الحوار المتمدن - موبايل



الشاعر في ديوان -مطر سري- زهير أبو شايب

رائد الحواري

2017 / 9 / 24
الادب والفن



اجمل الشعر الذي يستفزنا، يثيرنا، يبعث فينا حالة من الهيام في فضاءات الصورة والكلمة والفكرة والمعنى، الشعر له مكانة خاصة، لما له من وقع على القارئ، فعندما يكون الشاعر متمكنا من لغته ومن أدواته الشعرية ومأزوم بمجموعة من المسائل، خاصة أن كانت وطنية/قومية/إنسانية لا بد أن تفجر فيه حالة من الإبداع لم يكن ليصل إليها دون هذا التأزم الممزوج بقدراته الشعرية الابداعية، لأول مرة أقرأ ديون شعر ويأتني في الحلم، وكأنه كائن إنساني يدعوني لتعرف عليه أكثر، واقامة علاقة فيما بيننا، ولا أدري لم ترك هذا الديوان شيء في نفسي أكثر من سواه، هل هي الصورة أم الأفكار، أم طريق الشاعر في تقديم السواد، أم مخاطبته للمرأة، أم استخدامه الألفاظ "تعري، الذئب، الحلم" والتي تشير إلى مكونات العقل الباطن فينا، والتي من خلالها نريد الخروج من واقعنا البائس والانتقال إلى حلمنا في حياة سوية، بعيدا عن القهر والاحتلال والارهاب والخراب، إن كان خربا ماديا أم فكريا.
قبل الدخول إلى عالم الديوان أنوه إلى صاحب الفضل صديقي الشاعر "يونس عطاري" الذي أرسل لي نسخة من الديوان، ينصحني بقراءته لما فيه من تجديد ليس على مستوى الفكرة فحسب بل على مستوى الشكل أيضا، فهو صاحب الفضل في هذا المعرفة/العلاقة التي نشأت بيننا، وهنا أقول بأن علاقة الأنسان بالكتاب، قد تكون اكثر ديمومة من علاقة الإنسان بالإنسان، لأن الإنسان قد يغيب فيحدث غيابه أثرا سلبيا فينا/في طبيعة العلاقة الحميمة بينا، لكن الكتاب يبقى قريبا منا، ويمكننا اتمام التواصل فيما بيننا متى نريد، فهو دائما أمام ناظرينا، وما علينا إلا فتحه.


