الحوار المتمدن - موبايل



لمحة من تاريخ أيتام الداخل الفلسطيني

تميم منصور

2017 / 9 / 4
مواضيع وابحاث سياسية



عندما وقعت الدول العربية المسؤولة عن نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948 على اتفاقيات الهدنة مع إسرائيل في جزيرة رودس ، وهذه الدول هي مصر ، الأردن ، سوريا ولبنان ، أما العراق فقد رفض التوقيع . لم يعمل حكام هذه الدول أية حساب للمواطنين العرب الفلسطينيين الذين لم يغادروا وطنهم ، وقد قدر عددهم في حينه حوالي 150 الف فلسطيني ، سمح لهم الصهيانة بقيادة بن غوريون بالبقاء ، ربما كي يثبتوا للعالم بأن العصابات الصهيونية غير مسؤولة عن طرد كل الذين تركوا مدنهم وقراهم من فلسطين ، أي أن التهجير كان اختيارنا .
هنا يجب أن نعترف بحقيقة هامة ، وهي أن هناك الكثير من القرى والمدن اختارت الهجرة دون قتال ، لأسباب كثيرة ، من أهمها الخوف من المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ، ولعدم وجود قيادة عربية ، منظمة قادرة على تسيير الأمور كما كان الأمر بالنسبة للطرف اليهودي ، هناك سبباً آخر يعود الى استخدام قوات الهاغاناة لعدد من السماسرة والمرتزقة العرب للقيام بإقناع المواطنين العرب بالرحيل عن بيوتهم مقابل حفنة من الجنيهات ، وقد ساهم ملك الأردن عبد الله بن الحسين في ترحيل عدد من القرى بالاتفاق مع العصابات الصهيونية ، فقد كان يرسل سماسرته الى القرى العربية لإقناع الوجهاء والمخاتير فيها بترك وطنهم والهجرة لشرق الأردن ، من هذه القرى الطيرة والطيبة ، لأن امارته كانت تفتقد الى السكان ، وغالبية سكانها من البدو المتخلفين ، فقد كان بحاجة الى سكان فلسطين لإعمار بلاده ورفع شأنها ، وهذا ما حدث وقد اعترف بن غوريون في مذكراته بأنه جرى تفاهماً مع ملك الأردن وصل الى اعتراف الأخير بأن اليهود شعب بلا وطن ، والأردن وطن بلا شعب .
في عام 1949 أغلقت إسرائيل حدودها بالاتفاق مع الأنظمة العربية التي كانت قائمة ، أما القيادة الفلسطينية فقد اختفت عن الوجود ، وأصبح كل مواطن فلسطيني يعبر الحدود متسللاً، فإذا كان هذا التسلل من قرى ومدن الضفة الغربية أو قطاع غزة ، كان مصير غالبية المتسللين الموت ، واذا تم هذا التسلل عبر حدود إسرائيل تتم اعادته الى السلطات الإسرائيلية بعد محاكمة في محاكم الأردن او مصر العسكرية ، وفي إسرائيل يعاقبونه بمقتضى قوانين الطوارئ ، كانت السلطات المصرية تستغل هؤلاء المتسللين الى قطاع غزة للتجسس أو لخدمة مصالحها الأمنية ، وقد أبلغني أحد هؤلاء بأن السلطات المصرية أجبرته أن يعود ويتسلل الى إسرائيل رغم المخاطر لشراء قاموس عبري عربي وصحيفة يديعوت احرنوت ، وعندما أقيمت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1965 انضم العشرات من مواطني عرب الداخل الى جيش التحرير الفلسطيني في قطاع غزة – نريد لأجيالنا الشابة معرفة هذه الحقائق ، نريد لهذه الأجيال ان تعرف حالة التغييب والإهمال الى درجة النسيان الذي عانى منه المواطنون العرب -
