الحوار المتمدن - موبايل



الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2018 : مقاربة أخرى لمأزق التمويل

عماد عبد اللطيف سالم

2017 / 9 / 13
الادارة و الاقتصاد


الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2018 : مقاربة أخرى لمأزق التمويل

أعلنَ البنك المركزي المصري (في 2017-9-10) أنّ البيانات الأولية قد أظهرت ارتفاع إجمالي تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال شهر يوليو/ تموز 2017 بمعدل 43.9% لتُسجّل نحو 1.8 مليار دولار (مقابل نحو 1.2 مليار دولار خلال شهر يوليو/ تموز2016 ).
وتأتى هذه الزيادة كأحد أهم نتائج قرار البنك المركزي بتحرير سعر الصرف، حيث ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال المدة من نوفمبر/ تشرين الثاني ، إلى يوليو2017/2016 بمقدار 1.9 مليار دولار لتسجّل نحو 14.5 مليار دولار (مقابل نحو 12.6 مليار دولار خلال ذات المدة من العام المالي السابق).
إنّ استقطاب 14.5 مليار دولار ، وضخّها من الخارج الى داخل الاقتصاد المصري ، هو أحد النتائج الهامة لقرار الحكومة المصريّة الشجاع بخفض سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي .
وجميعنا نتذكّر كيف ارتفعَ "عويل" الكثيرين يومها ، للتخويف من "حقيقة" (أو حماقة) اقتصادية "مُطلَقة" مفادها أنّ هذا الإجراء سيُلحِق ضرراً هائِلاً بالاقتصاد المصري المُنهَك (والذي يقف على حافّة الإفلاس) ، وسيعمل على إفقار المصريّين (الفقراء أصلاً) بفعل ارتفاع معدلات التضخّم (المستوى العام للأسعار).
وبعد مرور أقل من عام على ذلك ، بدأ معدّل التضخّم بالانخفاض تدريجيّاً في مصر الآن ، وتمكّنَ 100 مليون مصري من التعايش مع قرار حكومي مدروس وسليم (من الناحيتين الاقتصادية والماليّة) ، ومُتوافَق عليه مع "السُلطة النقدية" مُمثّلة بالبنك المركزي المصري .
أمّا لدينا في العراق فإنّ سعر صرف الدينار مقابل الدولار الأمريكي هو "خطّ أحمر" ، وشأن "مُقدّس" من شؤون السياسة النقدية المُلتَبِسة في هذا البلد . و "الاستقرار النقدي" لدينا هو اهم بكثير من أعاصير الخراب متعدّد الأبعاد التي تضربُ العراقَ طولاً و عرْضاً ، وهو أهمّ بكثيرٍ من إعمار هذا الخراب ، وأهمّ من التنمية .
و "مزاد العملة" (أو "نافذة بيع العملة" في البنك المركزيّ) هو الآخر شأنٌ مُقدّس ، ولا يجوزُ المساسُ بقدسيّتهِ لأنّهُ يحمي الاقتصاد و "قيمة الدينار" من ("تسونامي" كتلة النقد الضخمة في التداول) ، دون أن يكلّف أحدٌ نفسه مسؤولية البحث في جدوى وفاعلية البدائل المطروحة ، والأقلّ ضرراً ، من هذا "المزاد" ، أو ان يعملَ بجديّة وصدق على وضع هذه البدائل ( وقد أشبعها بعض الاقتصاديين العراقيين بحثاً وتحليلاً) موضع التطبيق .
وها نحنُ الآن .. نستدينُ بضعة مئات الملايين من الدولارات من الدول الأخرى (كقروض اجنبيّة) ، ونتحمّلُ عبء سداد اقساطها وفوائدها (نحنُ والأجيالُ اللاحقة لنا) ، في ذات الوقت الذي نبيع فيه مليارات الدولارات سنوياً من خلال تلكَ "النافذة" المفتوحةِ على وسعها (لتلبية احتياجات القطاع الخاص "التجاري" من الدولار).
وبهذا الصدد فإنّ مبيعات البنك المركزي من الدولار الأمريكي للمصارف في عام 2016 كانت قد بلغت 33.5 مليار دولار، بانخفاض قدره 11 مليار دولار عن عام 2015 .
غير أنّ مبيعات البنك المركزي العراقي من الدولار الامريكي خلال الربع الأوّل من العام الحالي 2017 عادتْ و ارتفعتْ إلى أكثر من ثلاثة مليارات مقارنة بالعام الماضي. وبلغت مبيعات البنك من الدولار للمصارف (منذ بداية العام الحالي ولغاية 30 آذار (2017 10 مليار و866 مليون و 666 الف و 863 دولار". وكانت مبيعات البنك من الدولار في ذات التاريخ من العام الماضي (2016) قد بلغت 7 مليار و 807 مليون و 477 الف و 290 دولار.
