الحوار المتمدن - موبايل



المثالية

صيقع سيف الإسلام

2017 / 8 / 15
الادب والفن


من « سافين » إلى « روسمان » :

أفتتح رسالتي هذه لك يا صديقي روسمان بمختصر العبارة ، ذلك أني في ضائقة مالية حاطت بعنقي تأبى أن تبارحه ، بل تزيد في ضغطها يوما إثر يوم ، كأنني في صراع لا انفكاك منه إلا انفكاك الفريسة بعد سقوطها تحت رحمة أنياب السبع ، وإني لمدرك لقوة المحبة بيننا ، فلا داع لمثل التطنيبات الزائدة ، خصوصا مع شخصية عقلانية تشبهك يا روسمان . الحق أيضا أنني سأنقل لك رسالة إبنتك الجامعية كذلك ، اكتفاءا بمالها التي وضعته عندي ، هكذا ستعلم درجة الإفلاس الذي ما برح يزورني ، ثم قرر الخلود عندي ، فتبا تبا ، وإني هنا سائلك عن عشرة آلاف أسدد بها ديني وأقوم بها حاجاتي ، كي أعيدها لك ما إن تسنح الفرصة ، وإنها لسانحة قريبا ، لا شك في ذلك ، و أنت ممن يعلمون مهاراتي في المقامرة ، غير أنني موضح لك أسباب الإفلاس لتنصفني ، بدل أن تنعتني بالمهمل مرة ، أو حتى تنعتني بوصف تمنيته لنفسي على سلبيته ، وصف المفلس ، بيد أن حالي لا يعدوا من الإسراف إلا مضغ حساء سائل ، ولك أن تتخيل حساءا يمضغ ؟ .
إنني كما أبلغتك في رسالتي السابقة ، مقبل على نشر كتابي الأول ، و في نيتي التقدم لخطوبة الآنسة كاثرين ، المنحدرة من سلالة النبلاء ، و التي تملك مالا وفيرا ، يمكنه سد كل ديوني المتهافتة على رأسي ، غير أن طبيبي النفسي وعظني بكلام سخيف موحيا أن « المثالية » هي مرض نخر في عظامي و اختلط بدمي . . . ها أنا محدثك كيف ؟ ..ثم احكم بذاتك ... :
استغرقتني الصفحات الأولى من الكتاب سهرة كسهرة فرانز كافكا ساعة تأليفه لــ«الحكم» ..من العاشرة مساءا إلى بزوغ ضوء الفجر ، غير أنني سرعان ما عدلت عن كل تلك الكلمات ، أمزقها بتمزيق الورق ، مع حالة من اليأس تقهرني ، و لم أجد تفسيرا لحالتي تلك إلا أن أقول : إنني ومع كتابتي لأي عبارة ، أشترع بها مشواري ، حتى أعتبرها فارغة سخيفة لا تليق بحق من له نصف دماغ ، فقد كتبت في البدء :« إن الشيء الوحيد الذي يفوق الموسيقى هو الحديث عن الموسيقى ، و في الليلة الماضية كنت على وشك أن أقول الكلام ذاته عن الأدب .لكنني ترويت قليلا ، فالواقع أن الشيء الوحيد الذي يفوق الحديث في الأدب هو صناعة الأدب الجيد » ... أنت تعلم أن الكلمات هذه تخص الأديب غارسيا ماركيز ، ليست لي ، و لن أنقل لك عبارتي التي افتتحت بها قبل اقتباسي لماركيز ، ستضحك أؤكد لك ، ستضحك برغم أنك لست صاحب حس فكاهة ، نعم ستضحك أنا متأكد، فاذا كانت كلماتي ناقصة وهشة لا تجرؤ أن ترقى لمستوى كلمات غارسيا ، فهي مشوهة ملصقة ببعضها كأنها قطع مسروقة من هنا وهناك ، لا تعنى إلا صورة ضبابية تعكس جهل قائلها أكثر من حذقه . قل لي ولنغض الطرف عن ذاك الاقتباس ، قل لي هل صناعة الأدب الجيد تتمثل في عفوية في الكتابة ، أنبهك ، لا أبدا يا روسمان ، إن صناعة الأدب الجيد تأتي في اختيار كل كلمة بحجمها ، كل معلومة بموقعها ، كل فاصلة ، كل نقطة ، كل شخصية بحقيقتها الواقعية .
