم اليوم هو امتلاك تغييرنا، هو أن يقرروا هم مقدار التغيير واتجاهه وإيقاعه ومحصلاته، وليس نحن. أي أيضاً ألا يكون لنا تاريخ. أو أن يكون تاريخنا بالكاد فرعاً من تاريخ المتحكمين.
وما يروّع في كل ذلك يا سمور هو أنه حكم مبرم على أحسن جهودنا بأن لا تترك أثراً، وبأن لا يثمر شيئاً كل ما يمكن أن نقوم به بإخلاص. فعلنا مثل عدم االفعل، ومحصلته في كل حال صفر. هذا تسليم لليأس، بل هو حكم بالموت، واستئناف لعمل بشار الأسد.
في هذا القصة السورية لا تشبه غيرها من قصص التاريخ الحديث المليء بالدم والعناء. القصص الأخرى إما كانت غير معلومة بهذا القدر، أو كانت محلية لم تشارك فيها القوى العالمية القائدة، أو هي لم تستمر كل هذا الوقت، أو لم تكن مهولة الكلفة البشرية البشرية والمادية ومدمرة للمستقبل مثل قصتنا. أما أن تكون القمة الدولية موحدة أو هي تتوحد بعد انقسام في بلدنا إلى جانب القاتل الأول (أو في حياد إيجابي تجاهه)، فهذا ما يجعل قصتنا عالمية، قصة العالم.
والمشكلة أن الاستخلاص السياسي الوحيد الصحيح من ذلك هو وجوب تغيير العالم. إذ ما دام العالم هو العائق أمام التغيير، وهو من ينكر على حياتنا المعنى، وجب أن يتغير كي نحيا ويكون لحياتنا معنى. لكن يا سمور هذا يعني الحكم علينا بالخروج من الفعل، من السياسة، من محاولة التأثير على مصائرنا إلى أمد يطول. تغيير العالم ليس كلمة تقال، إنه اسم لمصير رهيب. تعلمين هذه من عملنا لتغيير سورية. العالم سورية كبيرة يا سمور، وتغييره يعني تعميم الرهيب الذي أصابنا في العالم كله.
لكنه يبقى التحدي الوحيد الذي من شأن الاضطلاع به أن يعيد المعنى إلى عنائنا، ويكرم ضحايانا، ويجعل من مأساة سورية حدثاً مغيراً لعالم يجب أن يتغير. ما لا معنى له هو العالم الذي ينكر معنانا، وتغييره هو الواجب من أجلنا ومن أجل غيرنا ممن يعانون كثيراً ويعنون قليلاً.
تعرفين سمور أن معلمنا القديم ماركس كان أوجب على الفلاسفة تغيير العالم وليس الاكتفاء بتغييره، وفيما بعد أناط تغيير العالم الذي كانت الرأسمالية توحده بالبروليتاريا، الطبقة المستغلة والمنظمة في عالم الرأسمالية، التي ليس لديها ما تخسره من الثورة، ويمكن أن تكسب كل شيء. في عالم اليوم، المدعوون إلى تغيير العالم هم من ينكر عليهم العالم المعنى، من يطردون من التاريخ، من يقتلون ويعذبون ويهجرون، ومن يُقلّل من شأنهم طوال الوقت.
نحن يا سمور بروليتاريا المعنى، المنبوذون خارج المعنى، الملعونون المدانون الذين لا يحق لهم أن يدينوا، الذين ينكر عليهم القول في شؤون الخير والشر.
قضيتنا اليوم هنا يا سمور. في موقع غير مستقر بين إنكار المعنى علينا وبين التطلع المأساوي إلى تغيير للعالم من أجل أن يكون لنا معنى.
ومن تغيير عالمنا القريب أولاً. الإسلاميون، وهم مشمولون بإنكار المعنى مثلنا، أضيق أفقاً وأشد أنانية، من أن يكونوا قوة للتغيير وللمعنى. أنت شخصياً تجسدين أكثر من أي إنسان آخر صغر الإسلاميين، وعجزهم المتأصل عن المساهمة يسهم في تجدد العالم، مبنى ومعنى. عدميون، يائسون وبائسون.
نحن يا سمور من لا نخسر أي شيء من تغيير عالم اليوم. نحن الملعونون الذين لا معنى لنا غير العمل على تغيير عالم ينفي معنانا. نحن الذين منك ومعك.
لكن، مرة أخرى، هذا مصير رهيب وليس فكرة شجاعة تُدوّن لننتقل إلى غيرها. والمصير يملِك ولا يُمتلك. أعرف هذا منذ أن خُطفت وغيبت. أراه بعيني وبعينك.
"في عالم يهلك"، "الواحة" هي إنت في حصارك المضاعف أو المثلث. اسلمي لي يا سمور.
بوسات يا قلبي
ياسين







