الحوار المتمدن - موبايل



الحوار المفتوح........ ج15

عباس علي العلي

2017 / 9 / 15
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


باب الجهاد
سؤال_ من العناصر الخلافية اليوم بين عامة المسلمين وأقصد فقهائهم والنخبة أن الجهاد فرض عين أم فرض كفاية؟ والنقطة الثانية من يحق له إعلان الجهاد ويأمر به، السؤال في ضوء النصوص القرآنية بعيدا عن الروايات والتأويلات الأجتهادية ما هو الجهاد الواجب أولا ؟ ومن له حق الأفتاء به؟.
الجواب_ أولا لنعرف معنى الجهاد تعريفا جامعا تاما قبل الإجابة على بقية الأسئلة، الجهاد لغة هو بذل الجهد اللازم لمواجهة حالة سلبية تؤثر على حياة الفرد والمجتمع تتصل بالوجود السليم لهما دون أن تتعدى حالة المجاهدة أن تمس ما يجاورها أو تؤثر في غير الحالة المقصودة تحديدا، فليس الجهاد أن تتعدى على محترم أخر لم يكن على صلة بما تجاهد من أجله {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }العنكبوت6، فالجهاد هنا لمن يؤمن به هو جهاد للنفس أي أن أثره ونتائجه وإن كان حقيقيا هو في سبيل الله لكنه بالنتيجة هو ككل الواجبات والفرائض يعود للنفس الإنسانية أن تتلائم مع متطلبات الإيمان.
وعندما يكون الجهاد تهذيبا للنفس وتعديلا لميلها الطبيعي الأناني المحض فلا بد أن يكون عامل أساسي في بناء شخصية الإنسان المسلم حين تكون مفرداته المال والنفس{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }البقرة218، ففي النهاية الهدف منه رجاء الرحمة، ومن شروط الرحمة أن يكون الإنسان في تعامله مع الذات أو الغير أن يهتدي بهدى الله وأن يتقيه في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة، هنا يكون الجهاد أيضا بالضرورة الدينية والمنطقية باب من أبواب الرحمة بين الناس، فلا يعني الجهاد كما يفهمه الكثيرون أن تلزم الناس بما تملك من قوة أن يكونوا على ما تريد أنت أو تحب حتى لو كان الهدف إدخالهم في دين الله.
الجهاد موضوعه الأساسي كما في كل النصوص أما دفعا عن خطر على وجود المسلم وماله وعرضه ودينه أو يكون تحصينا له من أن يكون محل طمع عدوه، فلا جهاد يكون بالأعتداء على الأخر بقتاه أو بالضغط عليه لإلجائه أن يكون مسلما كما في حال الغزوات والفتوح ضد بلاد الأخر ونحن مأمورين يقاعدتين في هذا المجال:
• عدم التعدي على الأخر تحت أي مسمى أو ذريعة ، وأن لا نبدأ بقتال من لم يقاتلنا أو يشكل بأعماله وسلوكه خطر على المسلمين{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ }البقرة190.
• الدعوة لدين الله ليس لها توافق مع أستخدام القوة ضد من لا يؤمن بها طالما أنها حق كما نؤمن وأن الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة بإرادته وحده، ولكن الدعوة لله هي دعوة عقل ورحمة ولطف بالناس فلا بد أن تبقى كذلك والله يهدي من يشاء {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }النحل125.
