الحوار المتمدن - موبايل



«أصيلة» وفضاء الإصلاح والتجديد

عبد الحسين شعبان

2017 / 8 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


«أصيلة» وفضاء الإصلاح والتجديد


عبد الحسين شعبان
يصعب الحديث عن الإصلاح والتجديد في العالم العربي من دون تناول المجال الديني، وهذا الأخير يشمل الفكر، والوسائل، والأدوات، والقوانين والأنظمة، والتربية، والثقافة، والوضع الاقتصادي والاجتماعي، بل كل ما له علاقة بالتنمية البشرية المستدامة، التي هي منظومة متكاملة ومتداخلة، بحيث لا يمكن إهمال أو تأجيل جزء منها، لأنه سيؤثر في الأجزاء الأخرى، لترابطها وتفاعلها، وإنْ كانت درجة تطور أقسامها متفاوتة.
ولأن موضوع المجال الديني حسّاس، ومتميّز جدّاً، فإن المقاربة ستكون حسّاسة ومتميّزة أيضاً، لاسيّما إذا انصرف الأمر إلى الإصلاح والتجديد الذي يتعلق بالعقائد، والموروثات، والعادات والتقاليد، وما استقرّ عليه المجتمع وترسّخ في وعيه لدرجة التقديس أحياناً.
وكانت «جماعة أصيلة» التي يرأسها محمد بنعيسى مدركة جداً لمثل هذا التشابك، بما فيه من مُدخلات ومُخرجات، وإمكانات وعقبات، حين خصّصت الندوة الأساسية لمهرجان «أصيلة 32» لبحث ومناقشة «الفكر العربي المعاصر والمسألة الدينية»، بالمرور على أنماط التديّن الجديدة، وخلفياتها الثقافية والاجتماعية، مثلما توقفت عند الخطاب الفكري الإسلامي الراهن باتجاهاته وتوجّهاته، إضافة إلى بعض المقاربات التأويلية والعملية الجديدة لتمظهراته، خصوصاً بالإطلالة على مسألة «العيش المشترك» التي استغرقت حواراً مفتوحاً يخصّ الدين والدولة والمجتمع وما له علاقة بالحقوق الأساسية مثل: الحق في الحياة والحرّية والمساواة والعدل والشراكة والمشاركة، وهي اللبنات الأساسية التي لا غنى عنها للمواطنة المتكافئة.
ويحتاج الإصلاح مثلما هو التجديد، في المجال الديني إلى رؤية وإرادة وشجاعة وأدوات وحوامل اجتماعية تستطيع تحمّل المسؤولية، ولاسيّما حين تتوفّر بيئة مناسبة وظرف موضوعي مساعد. أي أنه باختصار، لا بدّ من توفّر شروط معينة ذاتية وموضوعية مناسبة لتحقيقه. وقد يتوفر الشرط الموضوعي لكن الشرط الذاتي يكون غائباً، أو غير مهيأ، والعكس صحيح أيضاً، حين يتوفّر الشرط الذاتي ولم ينضج الظرف الموضوعي.
فمن الناحية الذاتية قد لا تتوفّر قناعات للإصلاح والتجديد، أو أن هناك خشية منه لأنه يتعارض مع المصالح والامتيازات، إضافة إلى الخوف من «العامة» أحياناً، لأنه سيعارض ما ترسّخ لديها من مفاهيم ومعتقدات استقرت مع مرور الزمان، بحيث أصبحت «تابوات»، وهي أقرب إلى «مقدسات»، ولهذا فإن أي مساس بها قد يثير ردود أفعال لا تحمد عقباها، إضافة إلى أنه قد يلقى مقاومة من جانب القوى التقليدية باعتباره يخالف المألوف لدرجة يمكن تفسيره باعتباره بدعة، «وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، وبهذا المنطق يدافع أصحاب الفكر التقليدي عن القديم حتى إن كان بالياً.
وقد حاولت حركة النهضة من الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي والكواكبي والتونسي، وصولاً إلى طه حسين، إصلاح المجال الديني وإسباغ سمة العصر عليه، لكنها اصطدمت بعقبات وتحدّيات كثيرة رسمية ودينية واجتماعية. ولا شكّ في أن مثل صدمة الاستعمار قبل قيام الدولة الوطنية وصدمة ضياع فلسطين (النكبة 1948 والنكسة 1967) اللتين مرّ بهما الفكر العربي المعاصر، تركتا أثراً سلبياً في تطوّره بما فيه الجزء المؤثر فيه، ونعني به المجال الديني، ويمكننا أن نضيف إلى ذلك صدمة «الحرب العراقية - الإيرانية» وصولاً لاحتلال العراق، ثم صدمة «الإرهاب الدولي» الذي طبع مرحلة ما بعد العام 2001 ولحد الآن، سواء كان على شكل «داعش»، أو قبله «القاعدة»، وهي مرحلة شملت أيضاً صدمة تعثر وارتداد موجة «الربيع العربي».
والسؤال الآن، كيف يمكن إصلاح المجال الديني أو تجديده؟ ومن يقوم بذلك؟ هل المؤسسة الدينية قادرة على اقتحام هذا الميدان؟ وهل هي راغبة؟ ثم هل لديها المؤهلات وحدها؟ أم أنها تحتاج إلى رافعة من خارجها؟
كانت ثمة محاولات وإرهاصات طفولية سبق أن جرّبتها قوى باسم اليسار والحداثة برفض الدين، أو التقليل من شأنه، لكنها اصطدمت بجدار سميك وقاس، لدرجة أنه تم تكفيرها وتأثيمها وتجريمها. ولذلك لا بدّ من التفريق بين الدين والتديّن، وبين قيم الدين وسلوك رجال الدين، والأمر بحاجة مرّة أخرى إلى التراكم والتطوّر.
وهذا يحتاج إلى تعامل مرن وحذر في الوقت نفسه، بدءاً من التراث، ووصولاً إلى ما هو راهن لتفكيكه وتنقيته من التعصّب والتطرّف، هما الجذران الحقيقيان للإرهاب، بضخّ البديل، لاسيّما قيم التسامح واللّاعنف والإقرار بالتنوّع والتعدّدية والاعتراف بالآخر وقبول الحق في الاختلاف،خصوصاً، بتوفير الحدّ الأدنى من العيش الكريم المشترك الذي يمثّل فضاءً رحباً للإصلاح والتجديد.
drhussainshaban21@gmail.com

نشرت في صحيفة الخليج (الإماراتية) الاربعاء 16/8/2017







اخر الافلام

.. أخبار عربية | العاهل السعودي: فرصة لشراكة تاريخية مع #العراق


.. خطاب كارلس بيغديمونت ردا على قرارات مدريد


.. السعودية والعراق يتوجان تقاربهما بإنشاء مجلس تنسيقي مشترك في




.. لحظة لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع وزير الخارجية ا


.. الجيش السوري يواصل تقدمه شرق دير الزور