الحوار المتمدن - موبايل



فصل من روايتي (حين يحزن القمر)

عباس علي العلي

2017 / 10 / 1
الادب والفن


البحث عن أثر الظل
من حيث أنتهى كريم في تحرياته بدأ العم أبو ثامر أولى خطواته التي أثقلها الإحساس بالذنب على ما مضى، توجه وكريم إلى مديرية التربية التي لا بد لها أن تعرف عن مدرسة عملت ضمن مسئوليتها، كان كريم متأكدأ أن لا أحد سيجيب وإن كان يعرف، الخوف هنا من الحيطان حتى هو سيد المكان، من غرفة إلى غرفة ومن مسئول إلى مسئول لم يجدوا جوابا يلتمسون منه أي معنى لهذا الغياب اللا طبيعي.
كانت فكرة العم أبو ثامر أن يكون السؤال مختلفا نوعما لعلهم يبددون خوف الموظفين حين يسألون عن سميرة، في أخر الممر كانت هناك غرفة أشبه بالقاعة فيها أكثر من ستة موظفين كتب على بابها التعليم الثانوي، في زاوية بعيدة جلس رجل مسن يبدو أنه من أقدم من عمل في هذه الدائرة والظاهر أنه الأقل درجة بينهم، كان ينصت بشكل غريب للحوار الدائر بين الرجلين وموظفي الشعبة، وقبل أن ينتهوا إلى نتيجة خرج من مكانه حاملا كأس ماء فارغ متظاهرا أنه ذاهب به للشرب.
من عيون الجالسين خلف مناضدهم يقرأ كريم جواب يعرفه ولا يعرفه، لكنه في الأخر محاط بهالة من الخوف الذي يسري في عروق سكنها وأستأصل شجاعتها الطبيعية، لا يمكنه أن يشرح أكثر وأبو ثامر يحاول أن يستشف شيئا من أجوبة مبهمة لا تنفع ولا يكاد يبان لها عنوان، همس في أذنه ليقول..
_عذرا عمي أبو ثامر هؤلاء لديهم ما ليس لديك أتركهم فالعنوان واضح وصريح ..... لقد ذهبت سميره وأمها خلف الشمس...
خرج الإثنان ولم يبقى في المكتب غير سيدة وشاب في مقتبل العمر وقد إنكبا على شغلهم بتقليب الورق أو البحث بين طيات الملفات عن أشياء لا يريدوها... كانت الرسالة واضحة كوجه القمر ليلة التمام ... أتركونا وأذهبوا إلى بيوتكم فمن وقع في بئر الأسرار المحيفة لا يستوجب أن تسقطوا خلفه.... إنها نهاية لم نتوقعها لسيدتين غريبتين.
في نهاية الرحلة وعند زاوية ميتة عن الرؤيا كان يقف ذلك الموظف المسن مختبئا بخوفه ونادى بصوت الهمس أكثر ضجيجا منه وعيناه تترقب حتى الجدران كي لا تراه... دس في يد العم أبو ثامر ورقة وأنصرف سريعا ليختفي من الجهة الثانية.... بسرعة النبيه أخذ كريم الورقة من يد الرجل ودسها في جيبه وكأنه يرتب هندامه وأيضا كانت عيناه تخشيان نظرة من مكان ما.
أضطراب الرجلان يبدو وكأن هناك ما يمكن أن يهز الأرض من تحتهما فلا يستطيعا أن يهدأ، كريم في كل ثانية تمر وأخرى يتحسس ما في جيبه لعل فيه كنز لهما، برغم المسافة القريبة من مديرية التربية وبيت كريم إلا أن المشوار كان ثقيلا وبطيئا ومملا حد القرف من خطواتهما، أدلفا سوية ألى المنزل بسرعة وأغلق كريم الباب بالمزلاج وهو في حالة هذيان مع روحه، ماذا يا ترى كتب لنا هذا الرجل المسن؟....