بعد نكبة عام 1948 باعتنا وفرطت بنا القيادات العربية والى جانبها الفلسطينية في أسواق جهلها وخيانتها ، وفي ذات الوقت رأت بنا إسرائيل غنيمة من المكاسب التي حصلت عليها ، غنيمة للتنكيل وللتعبير عن عنصيرتها ونواياها الحقيقية كما استثمرتنا للعمل الأسود، الأنظمة العربية وشعوبها لم يعرفوا ان هناك رهائن وبقايا شعب يعيشون في وطنهم في ظروف قاهرة ، لم يدرج وجودهم وتاريخهم وكيانهم في مناهج التدريس في العواصم العربية ، لذلك فوجئ من فوجئ بوجودهم بعد نكسة عام 1067 وبعد اتفاقية السادات مع إسرائيل .
من المواقف المحزنة والمخجلة لمستها خلال زيارتي الى مصر حين سألوني :
كيف انتو عرب ويهود مع بعض ؟؟ وهناك من سأل كيف مسلم ويهودي في آن واحد ؟ وكانت هذه الأسئلة من كُتاب وصحفيين كبار ينتمون الى الطبقة المثقفة .
لم يعرفوا بأننا أيتام سياسة الأنظمة العربية والقيادة الفلسطينية الفاشلة . وان السلطات الإسرائيلية بذلت جهوداً جبارة للعمل على اسرلة هؤلاء الأيتام الذين وجدوا أنفسهم عراة بدون أب وأم ، وشاركت في هذه المحاولات الأحزاب الصهيونية والقيادات العربية التقليدية ، حاولوا اقناعنا في يوم من الأيام بأن حزبي ماباي وحزب مبام أحزاباً عربية وطنية ، هناك من اعتبر صحيفة المرصاد التي كان يصدرها حزب مبام صحيفة قومية ووطنية ، وهناك من اعتبرها نداً لصحيفة الاتحاد آنذاك ، يجب ان نعترف بدور الحزب الشيوعي بالمحافظة على الهوية قدر المستطاع ، مع أن رقعته الوطنية كانت أقل حجماً من الخرق الذي خلفته النكبة والقيادات الفلسطينية المهزومة والى جانبها الأنظمة العربية ، كان الصوت الوحيد الذي فضح مجزرة كفر قاسم وكشف نوايا الأحزاب الصهيونية ، لا يمكن أيضاً انكار قوى وعناصر وطنية حاولت سلطات الحكم العسكري اخمادها بكافة الوسائل ، وقد اعترف بذلك احد رجال الشاباك " هليل كوهين " في كتابه " العرب الجيدون " .
في حالات كثيرة يصعب ضبط السلوك والسيطرة على الايتام ، ومنهم الايتام السياسيون ونحن منهم . في كثير من الأحيان تحول يتمنا السياسي الى انفلات في المحاربات وهذا لا يشمل الجميع ، هذا الانفلات باسم التعددية والديمقراطية تجسد بالانقسامات الحزبية ، والانقسامات الفئوية والطائفية ، رصيدنا الحزبي عشرة أحزاب كبيرة وصغيرة ، لا نعرف حتى الآن عدد الحركات الدينية ، منها دينية سياسية ومنها دينية بدون سياسية ظاهرة ، منها باطنية صوفية ، ومنها تكفيرية ومنها اخوانية وغيرها و غيرها .
من نتائج هذه التربية السياسية العشوائية خلق مركب من المفاهيم الوطنية منها ما هو سريع الإشتعال يشتعل بسرعة الفسفور لكنه يناضل من داخل البيوت والفنادق والمقاهي ، ساحة نضاله اما الفيس بوك ، او بعض الصحف والمواقع الالكترونية بالنسبة لهؤلاء جميع القيادات العربية الفاشلة من قطرية ومتابعة ومشتركة وأحزاب ، منهم من يتطاول على محور المقاومة وبما فيه حزب الله ، رغم ان هذا الحزب غير الكثير من المفاهيم السياسية في المنطقة ، وأعاد الى لبنان وجهه المشرق العروبي .
احدى المكاسب السياسية التي حققتها الجماهير العربية هي وجود هذه الأطر ، حتى لو أخطأت هنا أو هناك ، لكن لا يوجد أي مبرر لتجاهل قيمتها وأهميتها المعنوية والتنظيمية والقيادية .







اخر الافلام

.. إيران.. ملاذ القاعدة ومصدر عملياتها


.. ميليشيا حزب الله.. تصريحات تناقض الواقع


.. اليمن.. ميليشيات الحوثي ونهب موارد الدولة




.. إسرائيل.. واحتلال -الأثير- الفلسطيني


.. تركيا.. مواجهة الغرب بأثمان باهظة