أنا متأكد من أنك رأيت فنانا يخلق الحياة في قطعة من قماش أو ورق ، إنك تستغرب لدقة أحدهم ، يرسم خطا صغيرا بأربع ريشات مختلفة ، حتى يحصل على الانطباع المناسب الذي يريده ، إن الأدب كذلك مقامه في الدقة لا ينقص عن هذا ، فإذا كنت أنا سافين لا أعرف للكلمة حجمها و دلالتها و الصورة التي يجب أن تأتي عبرها ، لا أدري المعلومة أين موقعها بالضبط، بل أكثر من التنقيحات والتغييرات علامة على التيهان و الضياع ، لا أدري ما تنطق به شخصياتي ، هو مجرد ما يأتيني على الخاطر ، ولو سألني ناقد محترف عن سبب هذا القول أو سبب تلك الحادثة لالتوى لساني داخل فمي عاجزا عن الإجابة . . .أنا لا أريد إلا أن يكون كل شيء بتمامه ، بنيان مرصوص متماسك ، كمهندس فنان خلق عمارة بمراعاة أدنى التفاصيل وأتفه المقاييس ، لا مقاييس الأمتار ، بل مقاييس الميكرو متر إن لزم ، و ما عليك إلا أن تسأل القامات التي لا يشق لها غبار في مختلف الفنون ، كلهم يعانون من ضائقتي النفسية هذه ، باحثين عن المثالية ، وهل انتحر دافنشي إلا من أجل رؤيته لأعماله أنها لا تليق بالوجود ، يعتبرها ناقصة مخذولة مهزومة . . . هذا الطبيب الذي يهرف أنني مريض بالمثالية ، هو نفسه لا يدري أنه مريض بها ، هو فقط بدل مسارها ، لا شك أنه حينما حكم علي بمرض المثالية كان ينظر لحكمه أنه مثالي لا تشوبه شائبة ، فاذا انتقص حكمه و غابت عنه ملامح الدقة والبراعة ، تجده مرعوبا مثلي ، مرعوبا مكسور البال ، يريد اصلاح تلك النقيصة الصغيرة ، بل الصغيرة جدا ، كأنه نحات برع كمايكل أنجيلو ، لما فرغ من النحت ، إذا بأنف التمثال قد تشقق ، فما أبعث هذا التشقق للرعب و الخذلان في نفس ذلك النحات ، ليس هذا فقط ، فقد نظرت لتلك العبارة المضحكة التي كتبتها ، إنها تفتقر إلى اللازمانية و العالمية ، حيث وجدت في تلك العبارة المضحكة أنها محلية مغرقة في المحلية بقدر ما تبدوا عامة شاملة ، ما على الفطن الثقف إلا أن يزيل الستار بعقله ليجد الأسباب السيكولوجية و البيولوجية التي جعلتني أختار تلك الكلمات المضحكات دون غيرها ، هي في النهاية عبارة تعالج شيئا محدودا ضئيل المساحة في الساح البشري الحالي فكيف بساح البشر عبر التاريخ الماضي و عبر المستقبل الحديث ، إنه على المؤلف البارع أن يرشق حروفه بأسلوب يعلوا على الزمان و المكان ، فإذا وضعناه في أي منطقة كان مناسبا له كمناسبته لبقية المناطق ، لا المناطق الجغرافية فحسب ، كذا المناطق العقلية و الفلسفية و غيرها ، حتى يبلغ به المآال أن يقرأ له القديم الغاص في القدم فيتأثر ، ويقرأ له القادم الغاص في المستقبل فيتأثر ، هذه هي شروطي في الكتابة ، وأنت قد أدركت الآن يا روسمان أنني مسحت كل شيء كتبته لأنه غير مثالي ، لا يحقق الشروط اللازمة ، ولو أنني الآن أرغب في محو كلمات هذه الرسالة ، إلا أن ديوني تفرض علي بعثها ، فما حيلة العبد و الأقدار جارية ، هنا تكون قد فهمت لماذا لم أجني مالا من وراء نشر كتابي ، لأنه لم ينشر بدءا .