وبينما يُعاني ملايين العراقيين من ارتفاعٍ غير مسبوق في مُعدّلات ودرجات الحرمانِ والفاقةِ والهشاشة والفقر متعدّد الأبعاد ، فإنّ حكومتنا "تخافُ" عليهم من ارتفاع معدّلات التضخم (الذي لا يزيد حاليّا عن 2% استناداً لأفضل التقديرات ، و عن 4% استناداً لأسوإها ) ، وكأنّ هؤلاء المواطنين يعيشون في بلد مُتقدّمٍ ، و مُستقّر (سياسيا واقتصادياً واجتماعياً) ، وليس في العراق المُبتلى بكلّ انواعِ المحنِ ، وأكثرها فتكاً بالأموالِ والأنفُسِ والثمرات .
تُرى من جعل "استقرار" سعر صرف الدينار ، و الحفاظ على قيمة الدينار "القويّ" و "الغالي" ، والدولار "الضعيف " و "الرخيص " .. و "نافذة بيع العملة" ، و "تسهيلات" الاستيرادات "المُنفَلِتة" .. ومعدلات التضخّم المتدنيّة جداً (حتّى بمعايير الدول المتقدّمة) ، وما يرتبط بها من تدابير واجراءات نقدية ومالية وتجارية مهزوزة وغير فاعلة (أو غير مُجدية) .. من جعل جميع هذه الموضوعات و السياسات والإجراءات مُقدّسةً وراسخةً الى هذا الحدّ ، و غير قابلةٍ للاستبدال ، رغم كلّ ما اثير حولها من تحفّظات ، وشبهات فساد ، وآثار اقتصاديّة غير مرغوبة؟ واذا كانت هناك جهةٌ ضاغطةٌ ما ، تدفعُ لاستمرار العمل بهذه "المنظومات" ..فلماذا .. وإلى متى .. و مَن هي .. وأين ؟ .
والآن .. ونحنُ على أعتاب اعداد الموازنة العامة للدولة للسنة الماليّة 2018 ..
لماذا لا يبحث الاقتصاديّون لدينا في "التمويل بالتضخّم" ( كأسلوبِ طاريءٍ و مؤقّتٍ و احترازيّ ) ، لسد العجز في الموازنة العامة للدولة ، في ظروفٍ كالتي نعيشها الآن ؟.
هل تعتقدون أنّنا قادرون الآن على تأسيس شراكات حقيقية مع القطاع الخاص المحلّي والعربي والأجنبي ؟
على انفاذ قوانين وفرض سياسات قادرة على توفير بيئة جاذبة للاستثمار ؟
على تقديم حوافز داعمة للصناعة الوطنيّة ، ومُعزّزة للتنافسية على المستوى الداخلي والخارجي ؟
على تنويع الاقتصاد ، وخلق مصادر بديلة للدخل والناتج ؟
على تحويل الشركات العامة العاطلة وشبه العاطلة ، الى رمزٍ من رموز القوّة الاقتصادية للدولة والقطاع الخاص معاً ؟.
هل نحن قادرونَ على بَسْطِ سُلْطة القانون على الناس .. كُلّ الناس ؟
لماذا التجارةُ "المكوّناتيّة" بالتجزئة ، و "المضاربات" السياسية في سوق "المُفْرَد" ، بدلاً من وضع الخطط والاستراتيجيات الكفوءة والفاعلة والرصينة ، التي تحوّلتْ (بفعل تكرار صياغاتها ومحاورها و معالجاتها) الى سلسلة لانهائيّة من البديهيّات ، وضاعَ كلّ الوقت والجهد والمال الذي أُنفِق عليها ، دونَ مردودٍ يُذكَر ؟.
لا أعرفُ الاجابة بدقّة عن هذه التساؤلات . ولا امتلكُ القدرة على اجتراح الحلول . إنّ هذا يفوق قدراتي بكثير .. ولكن :
ماهي الخبرة والمهنيّة و الأصالةُ والابتكار ، وما هو الاخلاصُ والحرصُ على مصالح البلاد وأهل البلاد ، إنْ لم يكن كلّ ذلك مُكَرّساً للبحثِ في البدائل ، واختيار الأفضلِ والأكفأ منها ، والأكثر واقعيّةً ، في جميع المجالات ؟
لقد تمّ " تجريب" كلّ شيء علينا .. وتحوّلنا من "مواطنين" الى فئران تجارب .. واستفحلت "امراضنا" المتوطّنةُ وغير المتوطّنةِ ، وفتَكَتْ بنا (مُجتمعاً واقتصاداً ونظام حُكْم ) ..
فما الذي ننتظرهُ بعد .. لنتغيّرَ .. و نُغيِّر ؟.
لماذا لا نفعل ذلك الآن ؟
لماذا لا نُفكّر ، ولو قليلاً ، في انْ نفعل ذلك الآن ؟
متى يُمكِنُ أنْ نفعلَ شيئاً غير عاديٍّ .. إنْ لم نفعل ذلك الآن ؟
لنجلس معاً ، كُلٌّ في اختصاصه الدقيق (أو في مجال اهتمامه ، أو نطاقِ حِرفَتِهِ) ، ونُفكّرَ في فعلٍ أشياءٍ ، وانتهاجَ سياساتٍ ، والعمل استناداً لمقارباتٍ جديدةٍ ، وانماطِ تفكيرٍ جديدةٍ ، غير تلكَ التي فعلناها منذ أربعة عشر عاماً ( في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلوم والتربية و الثقافة وغيرها ) .. وآلتْ بنا جميعاً ، إلى الأوضاع الكارثيّة التي نُعاني من تبعاتها الان .
لماذا لا نفعلُ ذلك الآن ؟
لماذا ؟







اخر الافلام

.. ترويج/ الاقتصاد والناس- المياه الفلسطينية تحت الاحتلال


.. النشرة الاقتصادية الثانية 2017/9/19


.. أويحيى يعلن عن تعديل قانون النقد والاقتراض في الجزائر




.. الذهب يتراجع 4 جنيهات.. وعيار 21 يسجل 637 جنيها للجرام


.. هذا الصباح- إنتاج العسل في كردستان العراق