الحوار المتمدن - موبايل



غياب: رحيل الصحفي المغربي عمر الأنواري.. نجم آخر ينطفئ بعيدا عن أضواء الإعلام

عبد الرحيم التوراني

2017 / 9 / 4
الصحافة والاعلام


... والناس يتهيؤون للعيد الكبير، قررتَ أنتَ إطفاء الأنوار وإغلاق الباب خلفك، والذهاب للنوم الأخير الذي ما بعده صحوة أو استيقاظ.
هذه هي المرة الأولى التي تقسو فيها على من حواليك من الأحبة والأصدقاء، وإن كنتَ قاسيا باستمرار على نفسك، تماما كما صديقك الذي سبقك بأيام، عبد القادر شبيه.
ترى من هو هذا المتهور وببراءة بلهاء أوصل إليك الخبر المشؤوم، وأنت على سرير المرض، أن شبيهك قد رحل وحيدا في غرفة معتمة بفندق جد متواضع؟
لم يكتمل حساب أسبوعين بين الرحيلين لشبيه والأنواري، اللذين جمعتهما المهنة، ووحد بينهما الإخلاص والحب لها، وجمعتهما الصداقة العالية التي تدنو من حدود الأخوة والتوأمة.
ماذا يمكن القول إزاء هذا الفقدان المريع؟
الصحافة المغربية في حداد... عبارة صارت جاهزة، ولم تعد تفيد المعنى والقصد كله.
لكنه حداد طويل لا يكاد ينتهي، ما أن نولي ظهرنا للمقبرة بعد مواراة جثمان زميل، حتى نعود إليها لنُودعَها عزيزا جديدا.
خلال أيام معدودة من النصف الأخير من شهر غشت الحارق، ودعنا الصحافي الأديب عبد الكريم غلاب، والصحافي اللامع عبد القادر شبيه، والصحافي الكبير خالد مشبال، والصحفي المتميز محمد شقور، وفي اليوم الأخير من الشهر يترجل الصحافي المتفرد عمر الأنواري.
قافلة الراحلين من أهل الإعلام تسير والموت يخطف...
قبل أشهر ضرب الداء الخبيث رئة الصحفي النحيل، ثم انتقل بسرعة وشراسة ليتلف جزءا من دماغه. قاوم صديقنا بكل ما بقي لديه من قوة، وبما استطاع إلى ذلك سبيلا، متشبثا بحبه الحياة. بعد أسابيع بالمصحة نصح الطبيب بإعادته إلى البيت، ما عاد بإمكان العلاج الطبي بالمصحة أن يأتي بجديد سوى هدر المصاريف. وبعد إصابة الأنواري بحالة إغماء قصوى في الأسبوع الماضي نقل مرة أخرى إلى المصحة، ثم منها إلى بيت الأهل بحي يعقوب المنصور في الرباط من جديد.
خلال فترة مرض الأنواري زاره بضعة أصدقاء فقط، في مقدمتهم الأخ محمد برادة، الذي ظل يسأل عن أحواله على الدوام وينقل أخباره إلى الزملاء والأصدقاء. وقبل أسبوع، تكلمت مع الأنواري من هاتف برادة، جاء صوته من بعيد، متقطعا بكلمات ثقيلة، لم أفهم منها سوى أن الرجل يشكو من شدة الألم ووطأته، في الحقيقة لم يكن عمر يتكلم، بل كان يئن ويتألم. وفي صباح يوم الاثنين الأخير أتينا على ذكره مع حسن عمر العلوي ونور الدين مفتاح، فتواعدت مع مفتاح على الانتقال إلى يعقوب المنصور بالرباط لزيارة صديقنا. إلا أن الموت لم يمهلنا وكان أسبق، فلم نودع با عمر.
بدأ عمر الأنواري رحلته الطويلة مع مهنة المتاعب منذ يفاعته، في نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي. وتوصيف المتاعب هنا، يليق أكثر بانتماء عمر وأمثاله منا بهذه المهنة، وكانت "العلم" هي من احتضنت بداياته الأولى ونشرت مقالاته حول رياضة كرة القدم. لكن الصحفي الشاب الطموح سيغير الباب، وبدل ولوج مدخل هيأة تحرير "العلم"، سيدخل باب شقيقتها "لوبنيون" في نفس البناية بشارع علال بنعبد الله بالعاصمة، وسبب هذا التغيير هو أن الأنواري عرف أن الصحفيين باللسان الفرنكفوني لحزب الاستقلال يتقاضون أجورا أعلى بكثير من الصحفيين المعربين، فقرر بكل عزم وعزيمة، ليس تعلم لغة موليير وفكتور هوغو فقط، بل إتقانها حتى القدرة على التحرير والكتابة بها. وهذا ما سيتأتى له في زمن يسير.
لكن الأنواري سوف لن يضيع لسانه الأول، بل سيظل صحفيا مزدوج اللغة، يراوح بين اللسانين، يكتب مقالة بالفرنسية لينتقل بسلاسة لتدبيج ثانية بالعربية، أو ينقل إلى لغة الضاد موضوعا من الفرنسية. كما سوف لن يقتصر على الكتابة للصفحات المختصة في الشأن الرياضي، ليجرب الكتابة في كل المواضيع والأجناس الصحفية، من الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها. هكذا كان الأنواري صحافيا جامعا.
في الذكرى الثلاثين لاختطاف الزعيم المهدي بنبركة، أكتوبر 1995، قمت بإصدار عدد خاص من مجلة "السؤال/الملف" كله مكرس لهذا الحدث الكبير، وكان صديقي وزميلي عمر الأنواري من بين من قاموا بتحرير بعض مواده كتابة وترجمة. ولما كلمته في المقابل المادي عن عمله رفض تسلم أي مبلغ، معتبرا عمله مساهمة نضالية.