و قبل أن أستوضح سبب عزوفي عن خطبة كاثرين ، أبين أولا معنى المثالية التي أربوا إليها ، هي ليست تلك التي نجدها من جميع الجوانب و الجهات كاملة لا خدش فيها ، كأنها من صنع الرب عينه ، لا إنها فقط شبيهة بكمالية ومثالية الإنسان المثالي ، دعني أستوضح مجددا يا روسمان ، مثالية الإنسان هي غير مثالية الرب ، برغم التواطئ على هذه المفردة ، إن المثالية الإنسانية هي الكمال بعين الإنسان ، في نفس الوقت هي مخدوشة ناقصة دون مثالية الرب ، وهذا الذي لم يفهمه طبيبي النفسي برغم إيمانه الداخلي بالمثالية الإنسانية ، إيمانه الداخلي الذي يجهله ، وكيف نفسر السعي البشري نحو المثالية ، الجهود المبذولة من أجل تحقيق شيء ما نجهله ، ما هو ؟ ... لا لم نعد نجهله هو المثالية الإنسانية ، المثالية في : صنع أدب رفيع ، اكتشاف نظرية كل شيء ، سمفونية إلهية ، خمور معقرة ... الخ ...بهذا النحو أنا مثالي مغرق في الكمال ، هو شيء يمكن تحقيقه على عسورته وصعوبته ، أما فيما يخص كاثرين فقد جرت الأمور على هذه الشاكلة :
انتهى الموعد على أحسن ما يكون ، وكم كانت كاثرين مأسورة بي و بقدر الرومنسية التي أتمتع بها ، إلا أنها كانت جاهلة بأمراضي النفسية الكثيرة ، فأنا أعاني انفصام الشخصية ، وكل شخصية تعلم الثانية ، بينهم وعي مشترك ، لعل هذا الإنفصام مرهق لصاحبه أكثر من الإنفصام العادي . المهم أنني وبعد انبهاري بكاثرين ، كما كانت منبهرة بي ، رقصنا السالسا على ضوء الشموع الحمراء في ليلة قمرية ، نتغازل بأشعار شكسبير وبوشكين ، نناقش أحلامنا المستقبلية بكل شوق و اشتياق ، و مما أعجب به كلينا هو مقدار الانفتاح و العمق في الفهم للوجود ، حينذاك عدلت عن عقيدتي الأولى في اختيار الفتاة الطيبة على الفتاة الذكية كما صنع دستويفسكي مع آنا ، كما كتبت آنا في مذكراتها ، كله مما أرتني إياه كاثرين الفاتنة ... ثم سرعان ما تغير موقفي في نفس الليلة بعد افتراقنا ، بعد أن سرحت بي الأفكار حول الأشياء التي تنتظرنا في قابل الأيام ، وما جدوى هذا الارتباط ، بل طرحت سؤالا ثانيا : ما الذي سيغيره هذا الارتباط ؟ ..هل هو ديوني أم شيء آخر ، على الرغم أنني أفكر بهذه الطريقة الموحشة ، نعم إنها لموحشة ، لكنني كنت أكن لكاثرين كل تلك المشاعر ، لم يتغير منها شيء ، إن أحد شخصياتي المنفصمة انطلقت تعدوا فاستيقظت من مرقدي ، أقلب عن ورقة وقلم حتى ظفرت بهما ، حينذاك بدأت في كتابة الرسالة التي بها انتهت علاقتي مع كاثرين ...كتبت :

