الحوار المتمدن - موبايل



كيف نبدأ مسيرتنا للخروج من محنتنا

أيمن عبد الخالق

2017 / 8 / 21
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


كيف نبدأُ
مسيرتنا للخروج من محنتنا
إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بُدَّ أن يستجيب القدر
ولا بُدَّ لليل أن ينجلي ولا بُدَّ للقيد أن ينكسر
لو تأمّلنا بعقولنا ما يدور حولنا من أحداث وأخبار، وما تموج به الساحة الفكريَّة والسياسيَّة من تناحرٍ وصراعات مذهبية بين أصحاب الأديان والطوائف المختلفة، وأيضا بين أصحاب الاتجاهات الفكرية المتعاكسة من اليمين إلى اليسار، وما يحاك ضدَّ أمَّتنا من أعدائها المتغطرسين بالليل والنهار، وما تعانيه أكثر شعوبنا المستضعفة والمستغرقة في مشاكلها الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والأمنية، من الفقر، والجهل، التخلّف واللاأُبالية، مع ما تتصف به أكثر أنظمتها السياسيَّة المنبطحة أمام الغرب من الاستسلام والتبعيَّة، لوجدنا أننا نعيش بالفعل محنة حقيقيَّة.
فهي محنة على المستوى الفكري والثقافي، ومحنة على المستوى الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، محنة تجعل الحليم حيراناً، محنة كلما أراد الناس الخروج منها أعيدوا فيها.
وهذه المحنة من العمق والتجذر والتعقيد؛ بحيث يستحيل أن نخرج منها بسهولةٍ وبساطةٍ، كما ربَّما يتوهم بعض الناس. فهناك من إخواننا المثقفين مَن يظنّ أنَّ الحلَّ يكمن في الهجرة الفكرية والنفسية إلى الغرب والاقتداء به في كل شيء، وتسليم زمام الأمور له؛ لأنَّه الأعلم والأقدر والأكثر تحضراً منَّا، وأنَّه لا سبيل لنا إلى الاستقلال عنه، ولا طاقة لنا بمواجهته، وأنَّ التحلي بالقيم الماديَّة الغربيَّة هو السبيل الوحيد للنهوض والترقي والحضارة، وتحصيل الكمال والسعادة، ويرفعون راية التحرّر والتحلّل من كلِّ شيءٍ يذكّرهم بواقعهم البائس، ولو كان ذلك الشيء هو قيمهم وثقافتهم وهويَّتهم.
بل قد سعى الكثير منهم عن علم أو غير علم أن يلعب دور الطابور الخامس في تمهيد الأرضية للغرب لبسط هيمنتهم الكاملة على عقل الأمة ومقدراتها
وعلى الطرف المقابل، هناك مَن يتوهّم أنَّ الحلَّ يكمن في الهجرة إلى الماضي، والاقتداء بسيرة الأسلاف الذين صنعوا للأمَّة أمجادها ـ كما يظنون ـ وتمسّكوا بظواهر الدِّين وقشوره، وأعرضوا عن روحه وحقيقته، وعطّلوا عقولهم وقلوبهم، وقدَّموا للأمَّة صورةً ممسوخةً ومشوَّهةً ومقلوبةً عن الدِّين ، صورة مجرَّدة عن العقل والتفكير، صورة منافية للحرية والعدالة، مجافية للسماحة والرأفة والمودَّة، صورة جعلت من أصول الدين فروعاً، ومن فروعه أصولاً.
وقد استغلت قوى الشرِّ العالمي من الأنظمة الرأسمالية السياسيَّة في الغرب هذين الاتجاهين أسوء استغلال، من أجل تحقيق مصالحها غير المشروعة في التسلط والهيمنة على الشعوب.
