الحوار المتمدن - موبايل



مفهوم الصدمة النفسية بين المقاربة التحليلية والمقاربة النورولوجية السيكاترية

فوزية بن عبد الله

2017 / 8 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


مفهوم الصدمة النفسية بين المقاربة التحليلية والمقاربة النورولوجية السيكاترية
إن مفهوم الصدمة النفسية له جذوره العميقة منذ العصور الأولى ولعل ما يدل على هذا الكلام ،ما نجده في القصص الأسطورية القديمة وهذا ما توضحه الأسطورة الأفلاطونية التي تحدثت عن الجندي ER و الذي كاد أن يموت في أحد المعارك فقد بقي في ساحة المعركة وهو قريب من الموت وبعد أيام استيقظ ليحكي أن موته كان بسبب اصطفاءه من طرف الآلهة ليعود للحياة من أجل أن يكون شاهد على العالم الأخر هذه التجربة الصدمية تسببت في ظهور الهذيان عند ER، وفي العصور الوسطى فقد تواصل ذكر الصدمات النفسية في القصص والقصائد و الأغاني ، كما نجدها في أغانيRolend ، أما في القرن 14 و الذي تميز بالحروب الدينية نذكر حالة الملك شارلز بعد مذبحة سانت برتلاين ، الذي أصبح يظهر أعراض صدمية، كالهلاوس و الكوابيس المتكررة مع إعادة تكرار المشاهد. (بن عبد الله،2010 ،ص21 ).
أما في القرن 18 فقد ظهرت أعراض ما يسمى " La nostalgie "، عند الجنود الأوروبيين و اللذين يجبرون على هجر أسرهم من أجل الذهاب إلى القتال و لكن في ذلك الوقت كانوا يمنعون من التكلم عن مرضهم ولكن ما يلاحظ هنا هو أنه خلال القرن 18 أصبح لمفهوم الصدمة أهمية علمية وهذا نراه عند Pinel سنة 1809 الذي قام بوضع وصف عيادي للعديد من الحالات التي تعاني نفسيا بعد تعرضها لصدمة إنفعالية مرتبطة بأحداث الحرب حيث عرض 4 فئات إكلينيكية وهي "العصاب التنفسي ،العصاب الدوري، الهوس و السوداوية ،البلادة "،أما جراحوا الجيش النابوليوني فقد أطلقوا تسميةً Vent du boulet ً على حالات الذهول الحادة التي يظهرها المحاربون، وفي أواسط القرن 19 والتي عرفت حروب دامية كمعركة سوفيرينو والتي وصف هنري دينوت جرحاها على أن وجوههم كانت شاحبة وتظهر عليهم حالة من الذهول و الإرتعاش ، ليتوالى بعد ذلك الإهتمام أكثر بأعراض ما بعد الصدمة فلقد وجد كل منMandez Dacosta و Wier Mitchel Silas أن الشخص يظهر تناذر هيستيري ما بعد إنفعالي والذي يرافقه فيما بعد إضطراب عصبي إعاشي للضغط الناتج عن الحرب وبدوره قام Michelle في سنة 1862 بفتح مستشفى يضم 400 سرير من أجل التكفل بالمضطربين نفسيا حيث كان معظمهم يعاني من تناذر ما بعد الصدمة مع أزمات ذات طابع هيستيري. (Chorfi.M&Mezhoud.N,2006,P22)
أما في منتصف القرن 19 فقد عرف مفهوم الصدمة إهتمام أكبر، فتسمية العصاب الصدمي ترجع إلى الطبيب العقلي الألماني هارمن أوبنهايمHerman Oppenhaim(1888)، وهذا نتيجة لدراسة حالات تعاني من عصاب نتيجة لحوادث العمل، خاصة حوادث السكك الحديدية في هذه الفترة تكلم أوبنهايم عن الذعر الذي يؤدي إلى تغير دائم مصاحب بذكريات صدمية أطلق أوبنهايم على هذه الحالة إسم Sidérodromophobie » « ليمتد هذا التيار إلى كل من أوروبا وأمريكا ، وفي سنة 1898 بيار جاني كان أول من عرف الصدمة النفسية على أنها مثيرات مرتبطة بحدث عنيف والذي يضرب النفسية ويخترقها ويبقى فيها كجسم غريب هذا الجسم الغريب الذي يسبب فيها بعض الإختلالات في الوعي، إن الحدوث المفاجيء لهذا الحدث الذي سماه جاني ﺑ "الفكرة الثابتة "يبقى في ما قبل الشعور ويتجاهل الشعور وينتج مظاهر نفسية ونفسو حركية آلية وغير مكيفة كالهلاوس والكوابيس ، الفزع بينما يستمر ما بقي من الشعور في إرصان أفكار وأفعال مكيفة. Crocq.L ,2007,p7))،أما كريبلان،kraeplin (1890) فوصف عصاب الذعر الذي يشبه كثيرا العصاب الصدمي، غير أنه ليس من الضروري أن يكون المصاب بهذا المرض هو من تعرض للحادث و لكن يمكن أن يكون من شاهد الحادث، أما شاركو Charcot(1889) فقد أكد أن الهيستيريا الذكرية أصلها يرجع دائما إلى أصل صدمي. (Chorfi.M&Mezhoud.N,2006,P23).
حاليا يتجاذب مفهوم الصدمة النفسية بين تيارين أساسيين هما التيار التحليلي الدينامي والتيار البيولوجي السيكاتري، الذي يمثله الدليل التشخيصي الإحصائي الرابع للإضطرابات العقلية الصادر عن الجمعية الامريكية للطب النفسي، ففي النصف الأول من القرن 20 كان المحللون النفسيون هم الذين تقدموا في الأعمال حول الصدمة النفسية ومفهوم العصاب الصدمي، أمثال أبراهام،Abraham و فرنكزي،Ferenczi خلال الحرب العالمية الأولى و فرويد Freud بين الحربين فأبراهام و فرنكزي هما الأولان اللذان قالا بالجرح النرجسي الذي تسببه الصدمة أما فرويد فقد أعطى نظرة إقتصادية من أجل تشبيه ما سماه "الإختراق الصدمي " "Effraction traumatique "،كما عارض بين الذعر والقلق، فالقلق يهيأ الموضوع لمواجهة الخطر وحمايته من نتائج خطيرة، أما الذعر فهو علامة لعدم تهيأ الموضوع لمواجهة حدث قصير وعنيف وهذا ما يجعله يعيش في إندهاش وشعور بالهجران فالتكرار علامة على أن مبدأ اللذة لا يعمل وأن الجهاز النفسي لا يستطيع تفريغ الإثارات التي تؤدي إلى التكرار، حيث تكون الميكانزمات العصابية غير قادرة على إحتواء الإثارات المهددة لكلية الأنا، فتفرغ هذه الإثارات بصورة تكرارية وهذا ما ينتج السلوكات الهستيرية وتوهم المرض. (Freud,S,1920).