« آنستي كاثرين ، آسف على هذه الكلمات الحزينة التي أبثها إليك في هذه الساعة المبكرة ، على أننا افترقنا منذ ساعات قليلة فقط ، لم يزرني النوم ولم تطرف جفوني لحظة حتى برز أول شعاع يصل من رحاب الفضاء إلى نافذتي ... آنسة كاثرين أظن أن علاقتنا لن تجدي نفعا ، صحيح أن كلينا مغرم بالثاني لكن تأملي معي حال فروكس و وزوجته ماري ، هما كذلك كانا مولعين ببعضها البعض ، و لن يكون منحى حياتنا إلا نسخة عن منحى حياتهما وحياة من سبقهما ، إننا في بادئ الأمر سنفرح الفرح الشديد بخطوبتنا ، فنحضر المحافل الثقافية ، ونتعرف على شخصيات جديدة من نبلاء المنطقة ، ندغدغ غرورهم بمعلومات الكتب التي قرأناها ، نخفي ملامحنا التي نكون عليها حقا في غرفنا أثناء خلوتنا ، ثم نخرج من تلك المحافل أودعك بقبلة على ظهر يدك كفارس لبق ، و نفترق بعدها كل من يشعر بسعادة عارمة ، سعادة أنك كخطيبتي أفضل من زوجتي ، فحال كونك خطيبتي يبقي فرصة خسرانك أو على الأقل هو مستوى متدنى في سلم ملكيتي لك ، هكذا سأحرص عليك حرص الصباغ على ذهبه وماسه ، حتى إذا تزوجنا و قمنا بدعوة الجميع ، حينذاك بات كل منا يملك الآخر حتى يفتر شيء من الحماس ، لكن لازالت ذخيرته جيدة ، فهناك سأكتشف مزيدا عنك و أنت مزيدا عني ، كله بشوق كقراءة كتاب ملهم عميق ، فاذا انتهينا من قراءة الكتاب المهم العميق وصرنا نكرره ، لا عجب أن نمل منه ساعين في نيل غيره ، هو الأمر كذلك بيننا ، سنقرأ كتبا معا ، ونتغزل بأشعار ، ندرس الفن و الموسيقى ، حتى الطبخ الفرنسي ، ثم بعد هنيهة تبدأ التصادمات ، سيأتي ذلك اليوم الذي أكون اقرأ فيه شيئا يسلب أنفاسي ثم تقاطعينني بما أعتبره تفاهة فأستنكر دعوتك ، ثم سيأتي ذلك اليوم الذي تكونين فيه متحمسة لعمل شيء ، حماس الأطفال المراهقين ، أقابله ببرودة لعدم اكتراثي به ، سأمثل أنني مثلك ومعك ، سأكون أحبك فهذا لن يتزعزع. الشيء الذي يهتز كيانه و تسقط أعمدته ليس الحب ، بل هو شيء يسقط فوق الحب ، يبقيه تحت الأنقاض مما يبعده حتى ننساه ، كي نظن نهاية أننا لا نحب ، كأننا فرونسكي و آنا كارنينا في رواية تولستوي ، حتى إذا ظفرنا بالأطفال ، تبدلت حياتنا كلها ، ستقل الرومنسية وستذهب تلك الهوايات رويدا رويدا ، ستقولين يوم الإثنين وهو اليوم المذي خصصناه لتعلم اللغة اللاتينية ، ستقولين أنه عليك زيارة المعلمة المختصة لتأتي بها لابننا سام ، أما مساء الجمعة وهو الوقت المخصص لك حتى تدربيني على نسخ اللوحات العالمية ، سأتعلل لك بأن أحد اساتذة المعهد وهو بروفسور متخصص قد دعاني لنتناقش حول نظريته الجديدة ، يطلب رأيي ولا يمكن أن أرده ، أما في موسم الصيف والذي دأبنا في العامين الأوليين أن نغادر فيه البلد إلى بلدان ثانية ، هذه المرة كانت اسنطبول تركيا ، هناك لم أستطع أن أتحمل النفقات التي من جانبي غير أنك كنت مستعدة بنفقاتك أنت للسفر ، فاختلفنا و اتهمتني أنني مهمل لا أراعي إلا نفسي ، لا أفكر في سعادة العائلة ، كان أول عراك لفظي نعيشه ، هكذا صرنا شيئا فشيئا نتجه نحو علمانية شاملة في منزلنا ، و كما دأبنا أن نقوم بدعوة الأصدقاء من الطبقة المثقفة و التي تشبهنا ، هناك تساءلت أنت عن جاك صديقي الذي كان يفوقني ذكاءا و معرفة ، وكم كان حديثه مغريا لك عن جميع تلك الإنجازات التي قام بها ، حينها فكرت للحظة ،بل لحظات ، في نفسك : ماذا لو تزوجت جاك ، هل كنت سأصير سعيدة ؟ أو : هل كنت سأكون أسعد ؟ ...في الجهة المقابلة كنت أملك نفس الأفكار عن سينثيا ، لم يفتني أن ألاحظ سرعة بديهتها و خططها البارعة و القدرة الأبرع في جعلها حقيقة على أرض الواقع ، لم يفتني أن أتغزل بها ببعض الجمل ، من قوة سيلان الأفكار التي تصب في قالبها الذي خلقته في ذهني ، حتى لم يفتني أن أن أتلذذ بخصرها ..لكن هذا كله ولم نشاهد تتمة المسرحية ، دوما ما يكون في الشخص نقيصة حادة يصعب عليه معالجتها مقارنة مع بقية النقائص ، هناك من نقيصته : الهوس الشديد ، التعلق القاتل،البحث عن الدسائس و التفاصيل المرهفة ،الطمع في المال،السأم و الملل السريع ، تقلب المزاج ، كتم الأسرار بصفة مبالغة ولو التافهة منها ... الخ ... قطعا أنا سافين أمتلك نقيصة من هذه النقائص الحادة ، قطعا أنت كاثرين تمتلكين نقيصة من هذه النقائص الحادة ، و لا ريب أن تأتي نقائصنا لتقضي على اشياء جميلة جدا ، لنقل أنها الهوس الشديد ، نقيصتك، بما أننا ذكرنا رواية تولستوي ، هوس آنا كارنينا الشديد بفرونسكي وبأدق تفاصيله ، مع مقابلته لتصرفها هذا بالتجنب واللامبالاة ، حتى انتحرت في الأخير ، إن هوسك المبالغ فيه بكل تفاصيل حياتي على رغم زواجنا ، خلق لي نفورا منك ، لا أن في التفاصيل ما يثير الريبة ، لكن مجرد المطالبة بها يسممني ، حتى أكثرت من ترك البيت ، لا أفرط إجتماعا ولو صغيرا حتى أنخرط فيه ، ابتعادا مني عن تلكم المساءلة الرهيبة ، هذا كله فاقم من مشاعر القلق لديك ، كيف لي أن أبتعد عنك ؟ ، هو سؤالك الحاضر على لسانك ... لتكن نقيصتي السأم والملل السريع ، فلا موهبة جئتي يا كاثرين لتحدثيني بها أو تعلمينني إياها أو تطلبين احترافيتها على يدي ، إلا مللت سريعا ، باحثا عن شيء جديد أنعش به حماسي الذي فتر و انهارت قواه ، كعلكة أطال من لوكها زمنا كثيرا ، فلم ننهي شيئا معا ، ولا حتى مسرحية مدتها ساعتان ، قمت دون أن أنهيها رغبة في أمر آخر ، هذا اثار حنقتك جدا ، حتى كففت عن مشاركتي أي شيء من رغائبك و هواياتك ، حتىى تساءلت عني أين كان هذا مختفيا في مرحلة خطوبتنا ، هذا القرف و الشر في التبديل و الانتقال بدل الثبات و الاستقرار ، كل هذا يمر حتى آل بنا الوضع أن لا نجتمع إلا على طاولة الأكل ، نودع بعضنا فقط أيام ذهابنا للعمل ، ببساطة خسرنا الذوبان و الفناء في كيان واحد وروح واحدة ، هذه هي معادلة انهيار العلاقات يا غاليتي كاثرين ، بيد أنه يجب التنويه إلى قضية كل هذه النوازع التي ذكرت والتي لم أذكر ، أن جميع العائلات تمر بها ، ويتجاوزونها ... لا ، هم لا يتجاوزنها بل يتعايشون معها وفرق بين التعايش مع الشيء ، و بين التغلب عليه و التجاوز باقتحام عقبته ، حيث