وبين هذه الاتجاهين المتقابلين، تقف الأغلبيَّة الصامتة من الشعوب موقف المتفرج اللاأُبالي ممَّا يجري على الساحة، فلا همَّ لهم سوى التفكير في مجرد العيش، و تأمين مطالبهم الشخصيَّة الضرورية.
ومن خلال هذه الإطلالة الإجماليَّة على الوضع المزري والمأساوي، الذي يعتصر أمَّتنا العربيَّة والإسلاميَّة، يمكننا أن ندرك حجم هذه المحنة الكبيرة التي نعاني منها.
ولكن لا يعني هذا بأيِّ نحوٍ من الأنحاء أن نصاب باليأس والقنوط، ونستسلم لهذا الواقع المريض والفاسد، فالأمَّة ما زالت تحتفظ ببعض تراثها الحضاري الأصيل من كنوز المعارف العقلية والعلوم والقيم الإنسانيَّة، والتي كانت سببا لنهضة الغرب، وخروجه من ظلمات القرون الوسطى، كما أنها مازالت تحتفظ بالكثير من طاقاتها البشريَّة الممتازة من أبنائها الشرفاء والمخلصين الذين لم يتلوّثوا بما تلوّث به غيرهم، والأهم من كل ذلك، هو أنهم ما زالوا يحتفظون بعقولهم وفطرتهم السليمة، وهويَّتهم الأصيلة.
وهؤلاء هم أمل الأمَّة وقلبها النابض، والذين ستنهض الأمَّة بنهوضهم وتقوم بقيامهم، شريطة أن تعرف هذه النخبة المخلصة من أين تبدأ؟ وكيف تبدأ؟ فإنَّ تشخيص الداء قبل الدواء.
ومن وجهة نظرنا ـ بنحو إجمالي سنتعرض لتفصيله في المستقبل ـ إنّ الطريق الوحيد الذي يمكن أن يخرجنا من هذه المحنة، هو أن نسعى للعودة إلى نقطة البداية الأولى المشتركة بيننا جميعا، والتي تنبعث منها إنسانيتنا، ألا وهي عقولنا الإنسانية الفطرية الأولى، قبل أن تشوبها أو تشوهها أي اعتقادات أو آراء دينية أو عرفية لحقتها بعد ذلك أثناء نشوءها وترعرعها في داخل بيئة معينة، وسعت إلى برمجتها بنحو معين، ربما يكون في الكثير من الأحيان مخالفاً للواقع، وللطبيعة الإنسانية، وأن نُنَحي جانباً أو نتناسى أكثر ماسمعناه من كبرائنا وأصدقائنا، أو بعبارة أخرى أن نتحررمن كل ماكان سببا للمشاكل والمحن التي نعيشها، لكي نبدأ معا مسيرتنا بكل إخلاص وجدية، بنية صادقة، نابعة من إرادة قوية بضرورة التحرروالخروج من هذا النفق الطويل المظلم.
ولايمكن أن يتم ذلك إلا من خلال الحوار الفكري العقلي الحر والبنّاء، لنستكشف معا معالم الطريق الذي يخرجنا من هذه المتاهة، ويقودنا إلى بر السلامة والأمان، ويوصلنا إلى السعادة الحقيقية
فلاشك أنّ الحوارالفكري العقلي البنّاء هو من أرقى مظاهر الإنسانية في هذه الحياة، ومفتاح الحل للكثير من المشاكل والأزمات الثقافية والاجتماعية، ومنشأ للخيرات والبركات، فبالحوار البناّء والمستمر، تتلاقح الآراء، وتتكامل الأفكار، وتتقارب النفوس والقلوب، وتتطور المجتمعات البشرية، وتتحقق الحضارة الإنسانية الحقيقية
ولكن من أجل أن يحقّق هذا الحوار غايته المنشودة، ويُحدث أثره الإيجابي على الإنسان والبشرية، أن يتمتع بالخصائص التالية:
1. أن تكون غايته معرفة الحقيقة والواقع، وبنحو يكون مثمراً ونافعاً، وليس مجرد الحوار من أجل الحوار، أو الحوار من أجل التسلية والراحة النفسية، أو كما يقولون في الغرب (dialogue for pleasure)، بل ينبغي أن يكون حواراً من أجل الحياة (dialogue for life)