مخاطبة المرأة
قلنا أن المرأة من العناصر التي تخفف من توترنا وتهدئ من روعنا، فهي أحدى الملاجئ التي نلجأ إليها وقت الخطر/الشدة، فنحن في العقل الباطن نميل إليها، وعندما يخاطبها الشاعر يكون أما في ذروة الفرح أو في حالة من الغضب الشديد، لهذا نلجأ إليها دون سواها من الناس، يفتتح لنا الديوان بهذا الخطاب:
"قبل عينيك
لماذا كانت الوردة لا ترمز في الشعر إلى شيء
وكان البحر لا يبتعد عن صورته
إلا قليلا.
ولماذا صارت الوردة شيئا آخر الآن،
وصار البحر ينأى
مثل أبطال الأساطير
ويزداد غموضا.
ربما كنت رماديا قليلا قبل عينيك
أنا وابحر والوردة والبرعم والطائر والعش
وحتى أنت
كنا قبل عينيك، رماديين
حتى القمر في الصحراء،
لو لم تره عيناك هاتان
لما صار إلها بدويا عاشقا
تعبده كل نساء الأرض" ص9و10
المرأة فيما سبق هي خالق الجمال في الحياة، وهي من كونت وأوجدت مفاهيم/افكارا جديدة استطاع من خلالها الأنسان أن ينتقل من حالة العادية إلى حالة التجديد والتفكير والتأمل، فهي الباعث فيه كل ما هو جميل، فكل ما هو جميل على الأرض وفي الطبيعة الأرضية لم يكن ليكون جميلا بدونها، والبحر لم يكن ليحمل مفهوما جديدا دونها، والقمر أيضا كذلك، حتى الشاعر لم يكن ليكون شاعرا بدونها، بدون عيناها، فهنا المرأة/عينيها تأخذ شيئا من صفات الربة "عشتار" التي تعطي بهاءً وجماليا وخصبا ونماءً للأرض وما عليها من كائنات، وهناك اشارة وضعها الشاعر عندما تحدث عن القمر الإله "سن" وكيف تحول إلى معشوقا/معبودا من نساء الأرض، ومن ثم رجال الأرض، فهنا يؤكد لنا الشاعر أن المرأة هي اساس العشق والحب في الأرض، وهي من تخبرنا، وتعرفنا وترسخ فينا مفهوم الحب/العشق، وبدونها لم ولن نقدر أن نمارس هذا الفعل الإنساني.
التوحد بين الشاعر والمرأة وبقية الأشياء/العناصر يقدمه لنا بطريقة صوفية، بحيث تتداخل كل هذه العناصر مع بعضها البعض لتعطينا كائن جديد:
"لكنك منذ قلت لعينيك: أنظرا كي تريا، غبت
ترين البحر
لكن لا ترين الجبل الغارق في البحر،
وتمضين إلى نفسك لكن دون حلم
وأنا
والوردة
والطائر
والعش
وحتى أنت
موجودون في الحلم الذي لم تراه عيناك
موجودون في المستقبل نجهل من أي الحكايات
سيأتي
فأنظري في حلمك الآن هنا حتى تريني
وأنظري في حلمي
حتى ترى نفسك أنت." ص10و11، التداخل بين الإنسان والإنسان، بين الإنسان والطبيعة، بين المرأة والشاعر، بن المرأة وعينيها، بين الحلم والواقع، بين الحلم والحلم، كل هذا الجمع/التوحد/المزج لم يكن ليحصل بدونها، بدون عينيها.
فالفكرة هنا أعمق وأوسع مما يمكننا أن نقرنها/نماثلها بأي أفكار سابقة، فالمرأة تبعث في الشاعر هذه المفاهيم/الأفكار التي لم يسبقه إليها أحد.
الشاعر والقصيدة
هناك علاقة جدلية بين الشاعر والقصيدة، بحيث يتداخلا معا، بحيث يتداخل علينا هذا الأمر: أيهما يخرج الآخر، القصيدة تخرج الشاعر لنا، أم ان الشاعر هو الذي يخرج القصيدة؟ وهل هذا الخروج أو الخارج واضح/نقي/صافي أم هناك عناصر/شوائب فيه من الطرف الآخر؟.
هذه الأسئلة يجيبنا عليها الشاعر بهذا الشكل:
"لو فجأة
وأنا افكر فيك أثناء الكتابة
تدخل امرأة بكامل وردها
من باب مكتبي الصغير
ولا أحس بها
لشدة ما سكرت وغبت
في هذي القصيدة
وانا أحدق مثل وحي فيك:
هل حقا خلقتك دون أن أدري؟
وهل حقا رغبت
بكل ما أوتيت من مطر،
فكنت؟
أكاد مثلك لا أصدق أن هذي أنت
أنك جئت من حلمي،
وأنك لن تكوني في أي مكان ما
لا أصدق أنني سأراك واقفة أمامي