كما لا يمكنني نسيان الأوقات التي قضيناها معا برفقة الراحلين عبد القادر شبيه ومحمد علي الهواري والسوداني عبد الواحد كمبال، رحمهم الله، لما جمعنا صديقنا القيدوم عبد الله الستوكي في "الكشكول"، كما التقيت بالأنواري في قاعات تحرير أخرى وساحات إعلامية مختلفة.
الطرائف التي تختزنها الذاكرة عن الصحفي الأنواري ومغامراته كثيرة، منها أنه مرة لما كان يشتغل بمكتب "الشرق الأوسط" في الرباط، تم تكليفه بالسفر برفقة مصور لتغطية مباراة في كرة القدم تجري أطوارها في مدينة فاس. لكن الأنواري فضل عدم الذهاب والاحتفاظ بمصاريف السفر في جيبه، وكتب تقريرا عن المباراة اعتمادا على الواصف الإذاعي في الراديو. ولما علم مسؤول المكتب بالخبر لم يعمد لمعاقبة الأنواري، لأن التقرير الذي أنجزه ونشر، كان أحسن وأفضل من كل التقارير التي كتبها من حضروا مباراة فاس.
بعد سنوات طويلة ممتدة في "العلم" و"لوبنيون" سينتقل الأنواري في مستهل الثمانينيات إلى آفاق وتجارب إعلامية جديدة، منها محاولته ولوج عالم النشر الصحفي بإنشاء "لوازير إسبور" في صيغة كراسات في البداية برفقة صديقه وابن حيه الصحفي محمد الراوي والمصور الفوتوغرافي محمد المثنى، وفي صيغة جريدة جرب إصدارها مرات بشكل متقطع.
ثم عمل الراحل في يومية "رسالة الأمة" وأسبوعية "لوميساج دو لاناسيون"، ومكتب "الشرق الأوسط" بالرباط، وأسبوعية "الكشكول" التي أصدرها الصديق عبد الله الستوكي سنة 1991، والمجلة الشهرية "مغرب ماغازين"، وأسبوعية "لاغازيت" لكمال لحلو، التي غيرت اسمها لاحقا إلى "شالنجير". كما عمل الراحل كمتعاون مع جرائد أخرى.
الجميع تقريبا، في مجالنا الإعلامي يعرفون علاقة الراحل عمر الأنواري بصحافة رجل الأعمال كمال لحلو، إذ كان عمر يشرف على مجلات لحلو ذات الصبغة الإشهارية المتخصصة في "رياضات اللوكس" حول الغولف والفروسية والتنس، وكان يحرر جميع صفحاتها من الغلاف إلى الصفحة الأخيرة. ولما أنشأ لحلو المجلة النسائية "للا فاطمة" كان عمر الأنواري هو مصممها ومبوبها، كما أنه سيكون عنصرا أساسيا في إطلاق المحطة الإذاعية "كازا إف إم" لنفس الجهة المؤسسة.
ولسنا على بينة من حقيقة ما يتردد بين على "ألسنة السوء" التي تتكلم عن الخذلان والمعاملة غير اللائقة التي عومل بها الأنواري مريضا من هذه الجهة التي أفنى جزءا كبيرا من عمره في خدمتها بكل الوفاء والإخلاص.
قام الراحل عمر الأنواري بتأليف عدد من الكتب والمطبوعات الإعلامية، خاصة في المجال الرياضي، كثير منها لا يحمل اسمه.
في مراهقته وشبابه الأول عاش الأنواري فترة بالدار البيضاء، وبالتحديد في الحي المحمدي، من هنا صداقته المميزة مع الفنان الراحل العربي باطما ومع الفنان عمر السيد من مجموعة "ناس الغيوان"، كما كان عمر من الأصدقاء المقربين من الفنان الكبير المسرحي الطيب الصديقي، وفي فترة مرض هذا الأخير كان الأنواري كثير التردد عليه لمؤانسته.
لن أنسى أبدا ضحكة الأنواري الطفولية، ولا سخريته المميزة، ولا الصداقة والأيام التي جمعتني به زمنا، سواء في العمل، أو صديقا ونديما بمقاهي وفضاءات الدار البيضاء والرباط، من "تور حسان" إلى "باليما".
كما لن أنسى قسوته على نفسه بإهماله لهندامه وخصومته الدائمة مع الأناقة، لكن الأنواري كان يملك أناقة أخرى لا تباع ولا تشترى، هي أناقة اللغة والقلم، أناقة الروح والقلب.
منذ وقوع الخبر الفاجعة، وسيل تبادل التعازي لم يتوقف، بين الأصدقاء والزملاء، ممن عملوا إلى جانب الراحل أو عايشوه أو عرفوه عن قرب أو من بعيد. الكل يشيد بمزايا الراحل الإنسانية والمهنية.
عندما وصل النعي إلى صديقنا القيدوم مولاي عبد السلام لم يتمالك مشاعره وحزنه:
"فقدانك يا عمر رجلا متميزا في عمله وفِي أخلاقه، فهذا الرجل كما عرفته وخبرته كان صحفيا متكاملا، لا يتطرق لموضوع إلا أتقنه، ولا يطلب منه شيء إلا انجزه.
لم يكن يريد أو يسعى لأن يصبح نجما لامعا، أو رجلا تجري بذكره الركبان، بل كان صحفيا لا يتكالب على المآدب، ولا يجري لالتقاط أخبار الفضائح ليكسب منها ما يفيض على المتورطين، ولا على ضمان دخل غير نظيف.