هناك ثلاث أنواع من العائلات ، العائلة الضحلة والتي يكون أفرادها قليلي الثقافة و قليلي التوسع في الحياة ، هؤلاء يعيشون كل تلك الأمور التي ذكرتها عني وعنك يا كاثرين ، غير أنهم يتقبلونها و يمضون حياتهم كأنها غير موجودة ، هؤلاء تعساء في الأخير وقبل الأخير ، هناك أيضا العائلة الوسط وهي التي يكون أفرادها على قدر من الوعي و الذوق العالي ، غير أنه ذوق قاصر وغير كاف ، لم يبلغ نضجه التام ، فتأتي تلك التجارب التي مررتها لك في هذه الرسالة لتجعل من هذه العائلة الوسط عائلة تعيسة أكبر التعاسة ، حتى أكبر من تعاسة العائلة الضحلة ، و من مواصفات هذه العائلة الوسط أن أفرادها يسعون بما لهم من وعي مرتفع و ذوق فني حساس ، قلت يسعون لبلوغ المثالية ، لكنهم يعجزون دونها لأسباب قد يكون من بينهما ، أن أحد الزوجين مثالي و قادر على خلق حياة مثالية في حين شريكه غير مثالي مما يكسر السلسلة و تتحطم الأفكار و الأحلام ، أنا وأنت يا كاثرين من هذه العائلة الوسط التي ستكون تعيسة ، شديدة التعاسة ، فأنا باحث عن المثالية ولم أظفر بها ، أبحث على ان تكون الأشياء جميعها في سياقها كاملة ، الكمال الذي يأتي من النضج، فلا أفكر في سينثيا ولا تفكرين أنت في جاك ، لا تكون نقيصتي السأم السريع ، ولا نقيصتك الهوس الشديد ، و التفكير في الشيء الكامل المثالي دون بلوغه هو ما يجعل علاقتنا صعبة جدا يا كاثرين ، كمتسلق جبل ماهر ، لكن مهارته لا تبلغه قمة الجبل فيتهاوى ساقطا ، فتخيلي سقطته كم هي موجعة ، أنا سافين ذاك المتسلق الماهر ، لكنني أيضا سأسقط ، على الأقل بما أملك من نضج الآن ، أخيرا العائلة المثالية و هي التي تكون بين زوجين مثاليين ، على طراز مقولة دستويفسكي :« لم أخنك حتى في الذاكرة » ، هي العملة النادرة التي قل نظيرها ، فأنا رحيم بك يا كاثرين قبل أن أرحم نفسي لذا كان هو ذا قراري . . . سأكون كاذبا لو قلت أتمنى لك حياة موفقة ، سأقول فقط اعتني بنفسك »
.
هذه يا روسمان هي رسالتي إلى كاثرين ، و من جديد يبرز لك ، كيف فقدت الأموال التي كانت ستسدد ديوني الباهظة ، إني فقط خائف بل أضحك على نفسي ، أن كاثرين قد تعجب برسالتي وتجد فيها وعيا لا يتوفر بسهولة فتقبل الزواج بي رغم كل ذلك ...حقا أمر يثير الضحك و الخوف في صدري ...وأنا آسف لأنني لا استطيع نقل رسالة ابنتك ، فلا أملك من المال الآن بعدما كتبت كل هذا ، لم أعتقد أنني سأفصل بهذا الشكل ، يبدوا أن نقيصتي هي الهوس بالتفاصيل هاه ...المهم أنني عاجز عن اضافة رسالة ابنتك لعدم كفاية المال الذي بحوزتي ، فأتمنى استجابتك في أسرع وقت بارسال العشرة الآلاف التي طلتبها ........صديقك المخلص « سافين »







اخر الافلام

.. بيروت.. أفلام قصيرة طامحة للأوسكار


.. إبراهيم نصر يكشف عن دوره في فيلم «الكهف»: أنا تُرَبِي


.. إقبال كبير من الكوريين الجنوبيين على تعلم اللغة العربية




.. ست الحسن - أول ظهور لـ ريم أحمد مع زوجها الفنان طه خليفة ..


.. الفنانة ميار الببلاوى تودع -محمد متولى- بالدموع