اعتبر فرويد تناذر التكرار على انه ما هو إلا عامل مستقل يدل على الصراع بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع، فوراء المعاناة بحث عن اللذة، فلقد إعتبر فرويد قهرية التكرار ، كإتجاه نحو توقيف كل الإستثمارات وتعارض لوظيفة الأنا أي محاولة هيمنة نزوات الموت، فالتكرار و الكوابيس هو علامة على محاولة التحكم في الإثارات و إعاد إظهار القلق الغائب عند حدوث الحدث الصدمي. (Damiani.C, Fradin.MP ,2006,p2)
أما لويس كروك فيعرفها على أنها "ظاهرة إختراق للنفسية وفيض للدفاعات عن طريق مثيرات عنيفة تابعة لحدث عدواني مهدد للحياة أو الكلية النفسية والجسدية للفرد والذي يتعرض لهذا الحدث قد يكون بصفته ضحية، شاهد أو فاعل" (Crocq.L ,2007,p7).
إذا فالنظرة التحليلية تنظر للصدمة النفسية على أنها إختراق للنفسية ناتج عن حدث خطير ومهدد للكلية النفسية والجسدية فالصدمة تخترق مجموع طبقات التنظيم النفسي تؤدي إلى إعادة التنظيم بتغذية عناصر عصابية وهذا ما أطلق عليه كروك (Crocq.L,1999 )إسم الشخصية الصدمية العصابية.
أما بعد حرب الفيتنام بعشر سنوات، أطلق الأطباء الأمريكيون على العصاب الصدمي تسمية جديدة وهي اضطراب ضغط ما بعد الصدمة،Post-traumatic-stress desorder و بذلك يظهر التوجه النورولوجي البيولوجي لتفسير الصدمة النفسية ليأخذ مفهوم الضغط مكان الصدمة النفسية، إن كلمة ضغط و التي تعني سلوك معدن تحت الخضوع إلى قوة ضغط ، تبنى Selye هذا المصطلح سنة 1950 لدلالة على ما يسمى ﺑ ًالتناذر العام للتكيفً ، أو الإستجابات الفيزيولوجية للعضوية أمام إعتداء مهما كانت طبيعة هذا الإعتداء فالضغط عند سيلي هو إستجابة لإثارة فزيولوجية ونشاط هورموني. Swendsen.J&Graziani.P,2005 ,P23) (.
فالتناذر العام للتكيف يضع العضوية في حالة دفاع فإذا حصل تجاوز في هذه الإستجابة يحصل هناك كضر أين تصبح الإستجابة نفسها ضارة، فإذا كانت الإستجابة المكيفة للمثير الخارجي لم تستطع إمتصاص الصدمة أليا، يحدث فشل وهنا تتجاوز الإستجابة وبذلك يتجاوز الضغط الذي يثير حالة من الضرر والتي تتطور إلى حالة مرضية حادة مع جدول إكلينيكي خاص تحت تسمية اضطراب الضغط ما بعد الصدمة ،هذه الوحدة الإكلينيكة التي حدد DSM-IV أعراضها ، في تعرض الشخص لحادث صدمي حيث يكون الشخص الذي عاش الحدث الصدمي شاهد أو واجه حدث أو مجموعة أحداث مات خلالها أشخاص أصيبوا بجروح خطيرة أو كانوا مهددين بالموت أو بإصابة خطيرة أو كان هو أو غيره في حالة تهديد، حيث تتميز ردة فعل الشخص إتجاه الحادث بـ "الخوف الشديد، شعور بالعجز أو الرعب، إعادة معايشة الحدث الصدمي عن طريق ذكريات متكررة تجلب الشعور بالكضر ومرتبطة بصور حول الحادث، أفكار أو إدراكات حول الحدث الصدمي او أحلام متكررة متعلقة بالحدث الصدمي والتي تجلب إحساس بالكضر، إنطباع مفاجيء بعودة حدوث الحدث الصدمي، شعور شديد بالكضر عند التعرض لمؤشرات داخلية أو خارجية تستدعي أو تتشابه مع خصائص الحدث الصدمي، معاودة مظاهر الاضطراب الفسيولوجي عند التعرض لأحداث ترمز للكارثة أو تذكر بها، التأكيد على تجنب مثيرات مرتبطة بالحدث الصدمي ، ظهور إضطرابات عصبو إعاشية" .
نجد هنا أن الصدمة النفسية أصبحت عبارة عن إستجابات بيولوجية وفسيولوجية دون أخذ بعين الإعتبار المعاش النفسي أو البعد الثقافي للمصدوم، وإذا كنا نتكلم هنا عن حالة الضغط ما بعد الصدمة فهذه التسمية ليست لها دلالة إزمان بل تقتصر على إستجابات فسيولوجية قصيرة المدى، فالفرق بين اضطراب الضغط الحاد و اضطراب الضغط ما بعد الصدمة لا يكمن إلى في مدة بقاء الأعراض التي يحددها DSM-IV ما بين يومين إلى أربع أسابيع بالنسبة للأولى، و أكثر من شهر بالنسبة لاضطراب الضغط ما بعد الصدمة، إذا فالتحدث عن وجود صدمة نفسية يقترن بإستمرار بأعراض الضغط الحاد على المدى الطويل وهذا ما أدى إلى وجود غموض وتداخل بين التسميتين ما جعل العياديين التحليليين يتمسكون بتسمية العصاب الصدمي غير أن ظهور حالات ذهان سجلت في العيادات بعد التعرض لحدث صدمي و تفاديا للإستخدام كلمة ضغط الذي يعتبر الكثير من الباحثين أن دلالتها لا تنطبق و مفهوم الصدمة النفسية و وجود غموض في حدود إستخدامها، فضل بعض الباحثين من أمثال كلود باروا1988 إستخدام مصطلح تناذر ما بعد الصدمة.