فكل تصرف وإن كان الهدف منه أن يكون كل الناس على دين الله يخرج عن هاتين القاعدتين يكون من سلوكيات البشر التي لا علاقة لها بالجهاد مطلقا، ولو درسنا كل الغزوات التي قادها الرسول في حياته أو أمر بها سنجدها في أطار الدفاع عن النفس والمجتمع أو تحييد أعداء الدين من أن يتسببوا في إفشال الدعوة أو نقضا للعهود والأخلال بالمواثيق المعقودة، الجهاد بمعنى حرب الأخرين وقتالهم وإرغامهم على أن يكون مسلمين تتناقض مع روح الدين وجوهرية الحرية في الإيمان الصحيح {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } يونس99.
هنا يتبين حد الجهاد على الكيفية التي أمرنا الله بها، ومدى فرضه ومبرراته وبالتالي فمن يملك حق أعلان الجهاد هو من يملك حق التقدير في بيان ما هو الملزم وما هو طارئ، أو ما يمكن أن يعالج بطريقة أخرى كالحوار أو أستخدام ما هو متيسر من وسائل وأساليب فض النزاعات بين المجتمعات أو بين الناس جميعا، إن التلاعب في تحديد معنى الجهاد وفرضه على الناس بعنوان الدعوة لله أو أخراج الناس من الظلمات إلى النور كما أفتى بها مجتهدي وفقهاء المنظومة الإسلامية سابقا وحاليا هو نوع من أنواع قتل الناس بلا سبب وأعتداء صريح على الدين وبأسمه قبل أن يكون أعتداء على الإنسان ومصادرة حقه في أن يكون كما يشاء مؤمنا أو كافرا ولله عاقبة الأمور.
سؤال_ ألا تظن أن بكلامك هذا قد سفهت التاريخ الإسلامي وحركة تطوره وتشكك في أن الفتوحات التي جعلت الإسلام حقيقة واقعة تمتد بحدودها من شرق الصين ألى غرب العالم القديم، وهو ما يمثل عند الكثيرين عملا بطوليا أرادوا به وجه الله؟.
الجواب_ من يؤمن بـ (أن الله بعث الإسلام بالرعب)وبمقولة (جئناكم بالموت) و(أن الجنة تحت ظلال السيوف) سيرى في كلامي تعديا على عقائدهم ورؤائهم الذاتية، ولكن قبل أن نجيبهم على ما يزعمون أنه حق وأنه فرض من الله أقول (هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، فليئتين أحدهم بنص محكم ثابت على ما يقولون {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ }البقرة190، فالقتال الذي يكون خارج الدفع كما أسلفنا لا يكون قتالا في سبيل الله وتلك سنة الله التي خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا{وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} آل عمران167.
اليوم نشهد في عالم التحضر والمدنية ألافا بل عشرات الألوف من الناس يدخلون في دين الله لأنهم عرفوا الدين عن قرب ولم يكن للسيف دور أو للجهاد بمعنى الحرب وجود، دين الله دين عقول ودين منطق ودين حوار ورضا، ولو أمن المسلمون بأن دينهم دين محبة ودعوة صالحة بالحسنى لما لجئوا إلى إرهاب الناس وقتالهم وإرغامهم على أن يكونوا مسلمين، وقد تعلقت في بعض النفوس حسرة وقد ظلموا وأعتدى البعض على وجودهم بحجة الجهاد والدعوة التي أستنكرها الله أصلا لأنها من أخلاق وسلوكيات الأقوام المعاندة والمستكبرة على أمره {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ{97} فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ{ 98} الصافات، ولو مارسنا الدعوة والتبشير بها على أساس جادلهم بالتي هي أحسن لما تفرقنا وأصبحنا أمم تنازع بعضها وقتاتل من أجل أهداف ومرام السلطة والملك والتوسع وطغيان الأنا القاتلة، ولأضحى الناس على حقيقة أقرب من حقيقة الدين السمحة.