بعد ثانيتين
تبتسمين كامرأة
يكاد الورد ينهب صدرها. ص11و12.
القصيدة كائن/مخلوق حي، وهو مخلوق مذهل، يتجاوز بجمالية العديد من الكائنات الأخرى، فالشاعر بعد أن توحد مع حلمه/القصيدة استطاع أن يخلق/يوجد لنا هذا الكائن البهي، فهنا علاقة بين الشاعر وبين قصيدته.
لكن هناك علاقة أخرى بين الشاعر والمرأة من جهة وبين القصيدة، فالمرأة هي الباعث، هي المخصب للقصيدة، فبدونها لم يكن للقصيدة أن تتكون، أن تكون، لأن عنصر الخصب يتشكل من الشاعر ومن المرأة معا، فعلاقة المزج يتكون من ثلاثية العناصر، المرأة والرجل والقصيدة.
الحرية الوثنية
الحنين إلى بدايات تشكيل العلاقة الاجتماعية يشير/يحمل بين ثنياه رفض ما هو معاصر، إلى ما هو سائد، فالشاعر يجد ذاته مع حبيبته في تلك البدايات الوثنية، قبل أن تسود مفاهيم الاجتماع والدين التي تحد من حريتهما، يقدم لنا تلك الحرية التي ينشدها بهذا الشكل:
"هنا
حيث يغتسل القلب في الشهوات
ويعوي معا جسدانا الخفيفان جدا
كذئبين يفترسان القمر
هنا
حيث تكبر رغبتنا
مثل حرش من السرو في منحدر
دعيني هنا، حيث لا أنت
حيث غيابك يحرس غيبوبتي،
ويقول قلبي:
إذا شئت أن تتذوق أعذب ما في الوجود
فعش في خطر"ص19،
يستخدم الشاعر فعل "الاغتسال" والذي يعطي مدلول الانتقال من حالة إلى أخرى/ ومن وضع إلى آخر، فكل إنسان يريد أن يدخل في معتقد جديد عليه الاغتسال، في المسيحية التعميد بالماء، وفي الإسلام غسل الجسد، وهناك ديانات كما هو الحال في الهند تستخدم النهر لتبريك، إذن الماء والاغتسال يمثل حالة جديدة للإنسان، لكن الشاعر يستخدمها بشكل معكوس، بمعنى أنه يريد الخروج من الحاضر وما فيه من معتقدات إلى الماضي، فالانتقال الذي ينشد، انتقال إلى الماضي، إلى بدايات تشكيل المجتمعات، بعيدا عن الصخب والهدير، بعيد عن الحروب والدمار، فعالمه هو الطبيعة البكر، التي لا يوجد فيها محرم، ما هو محظور، لهذا يستخدم تعبير "ذئبين يفترسان، السرو في المنحدر"، فرغم أن الطبيعة الأولى فيها مخاطرة والتي تتمثل في المفترسات، إلا أن الشاعر برر لنا هذه المخاطرة بآخر فقرة " إذا شئت أن تتذوق أعذب ما في الوجود فعش في خطر".
يفصل لنا الشاعر حياته مع محبوبته في هذه البدايات لكي يقربنا من المفهوم الذي يطرحه، فهل عالنا المعاصر هو أفضل من عالمه؟ أم العكس هو الصحيح؟.
"معي قمر
تشتهين التسكع عارية تحته
والسقوط على العشب
وجهك يقطر ضوءا
وقلبك يعبر نهر المجرة
والنيل صورته في السماء
معي مطر جاهلي
ليبتل شعرك
شعر الالهاب في الظل
جعدا وأسود
لكنه يتلألأ حتى الذهب
معي لك ما تشتهين وما أشتهي
حلم
وخيول مقطرة
وقوارير مملؤة باللهب
ص20و21.
المكان خلق/وجد ليتواجد فيه الشاعر وامرأته فقط، وكأن الأرض كلها لهما دون سواهما، لا ينازعهما أي كائن آخر عليها، لهذا نجدها تتعرى أمام حبيبها، دون أي حرج، فلا يوجد من يعكر صفوة اللقاء، ونجد فراشها العشب، لهذا نجدها تسقط على فراشها العشبي، ونجد البهاء الأنثوي، البكر، من خلال وصف وجهها المشع ضوءا، ونجده يزداد تلألؤا في الماء، المطر، ويختم لنا المشهد بالاكتمال المطلق بحيث لا نجد أي نواقص أو خلل أو حاجات تضاف إلى هذا العالم الطبيعي، الوثني:
"معي لك ما تشتهين وما أشتهي
حلم"
فهنا يكتمل حلم الشاعر فهو في جنة الطبيعة، مع أنثاه التي يتماهى معها، بحيث نجدهما يغذي كلا منهما شهوته الآخر، لهذا نجدهما متجددي الشهوة والرغبة، إن كانت جسدية ام روحية.