عندما يأخذ مكتبه أو طاولته بين الزملاء، ينكب على العمل مستعينا بمذكراته، أو ذاكرته، لا يضيع وقته في الهدر، ويبدو واثقا من نفسه. فيما ينجز من أعمال صحفية، أكانت تحريرا أو ترجمة أو سياسية أو رياضية، أكانت اقتصادية أو اجتماعية، ولا يذهب إلى المقهى أو البار أو المطعم إلا إذا أنجز عمله.
ويكتب لي صديقي الإعلامي نور الدين مفتاح معزيا، بكلمات مختصرة، لكنها زادت من حرقة الألم: "هذا جيل يذهب بسرعة البرق دون أن يعرفه الجيل الجديد من الصحافيين.. وهذه من أسوأ الفظائع".
حقا، ما أشد الفاجعة، ما أقسى فظاعة المأساة يا صديقي.







اخر الافلام

.. أخبار عربية - #السعودية تحتفل بـ-اليوم الوطني- السابع والثما


.. أخبار حصرية - مدينة #الرقة.. وأيام داعش الأخيرة في عاصمته ال


.. أمازون تطورُ نظاراتٍ ذكية تستجيبُ للأوامرِ الصوتية وعناوين ا




.. 23-9-2017 | نشرة أخبار اليوم لأهم الأخبار من #تلفزيون_الآن


.. اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي التركي