سؤال_ هل الجهاد بهذا المعنى تربية نفسية إعدادية للإنسان المسلم قبل أن تكون تربية عسكرية وحربية له وقد أمرنا الله تعالى كذلك بها {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }الأنفال60؟.
الجواب_ لو قرأنا النص من خلال عملية تفكيك أحترافي للنص وأعدنا ترتيب المفاهيم التي أراد الله أن تصل لنا واضحة سنجد ما يلي:
1. الإعداد النفسي والمادي لمواجهة حالات طارئة أو متوقعة من الغير بمعنى (عدز) تحديدا، قد تتسبب يضرر أو تمس وجوده الكلي واجب ضروري وحتمي وعقلاني لحماية المجتمع الإسلامي من خطر أن يكون مطمع للغير.
2. هناك محددين بالنص هما القوة بشكل مطلق وهنا علينا أن نفهم القوة بمعناها الشمولي أقتصاديا وثقافيا وأجتماعيا وأخلاقيا كي يكون المجتمع الإسلامي أو الكيان المجتمعي قادر على العمل بمنظومة قوية ومترابطة من العلاقات التي تحميه، وهناك أشارة منفصلة عن القوة العسكرية (رباط الخيل)، فلا يمكن أن تكون قويا بالنشاط العسكري بغياب مصادر القوة الأخرى وعلى رأسها العدل والحرية والنظام الأقتصادي الذي يمكنه أن يسند الجهد العسكري.
3. الإرهاب هنا بمعنى ردع العدو من التفكير في أن يمس أو يعتدي علينا من خلال سلسلة من التدابير التي تظهر مكمن القوة وتخفي نقاط الضعف، لا بمعنى زرع الخوف والأعتداء على الأخر بدون أن يكون هناك فعل مقابل، الإرهاب في المعني جعل العدو يفكر ألف مرة قبل أن يتخذ قرار بشن الحرب أو الأعتداء وبذلك نحمي المجتمع بما يسمى بالدفاع الهجومي الذاتي.
4. هذا الإرهاب والإعداد النفسي والحربي موجه لفئتين حصرا وتحديدا (عدو الله) و (عدوكم)، فلا يمكن أن نستخدم هذا الإسلوب لمن لا يعادينا أو لا يظهر العداوة ونية الأعتداء على عباد الله، وهناك فئة ثالثة لم يحددها النص بشكل مباشر وإنما ذكرها بالتعميم ( أخرين من دونهم) هؤلاء هم الذين يستفيدون من الصراع بين الأمم وبين الإنسان وأخيه الإنسان، هذه الفئات تملك مشروعا حقيقيا الهدف منه إيذاء المسلمين وإنهاء وجودهم، المنطق العقلي يتماشى تماما مع هذا المنطق العسكري ويماهيه بالشكل والمضمون، لكن النص أيضا لا يأمرنا بالأعتداء فقط لأن الأخر لديه نية الأعتداء أو الإيذاء بل جل ما يشير إليه أن نكون على قدر وتقدير الحالة وبمستوى من التأهب المانع من حدوث الحرب أو القتال.
5. النص بما فيه من أفكار يؤسس لنظرية الردع الأستباقي الذي يقلل من تكلفة الحرب وأضرارها ، ويحفظ للناس من نسبة عالية من الدماء التي تراق في نزاع لم ينشأ بعد وقد ينتهي في حدود الردع والإرهاب النفسي.
الجواب هنا نعم الجهاد تربية نفسية أولا وأخيرا وإعداد حقيقي لأن يكون الإنسان حريصا على وجوده بالقدر الذي يحميه من أعتداء الأخر، لذا فكل دعوة للجهاد بالنصوص هي دعوة لتقوية وتمتين العوامل النفسية عند الإنسان المسلم كي يحافظ على مصدر قوته وهو العامل الروحي قبل العامل المادي.







اخر الافلام

.. فرص نجاح قمة إسطنبول الإسلامية بشأن قرار ترمب


.. الحصاد- القدس.. اختبار القمة الإسلامية


.. هل فعلا انتهت الحرب ضد تنظيم -الدولة الإسلامية- في سوريا وال




.. العبادي يعلن تحرير العراق من قبضة تنظيم- الدولة الإسلامية-


.. العراق: عرض عسكري في بغداد للاحتفال بالنصر على تنظيم -الدولة