المراجع :
1 – بن عبد الله فوزية،دراسة شخصية المدمن على المخدرات كإستجابة للصدمة النفسية، رسالة ماجستير غير منشورة ، الجزائر،2010 .
2-Américain Psychiatrique Association , DSM-IV-TR :Manuel
diagnostique et statistique des troubles mentaux, Texte Révisé, Masson, Paris , 2006.
3-Barrois, C ,les névroses traumatiques ,le psychothérapeute face aux détresses des chocs psychiques, Paris , Dunod .
4-Chorfi. M& Mezhoud. N, Type de réaction post-traumatique suite à une catastrophe naturelle, Mémoire de Magister ,Université Mentouri ,constantine , 2006.
5-Crocq.L, Traumatisme psychique : prise en charge psychologique des victimes , Masson , Paris , 2007.
6-Damiani.C, Fradin.M ,Traumaq , manuel .ecpa ,Paris,2006.
7-Freud.S, Au dela du pr incipe de plaisir (1920), Traduit par Jankélévitch.S, Université du Québec ,Chicoutimi , version numérique, 2004.
8-Janet, P, Névrose et idées fixes, Paris, Alcan.
9-Swendsen. J&Graziani. P , Le stress : Emotions et Stratégies d’adaptation Armand Colin , 2005.







اخر الافلام

.. نحو 6.5 مليون سوري يواجهون انعدام الأمنِ الغذائي | الليلة


.. البث المباشر لسكاي نيوز عربية


.. واشنطن وطهران.. انتقادات وتهديدات متبادلة




.. الحصاد-سوريا والقوات الأميركية.. الجبير ينطق عن الهوى


.. الحصاد-ذكرى استعادة سيناء.. صعوبات إنسانية وأمنية