الحوار المتمدن - موبايل



متاهة الكيف

عبد الغني سهاد

2017 / 9 / 13
الادب والفن


المتاهة ...الكيف ..الكيف ...ثم الكيف..
كثيرة هي الطرائف والنواذر التي رفع عليها خاثم السرية بعد موت الملك ..بفترة قصيرة.. منها تلك التي تقول انه بينما كان يتجول بجوانب قصره ليلا ..سمع هدير عبيده وضحكات مخازنيته يعلو في غرفة من غرف القصر الخارجية ..فدخلها على اصابع قدميه .. كان الجميع يمص سبسيه(عود الكيف) و يشد على مطويه.. جراب صغير يحرز فيه الكيف ) يدخنون الكيف هو القنب الهندي المزروع بكثافة في الريف ..وكل واحد بطريقته كان يسرع في التخلص من بضاعته والملك يحملق في وجوههم يراقب حركاتهم ..تشمم الرائحة الفاضحة ....ثم حدج في الوجوه الشاحبة الخائفة طويلا .. غادر الغرفة وهو يصرخ فيهم : كميوا اولاد القحاب..يالله..؟
هذه واقعة واقعية ,,,طريفة .تكلمت عنها الصحف والجرائد بعد موت الملك .. لها خلفيات كبيرة تعبر الى اي حد وصل تدخين هذه العشبة المدمرة للعقل والاحساس عند الناس ..ووصلت الى دهاليز القصر ..كما ان رد فعل الملك كان باردا وجامدا بل مشجعا كانه يفضل الشعب المكلخ عن الشعب اليقظ الواعي ...ففي لقاء له مع صحفيين اجانب اثر ضبط سفينة مغربية في البحر الابيض المتوسط مدججة بالحشيش الى اوروبا ..قال الملك ...يجب القضاء على الافة على مستوى الاستهلاك .. ..وليست على مستوى الانتاج .. و ما فهت من تصريحه سوى الاشارة الى اطلاق يد التجار ومنتجيه الكبار في السوق ...ففي كل حي عصابات او جماعات تتغير على طول الايام من تجار الحشيش ..تدخل وتخرج من السجن لتعود الى بيع الكيف للشعب ..كان سوق الكيف تزوده انهار عظيمة من الممولين الصغار والكبار
الشباب في الاحياء بسهولة يتوصولون بقسيمة الحشيش اسرع من حصولهم على كتاب او مجلة ..او ديوان شعر ..ليكن الشعار حينها ان الكيف يجلب الالهام ...وشبابنا سيؤلف الكتب والمؤلفات بمرجعية الحشيشة وحدها ..حتى بدون الاطلاع على دفة كتاب...ملعون هو الكتاب ..في جلبة وصداع للجيب والراس ..ومحبوب هو الحشيش ...فمنافعه شتى ...اسئلوا عنه الحشاشين ..ومنهم حسن الصباح ودولته القاهرة عبر التاريخ ...في حينا اربعة كبار من مروجي الحشيش ..
ليسوا اولئك الاربعة الدين وضعوا خريطة طريق في مؤتمرات الصلح باريس سنة 1919 ..وخريطة طريق تعني في لغة عصرهم الخريطة السياسية العالمية لما بعد الحرب العالمية الاولى ..وتركوا فسحات في الطريق لبناء دولة اسرائيل ..على راسهم كليمنصو...وولسون ..؟
الاربعة الكبار في حينا هم الكبران – فانجر-القتلة – وزروالة .هم يضعون خريطة تكليخ وتكليس عقول الناس وخاصة منهم الشباب ...قريبا من الحي في ساحةواسعة قبل مجيء شركة التبغ الفرنسية ...كان الناس بسجية وعفوية ومشروعية يتاجرون في عشبة الكيف ..تحط في السوق اطباق الكيف ...وما كان على الشاري سوى اخراج الته اي السبسي وتذوق البضاعة ..لذا ما نالت اعجابه وتنسمت له ذائقتها يشتري ..ما يلزمه لاسبوع او شهر او حتى ايام معدودة ...لكن بظهر الشركة تلك اصبح بيع الكيف جريمة يعاقب عليها المخزن مع الشركة ..بالسجن او الغرامة ,,,واصبحت سوقها رائجة في السر ..سرية ..السوق السوداء ..والسلطة تتغافى ولا تعاقب احد الا عندما تريد ..