التعليقات


1 - من منا..يتعذب أكثر؟؟
ماجدة منصور ( 2017 / 8 / 15 - 07:05 )
سيدي الأستاذ...كلماتك كخناجر قوم أبو لهب...و هي تكاد ان تجز عنقي0
منذ ان قرأتك...سيدي الأستاذ..فإنني قد فقد ت طعم كل شيئ في منفاي البعيد...و الذي هو بلا معنى أصلا0
أنا على وشك الجنون مما حصل و مما يحصل و مما سيحصل000 وفي بعض الأحيان أكاد ان أبصق على نفسي و أتقيأ ما طفحته0
نريد حلا و لو كان الثمن أن نضع أيادينا بيد أبالسة هذا الزمن العرص0
أنهار الدم تؤلمني بشدة...و عائلتي التي (انقسمت) على بعضها...هي نتاج هذا الحكم في سوريا0
إبن عمي...ضابط كبير (مع النظام) مطلوب للقتل من أولاد عمي الثاني لأن الشباب هم ضباط انشقوا عن _جيش الوطن0
بعض من أولاد عمي الثالث هم من الدواعش و على حد علمي كانوا سكرجية حشاشين مهربين الخ الخ الخ0
وبقدرة قادر و حفظ حافظ...أصبحوا من أحباب السيئ الذكر إبن تيمية!0
أمام أولاد خالي...فهم قد كانوا في قديم الزمان و منذ عام 1980 ملوك القطن و القمح السوري في ريف دير الزور0
قبر والدي في سرمين و قبر زوجي في حلب و قبر أخي في مدينة الباب و قبر جد إبنتي في حلب...وقبر إبن عمة زوجي في دمشق وووووووال
يؤلمني ألمك...ولكن تذكر سيدي الأستاذ...أنني أموت على عدد اللحظات و الثواني0
احترامي


2 - 2من منا..يتعذب أكثر؟؟
ماجدة منصور ( 2017 / 8 / 15 - 07:19 )
أما عن أخواتي البنات...فهم5 بنات و 2 اولاد0
هذا ما عداي أنا..أنا التي كنت رابع (أنثى) تلدها ...أمي الغجرية0
صرفت نصف ثروتي ( الله لا يردها) من أجل أن لا يتورط اي أحد من عائلتي في دم أخاه السوري0
طفشوا جميعهم..ما عدا أخت لي تكبرني بعدة سنوات ما زالت تقاوم...كي لا تغادر حلب!!!0
أحد أخوتي هو في القاهرة...و هو قد فسد ضميره...من عشرة الفاسدين في سوريانا الجميلة0
لم تسطع ثروتي تقويمه...فهو قد تربى في سوريا كفاسد مع جوقة الفاسدين0
أخي الآخر...في ألمانيا...رجل أعمال ناجح ...و هو قد غادر سوريا منذ 25 عاما على الأقل0
أختر الصغرى (لاجئة في ألمانيا...و هي لا تطيقني (رغم كل خدماتي لها) لأنني ضد النظام و لأنني (كافرة) على حد تعبيرها0
لما أقول لك...كل مافي قلبي؟؟لعلي أريد أن أحمل معك وجعك الطويل0
من سيعوضك و يعوض سميرة عن أجمل أيام عمركما؟؟
ما القيمة التي حاربت أنت و أنا من أجلها؟؟؟
هل حقا يستحق هؤلاء البشر اللذين تبهدلنا و تشرشحنا و سجنا و إنتهكت أعراضنا..هل هم يستحقون تلك التضحية فعلا..سيدي الأستاذ؟
ها أنا أكفر الآن بكل القيم و الأخلاق...و لكن من ذا الذي يشق على قلبي!!0
حقا..أنا لا أعرف


3 - 3منا..يتعذب أكثر؟؟
ماجدة منصور ( 2017 / 8 / 15 - 07:33 )
ها أنا أحاول و بكل جهدي معرفة تفاصيل إختطاف سميرة و رزان...و لكن كل المعلومات التي استطعت الحصول عليها...متضاربة و متناقضة!!!!0
أرسلت دزينة رسائل لبشارالأسد...من أجل كل هؤلاء اللذين قتلوا و تهجروا و تبهدلوا و تشرشحوا0
أي جهة تستطيع التدخل في سوريا!!!! وكيلك الله...عم فوت بالحيط0
أتألم بشدة حين أكتب لك سيدي الأستاذ...هاهي دموعي تتساقط على اللابتوب الذي يرافقني 24 ساعة0
كيف نستطيع تحريك (قضية المختفون)في سوريا على مستوى دولي!!!!0
الحل الوحيد و الذي يبدو متاحا لي في أستراليا ...أن أذهب بالقضية الى محام (يهودي) فإن أي ضيم يقع على أي مواطن و خاصة إذا كان من (أقلية دينية) و يتمتع بالجنسية الأسترالية فإن أكفأ محامون يأخذون له حقه..هم المحامون اليهود...و لا أدري لماذا!!!0
نحن بحاجة الى (عولمة ) قضايا المختفين و المخطوفين في سوريا فهؤلاء هم أهلنا و إخوتنا و أحبابنا و أقربائنا و جيراننا...هذه سوريا..عشقنا الأول و مطرح الله0
لنخاطب ( أصحاب الضمير) إذا ما بقي في عالمنا العاهر...ثمة رجل يتمتع بالضمير0
فحين مات الضمير...مات الله في سوريا كلها...قشة لفة
باي


4 - رسائل للدكتور ياسين الحاج صالح
ماجدة منصور ( 2017 / 8 / 16 - 01:07 )
هذه سلسلة رسائل،،،يبدو أنها ستكون طويلة جدا،،، و قد أرسلت لموقع الحوار المتمدن الكريم أول رسالة لي اليوم...و لك مطلق الحرية بالرد عليها أو إهمالها..أو عدم الرد عليها..هذا شأنك د ياسين ..و لكني ساقوم بنشر تجارب حية و صادقة و ما زال بعض أصحاب هذه التجارب على قيد الحياة0
ربما..سأقوم بنشر اسماء..حين اللزوم0

اخر الافلام

.. بعد #الكوليرا... الدفتيريا يقتل 14 شخص في #اليمن


.. كيف تفاعل الإيرانيون مع بيان جامعة الدول العربية؟


.. غزة في صلب جلسات المصالحة الفلسطينية في القاهرة




.. نشرة الإشارة الثانية 2017/11/21


.. -المشهد- مع الصحافية حدّة حزّام