الجسد/المادة
واهماً كل من يدعي أن الروح يمكنها أن تكون/تنمو/تتطور/تزدهر فكرتها دون وجود الجسد، فالجسد/المادة هي الأساس، وهو من يبنى عليه الفكر الروحي، ولا يمكن أن تكون الروح بدون مادة/جسد، لهذا يعطينا/يؤكد لنا الشاعر على هذه الأهمية للجسد من خلال قوله:
"خذي الورد وحدك
والضوء وحدك
يا امرأةً ملأ الله سرتها بالنبذ
وعذبني بالعطش" ص25،
وجود شيء من العذاب/الألم، يغذي/تدفع بالجسد ليستمر في عمله، فهو يخلق مزيد من الشهوة المتجددة، فحالة طبيعية أن تشبع/تكتفي أنثى الشاعر ويشبع هو من أنثاه، ولكن لكي تستمر العلاقة الحميمة بينمها لا بد من وجود محفزات/مثيرات تدفهما ليجددا شهوتهما، فأوجد الشاعر "العطش" ليجدد اللهب في جسده وجسدها.

الثالوث المقدس
المقدس في المسيحية الأب، الأبن، الروح القدس، بواسطة الماء، فشرط الوصول إلى المقدس الاغتسال بالماء/ أو مرور الماء على الجسد، والمقدس عند الشاعر هو، وهي، والقصيدة، وعليهم أن يمروا بالماء أيضا.
"أما أنا فاشتقت
أعني: اشتقت حتى آخري
وحلمت أنك تنزلين،
وأنت عارية تماما،
في مياه الحلم
أعني: اشتقت
لا تدعي ظلالا أو ستائر
فوق عريك،
بل دعي قمرا يلحف في السماء الليلكية
وحده
ليرى ويستمع رشق الماء
عند الباب
أعني:
اشتقت حتى لم أعد أشتاق
وانتهت القصيدة بانتهاء الشاعر
ماذا سأفعل عندما اشتقاق؟
هل أمضي إلى ليل أقل
لكي أظل
مبللا بالحلم حتى آخري؟ ص 35 و36.
رغم أن الوصف الذي قدمه لنا اشاعر يتحدث عن جسدها، عن علاقة جسدية، إلا أنها تحمل مفهوما روحيا/جماليا، فمشهد امرأته يمتعه جماليا من خلال الطبيعة والماء وجسدها، فهنا الطبيعة كاملة، الأرض والإنسان، كلهما متحرر من كل شيء، لها نجد العري هو الطاغي، فلا مبرر لوجود أي ستائر/حواجز/ظلال تحد من جمالية هذه هذا الطبيعة وهذه الإنسانية، وإذا ما اضفنا القمر الذي يزيد من جمال الطبيعة وجسدها، يكون للمشهد جمالية تضاف إليه/ إلى ما فيه، بحيث تكتمل عناصر الجمال معا.
في هذه الأجواء الطبيعية والمتحررة يكتب الشاعر قصيدته، لكن كتابته للقصيدة لم تعطياه المتعة الكاملة والمتجددة، لهذا يردها أن تكون متعة سرمدية لا تنتهي، فقال:
"لكي أظل
مبللا بالحلم حتى آخري".
فمثل هذا الطرح، الافكار، التصوير، لم يسبق أن تناوله أحد من الشعراء، لهذا نقول أن "يوسف أبو شايب" تألق بشكل منفرد في هذا الديوان من خلال الشكل والمضمون، واستطاع أن يقدم ما يدهشنا ويمتعنا في ذات الوقت، لهذا يمكننا القول أن الديوان فقد أوصل لنا فكرة التوحد، بين الرجل والمرأة، بين الإنسان والطبيعة، بين الشاعر والقصيدة، لهذا نقول أن ديوان "مطر سري" يعد نقلة نوعية في الشعر العربي الحديث.
الديوان من منشورات الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2016.







اخر الافلام

.. هذا الصباح-معرض بالمكسيك يجسد أبطال فيلم الرسوم -كوكو-


.. ازدهار الترجمة الثقافية في أفغانستان


.. SNL بالعربي - حلقة الفنانة فيفي عبده.. السبت 18نوفمبر 2017




.. SNL بالعربي - أمينة تشعل المسرح بأغنية -كلموه إسألوه- في جو


.. SNL بالعربي - قصة -الراجل الأسمر الجتة مع البيتزا- في الدرام