حتى نعرض بعض زوايا متاهة الاربعة الكبار ما علينا الى التحلي بالادب واللياقة المطلوبين في تناول كل المواضيع ..اي بتقديم النساء على الرجال ..ونبدأ بفاطمة زروالة بائعة الحشيش ....في الدرب المدردب ..اي المنحدر ...بالذات على بابه ...هناك تنتصب دويرية زوروالة هي امرأة في الثلاثينات من عمرها غارقة في الجمال ,,شقراء الشعر زرقاء العيون واسعتها ,,قبل ان تستجير الدورية كانت زوجة السي احمد في الدار المقابلة لدارنا ..والسي احمد زوجها تاجر كبير في سوق الخضر المركزي ..ومادمت هي عاقر صارحها في الزواج مرة ثانية بموافقتها ..فلم توافق تم طلقها ..لم تريد مغادرة الدرب ..تكرهت في الرجال لانها حبت السي محمد وجاء بها من الاطلس المتوسط ..ولا تريد ان تبقى ضرة لذيه ...مارست حياتها باستقلال عنه وعن الناس ببيع الحشيش ..من ارشدها اليه ...لا احد يعرف ..لكني كنت اصاحب الوالد عند زيارته لبيت السي محمد لما كان زوجا لها ...كنت اسحر بزرقة عيونها وبكلامها الطيب ..تغمرني بالهدايا ..حلوى ..فواكه جافة تملآ بها جيوبي ..وتحضنني في حجرها وتشبعني قبلا .. ولما اصبحت شابا كانت تتحاشى رؤيتي وتطأطأ راسها عليه خرقة مزركشة امام باب دوريتها وهي تبيع الحشيش للشباب ...لم تعمر الحي طويلا سرعان ما هاجرته رفقة شاب من نفس منطقتها ..وودعت جبال درن ...على الاقل كانت نهايتها سعيدة ...كما رجوت لها .....
الثاني في الكبار الاربعة رجل غير شهم يسكن قريبا من الدويرية مسيرة زنقة ونصف حين تنتهي الزنقة بفرن تقليدي ورثته السعدية مولات الفران التي توجت بالقتلة هذا الرجل السكير ..الاسود البشرة ..كانه من بقايا عبيد السودان الذين شاركوا في بناء قصر البديع ..اخلاقه جلفة لا يحسن سوى الشتم والسب ..متوجس من الجميع ومن السعدية زوجته في كل ليلة معركة سواء معها او مع زبنائه من مدمني الحشيش ..اسمه القتلة كونه في اقتتال دائم ..كلما خرج من السجن كلما عاد اليه ..يقول لزبنائه انه محمي من طرف المخزن ..طالت مدته الاخيرة في السجن ..وصمدت بنته في الدراسة حصلت على البكالوريا و وولجت شعبة القانون الخاص على امل الحصول على الاجازة والاشتغال في المحاماة ..تطمح لتكون محامية شعبية للمغلوبين امثال القتلة ..
الثالث ..انسان غربي الاطوار لا يصل الحي الا بعد العصر على دراجة نارية ..يضعها في منزله ..ويتردد عليه في المنزل في الصابة الداخلية للدرب من يشترون منه قسيمات الكيف ...كان جميع افراد الاسرة يشاركون في عملية البيع ..الى منتصف الليل ..هل كان يشتغل في النهار جاسوسا او مخبرا ..وفي الليل تاجر صغير للمخدرات ....
اما الكبران وهو الرابع منهم ....بدون مؤاربة كان الرجل شهما واخلاقه عالية ...لكن المخزن كان يترصده في كل الاوقات ..يبيع زبنائه الكيف ..واذا ما لم تكن لهم سعر القسيمة درهم ونصف ..يقرضهم الى حين .. كان يصنع منتوجه بيده في منزله لذلك يحمل اسم الكبران . كهل اصلح الراس .لباسه المعتاد وهو عبارة عن كنزة رمادية يرتديها العمال في المصانع ..او الحانوتيين في السويقة ...تتدلى عليه الى الركبتين ..ومن ورائها القميص الابيض الانيق ...كان يرحم حال الطلبة ..وينصحهم بالابتعاد عن تدخين الحشيش ..والاهتمام بالدراسة .. ولى بسرعة زمن اربعة الكبار ..وانتشر في الحي الشياطين الصغار من الشباب الجدد ..في زمن المفهوم الجديد للسلطة والعهد الجديد لكن بضاعتهم سريعة المفعول قوية تتكون من الحبوب المهلوسة والقرقوبي .. تقرقبوا ....ياولاد ...شيء ما ينقص القصة قد يكون السياق الفني الموسيقي ..مادمنا بصدد المخدرات ..الساعة تدق السادسة مساءا على نغمات ناس الغيوان تصدح في ارجاء السويقة تنطلق من الفرن الذي كانت تمتلكه السعدية زوجة المدعو القتلي وهو اي الفرن الشعبي الان في ملك جماعة من الشباب الامازيغ....
مهمومة ...
ياخيي مهمومة ..
مهمومة..
هذه الدنيا
مهمومة ....

انتهى
عبد الغني سهاد
2009







اخر الافلام

.. اعرف سبب زيارة النجمة نيللى لمركز الإبداع بدار الأوبرا


.. الشاعر العراقي الكبير طالب الصالحي .. وقصيدة الردي


.. أشرف ذكي عن مسرحية «ليلة»: النوع دة مهم من المسرحيات الكوميد




.. هذا الصباح- مهرجان للموسيقى العربية الارتجالية بألمانيا


.. هذا الصباح-الترجمة الآلية تفتح آفاقا جديدة لقطاع الفندقة