الحوار المتمدن - موبايل



العدالة الاجتماعية مثال أخلاقي كوني

المعانيد الشرقي

2017 / 8 / 31
حقوق الانسان


تشكل العدالة الاجتماعية مطلبا كونيا وغاية في ذاتها بالنسبة لشعوب المعمور كافة، إذ بدونها تسلب الحقوق من دويها ويعيش الناس حالة من الاحتقان وعدم التوازن الاجتماعي وسيطرة طبقة بعينها على طبقات أخرى، و لكون العدالة فضيلة أخلاقية أسمى فإنها تقترن بمجموع القواعد القانونية و المعايير الأخلاقية التي يعتمدها مجتمع ما، في تنظيم العلاقات بين أفراده فيما يخص الحقوق و الجزاءات و تأدية الواجبات. كما أن للعدالة مظهران، أحدهما موضوعي أو خارجي تمثله المؤسسات التشريعية و القانونية التي ترعى التوزيع القائم للحقوق، و تسهر على تنفيذ و احترام القوانين السائدة. لكن للعدالة بعدا آخر هو البعد المعياري و الأخلاقي أيضا.
بهذا المعنى، فالعدالة بالإضافة إلى كونها تعبيرا عن واقع وعن توزيع معين للحقوق، هي أيضا في نفس الوقت مثال أخلاقي كوني يتطلع الجميع لاستلهامه بدرجات متباينة، و فضيلة شخصية تهفو النفوس إليها. و العدالة أيضا في وجهها المثالي تجعل الفرد و الجماعة في نفس الوقت يتخلص و لو بصورة استيهامية، من نزوعا ته الأنانية، و من عنف الأهواء التي تتجاذبه، كما تجعله، بتطلعه، لهذا المثال، يتجرد عن أحكامه الشخصية و يعتدل في أفعاله، و يراعي القوانين السارية على الجميع، و يراعي حقوق الآخرين كحدود لحقوقه. غير أن العدالة ترتبط بمفاهيم أخرى بشكل تلازمي كالحق و المساواة و الكرامة الإنسانية و الحرية و الإنصاف و الواجب و القانون أيضا. فما المقصود بالعدالة أولا؟ و كيف تتحق العدالة الاجتماعية في علاقتها بهذه المفاهيم مجتمعة ببلادنا عامة و إقليمنا بشكل خاص؟ و بأي معنى تشكل العدالة مطلبا إنسانيا و غاية تصبو إليها كل الشعوب التواقة إلى الحرية و التي تعيش حالة من الاغتراب و الاستلاب في أوطانها ؟
يدل لفظ العدالة في تداوله العام على احترام حقوق الغير و الدفاع عنها، كما يدل على الخضوع و الامتثال للقوانين. كما تدل العدالة في معجم أندريه لالاند الفلسفي على صفة ما هو عادل، و يستعمل هذا اللفظ في سياق خاص عند الحديث عن الإنصاف أو الشرعية. كما يدل تارة أخرى على الفضيلة الأخلاقية، وهي فعل أو قرار مطابق للتشريعات القضائية.و من جهة فلسفية يدل هذا المفهوم على ملكة في النفس تمنع الإنسان عن الرذائل، و يقال بأنها التوسط بين الإفراط و التفريط. هكذا و يمكن الحديث عن مستويين في العدالة:
مستوى يرتبط بالمؤسسات القانونية و القضائية التي تنظم العلاقات بين الناس في الواقع. و مستوى يرتبط بالعدالة كدلالة أخلاقية، و كمثال أخلاقي كوني يتطلع الجميع إلى استلهامه.
كما ترتبط العدالة بالحق و له دلالتين رئيسيتين:
دلالة في المجال النظري و المنطقي، حيث يعني اليقين و الصدق و الاستدلال السليم. و دلالة في المجال العملي، باعتباره قيمة تؤسس للحياة الاجتماعية و للممارسة العملية للإنسان. و هذا التعريف الأخير يجعل الحق يتقاطع مع مفهوم العدالة. و من تعريف العدالة نشتق تعريفا للحق و الواجب، فالحق بالنسبة لكل واحد منا، ملكة إلزام الآخرين باحترام الإنسانية الماثلة في شخصه. أما الواجب فهو ضرورة احترام كرامة الغير. كما يتخذ مفهوما الحق و العدالة أبعادا متعددة، طبيعية و أخلاقية و قانونية و سياسية، كما يرتبطا بمجموعة من المفاهيم، كالطبيعة و الثقافة و الإنصاف و المساواة.
يجسّد سؤال العدالة، اليوم، منعطفا نوعيا وبالغ الأهمية في مسيرة التاريخ الفكري والحضاري للإنسان، لكونه أحدث قلبا معرفيا ورجة عميقة في بنية الوعي البشري؛ ذلك أن العقل المعاصر لم يعد يقنع بأنماط الإجابة التي قدّمتها النظريات الكلاسيكية وسلطة الخطاب الإيديولوجي الذي عبّر بصورة أو بأخرى عن أزمات وصراعات جرّت إلى حروب كونية أفضت إلى نتائج كارثية على مصير الإنسان المعاصر، إذ إنه صار يعيش حالة القلق والاغتراب والاستلاب وعدم فهم الذات. و تبعا لذلك فالرأسمالية بجشعها و تعنتها جعلت من الشعوب خدما لها فراكمت رؤوس الأموال على حسابهم و خلقت الفوارق الاجتماعية بينهم حتى غدت العدالة الاجتماعية غائبة بشكل يندر بكوارث إنسانية و ضياع حقوق الأفراد و الجماعات على الإطلاق، تحت مسميات فضفاضة كالحرية و المنافسة و اقتصاد السوق …
و لئن كان العالم الثالث ومنه المغرب اليوم، يعاني على جميع المستويات، و قد قطعت أوصاله التوازنات الماكرواقتصادية على حساب التوازنات الاجتماعية، فمرد ذلك بالأساس، إلى السياسات اللاشعبية و الرأسمالية الجشعة التي تعبث بالبشر حتى أضحى بضاعة رخيصة و أداة في يد من يملك وسائل الإنتاج، و يبدو هذا جليا حتى في المنطقة المغاربية والعربية، ذلك أن الدول الامبريالية والرجعية لازالت مستمرة في تدخلها السافر، من أجل فرملة المد الشعبي المطالب بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية؛ ومتمادية في انتهاك حقوق شعوب المنطقة في تقرير مصيرها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، ودعم قوى الفساد والاستبداد، الكابحة لطموح الجماهير في التغيير الديمقراطي المنشود. و يأتي هذا في الوقت الذي نحتفي فيه بذكرى غالية عند الإنسان بما يحمله هذا المفهوم من دلالة، و هو اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية و الذي يصادف العشرين من فبراير من كل سنة، و الذي أكدت عليه كل المواثيق و الاتفاقات الدولية كالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والاتفاقات الخاصة بحقوق الطفل والنساء والأقليات، و أكدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. حيث جاءت المادة الأولى فيه كما يلي: ” يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة و الحقوق. و قد وهبوا عقلا و ضميرا و عليهم أن يعامل بعضهم بعضا بروح الإخاء.” و في مادته الثانية: ” لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق و الحريات الواردة في هذا الإعلان دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس، أو اللغة، أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال و النساء. و فضلا عما تقدم، فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد، سواء أكان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلا أو تحت الوصاية، أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود.” و استرشادا بمواد الإعلان العالمي السابقة الذكر، و بكل مواده الأخرى، فما يسعنا إلا القول، بأن الإنسان بفضل تميزه بالعقل ، له ملكة الشعور القوي بكرامة شخصه في غيره كما في ذاته، و أن يؤكد ذاته بوصفه فردا و نوعا في نفس الآن، و ليس ذلك إلا لأن العدالة هي نتاج هذه الملكة: إنها الاحترام المعيش تلقائيا، و المضمون بشكل متبادل لكرامة الإنسانية، لأي شخص، و في أية ظروف، و مهما كانت الأخطار التي علينا مواجهتها للدفاع عن هذه الكرامة. كما يكون هذا الاحترام في أدنى درجاته عند المتوحش، لكنه يتقوى عند الإنسان المتحضر الذي يمارس العدالة لذاتها و يتحرر من كل مصلحة شخصية… إن العدالة مدركة على هذا النحو، تجعل كل الشروط متكافئة و متضامنة و توحد الإنسان بالإنسانية، لذلك باتت العدالة مطلبا إنسانيا كونيا و غاية مطلوبة لذاتها، و وتر يعزف عليه كل مظلوم.