وللأسف الشديد فإن الكثير من حوارات النخب المثقفة في عالمنا العربي والإسلامي هي من أجل مجرد التنفيس، أوالتسلية وقضاء الوقت الممتع لاغير، وأنا أسميها بحوارات المقاهي والصالونات، ومن أجل ذلك فهي غير مثمرة، ولايعبأ بها جمهورالناس، وبالتالى لن تكون مؤثرة في المجتمع.
2. أن يكون الحوار موضوعياً نزيهاً هادئاً، مجرداً عن أي أحكام مذهبية أو عرفية مسبقة، أو رغبات ذاتية في الانتصار على الطرف الاخر، بل ينظر إلى الأسباب الذاتية الموضوعية للأشياء بعيدا عن أي انفعالات نفسانية تحيد بنا عن طريق الواقع والصواب، وإلا لوقعنا في براثن ماكان يسميه فرنسيس بيكون، بأوهام القبيلة وأوهام الكهف، وأوهام المسرح
3. أن يكون هناك منهج معرفي ابستمولوجي مشترك بين الطرفين يتحاوران على أساسه، ويكون مناسبا لطبيعة موضوع الحوار، كالمنهج العقلي التجريدي، أو العقلي التجريبي، أو المنهج النقلي... وإلا لتعذر الوصول إلى نتيجة واحدة، وأضحى الحوار عقيما، فلا معنى للحوار مثلا بين الإسلامي أو المتدين المعتمد على النقل، والعلماني المعتمد على الاستقراء العلمي، أو بين الفيلسوف المعتمد على المنهج العقلي التجريدي، والفيزيائي المعتمد على المنهج العقلي التجريبي.
4. أن يتناول الحوار قضايا عامة مصيرية بنحو عميق وجذري، بحيث يكون بينها تسلسل وترابط منطقي....أما الحوارات التي تبدأ بتناول مسائل فرعية جزئية أو شخصية، وبنحوعشوائي مبعثر، فغالبا ماستكون عقيمة، أوقليلة الجدوى، حيث تكون أقرب للمجادلات الصحفية منها للحوارات الفكرية النافعة، وكثيرا ماستكون محفوفة بالمهاترات، بسبب اختلاف المبادئ والمناهج والغايات.
5. أن يتم مراعاة آداب الحوار الأخلاقية، من الاحترام المتبادل، وحسن الإنصات، وعدم رفع الصوت، أو مقاطعة الطرف الاخر.
هذه هي خصائص الحوار الفكري البنّاء، والتي بدونها سيتحول الحوار إلى جدل عقيم، أو مهاترات، تتنافى بالكلية مع فلسفة الحواروأهدافه.
ومن أجل كل هذا فقد عقدنا العزم، ومن خلال هذا المنبر الحضاري الإنساني الكبير، منبر الحوار المتمدن، أن نطرح بعض أفكارنا من خلال نموذج حواري عقلي بنّاء، يكون منطلقا لنا للخروج من محنتنا، ونموذجا عمليا يحتذى به، إن شاء الله تعالى...فإلى لقاء اخر قريب







التعليقات


1 - الشجاعة فضيلة يفتقدها الجميع
محمد البدري ( 2017 / 8 / 22 - 03:33 )
اي نخبة تلك التي لم تلوث وتعول عليها في عمل نهضة؟ الا يعلم الاسلام الناس الجبن والنفاق والطاعة والتزلف. ابدا بنقد الاسلام والعروبة واكشف ما فيهما من قيم منحطة لوثت الجميع دون استثناء. تحياتي

اخر الافلام

.. اخبار عربية | قوى المعارضة السورية تتفق على ارسال وفد موحد ا


.. اضواء على العراق: مقدمة برنامج 22 تشرين ثان 2017


.. كمال يلدو: عن كيفية تعامل الدولة والمواطن الكريم مع آثارنا ا




.. الميليشيات الإيرانية.. والمستنقع السوري


.. تحالف دعم الشرعية يعلن قريبا خطة عمليات إنسانية شاملة