و لما كانت العدالة مطلوبة عند الإنسان بالشكل الذي يصون حقوقه و يحافظ على نوعه من التهميش و الإقصاء و يضمن كرامته من خلال عيش كريم يقيه شر السؤال، إلا لأنها فضيلة أخلاقية سامية تتحقق معها المساواة و العيش المشترك دون تمييز طائفي أو عرقي… و لهذه الغايات النبيلة، نناشد كل الغيورين على الحقل الحقوقي بأن يرفعوا شعارات التسامح و نبذ العنف بكل أشكاله و أنواعه و مطالبة الجهات المسؤولية من خلال إعمال عين العقل، و فتح حوار جاد و مسؤول معها، بأن تتبنى سياسات اٌقتصادية تنموية ٌإقليمية جهوية و وطنية، بما يتيح للجميع اقتسام ثروات هذا البلد بالتساوي و يكفل الشغل للشباب دون حيف أو ظلم، أكان ذلك على المستوى الوطني أو المحلي أو الجهوي، و نؤكد على هذا الأخير، طالما أن المغرب عبر سياساته الداخلية فتح ورشا جديدا ألا و هو الجهوية المتقدمة ذات الخصوصية المغربية، و التي تقطع مع المركزية و احتكار القرار، و تدعو إلى اللامركزية و تدبير المجال بما يتيح لمن يعيشون داخله بشكل يليق بمقامهم و يحفظ لهم إنسانيتهم.
وتأسيسيا على ذلك، فإن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تتطلب تدخلا ايجابيا وفاعلا من قبل الدولة من خلال سياستها الجهوية المذكورة و تفعيلها بما يضمن و يصون حقوق الإنسان، لأن للعدالة الاجتماعية مظاهر ومرتكزات عدة، باعتبارها مرجعية معيارية لكافة القيم الإنسانية، فهي من جهة عدالة مبدأ تكافئ الفرص وعدالة في توزيع الناتج الداخلي المحلي وهي عدالة في تحمل الأعباء العامة وتحديدا المجال الضريبي على سبيل المثال، وهي عدالة المساواة في الاستفادة من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية الممنوحة داخل المجتمع.







اخر الافلام

.. كل يوم - مها ناجي: انا مش مع المثلية الجنسية لكن معاهم انهم


.. أعمال فنية -حية- لتانيا الخوري: حوار بين اللاجئين والجمهور م


.. أبو هشيمة فى رسالة إنسانية لكل الأطفال وذوى الاحتياجات الخاص




.. الروهينغا: المساعدات الإنسانية لا تسد احتياجات اللاجئين


.. الدول الأربع تؤكد موقفها إزاء قطر في اجتماعات الأمم المتحدة