سميرة التي ظل خيالها يداعب عقل كريم وهي في كل مرة تذكر له أبو رزاق الرجل الذي منحها قلب أب لم يذكر أنه سأل يوما من يكون....، هل كان من موظفي التربية أم رجل مر في حياتها كما تمر في سمائنا نجوم وغيوم منها ما بقي ثابتا ومنها من رحل ورحلت معه الذكريات، لو... لو ... كررها أكثر من مرة متحسرا على معرفة أبي رزاق قد يكون مفتاحا أو خطوة ليوم بحاجة أن نستخدمها للبحث عن ظل أمرأة كانت لغزا جميلا وذكرى جسدت شكل الحزن في ذاكرته وهو يتتبع أثرا لا يكاد يرى.
بين خوف وخشية وقلق أمسك كريم ويده ترتعش بالورقة ليجد ما لم يتوقعه، إنها الضوء الذي سمع كثيرا فيه في أخر النفق... أنا أعرف سميرة وأعرف والدتها فهي كانت جارتي وأنا من أستأجرت لهما الدار الصغيرة الملاصة لداري.... اليوم موعدنا الساعة الخامسة عصرا في بستان حجي رشاد زنكي بعيدا عن العيون .... أخوكم أبو رزاق.
قرأ الورقة وما فيها أكثر من مرة والعم أبو ثامر يتنبأ وهو يرى في عيني كريم بريق ودموع تتساقط فجأة.....
_ هل قال الرجل شيئا أبكاك؟
_ لا يا عم بل قال شيئا مفرحا أنه الرجل الذي أبحث عنه... قالت لي مرات عدة أنه بمثابة الأب لها وهو يعرف ماذا حدث....
_ ولماذا خائف ومرتبك وهو يسلم الورقة وكأنه يرتكب جريمة في عز النهار...
_ يا عم الرجل صاحب عائلة والنار قد أحاطت به فهو الوحيد الذي يعرف سميرة وأمها وهو من أستأجر الدار لهما وهذا يعني أنه تحت عين السلطة وقد يكون ناله شيئا منها...
_أفهم ذلك ولكن ماذا بعد؟
_موعدنا عصر هذا اليوم في بستان خارج المدينة ليكون بعيدا عن أعين رجال الأمن.
_هذا جيد .... أذن ننتظر العصر ونرى ...
تشتت الخوف والأرتباك وحل محلهما الترقب وأنتظار اللقار، ربما لا تكونا السيدتين كما كنا نظن، أسئلة وأحلام وأفتراضات بسطها كريم على قارعة طريق تصوراته لعل واحدة منها تصيب ويكتشف أن ما كان يظنه حتما مقضيا قد تحول مع أبو رزاق إلى نوع من الأمل، أو لربما لديه خبر أسود سيحطم كل هذا الكم من التصورا فسيقع مغشيا عليه من هول ما يسمع، مشتتا وكأنه في بحر أفكاره صار أسيرا للصفنات والصور التي تتبدل بين لحظة وأخرى، لم ينتبه لحاله وكلم نفسه في وجود العم أبو ثامر وهو مذهولا من كل أحلامه عن اللقاء.. فطن العم أبو ثامر لهذا التحول الذي أعترا كريم بعد قراءة الورقة... ربما أنه لم يخبره بالحقيقة كاملة ... ربما أخفى عنه سرا ما.
أمتدت يد العم بهدوء ليسحب الورقة من يد كريم دون أن يلقى أي أنتباه.... ياه كم أنت قاهر أيها الظلم.... أظن أن الرجل أكثر من صديق لسميرة... ربما يكون حبيبها أو ربما يكون أكثر من ذلك... قرأ الورقة أكثر من مرة..... لا شيء جديد فيها غير ما أخبره الشاب عنها.... أذن لماذا كل هذا السرحان؟ أهي لحظة أمل أم لحظة هيام .. أخرج الرجل سيجارة وأشعلها ليلفت أنتباه الكريم... غير صوت والدته المتكرر لم يستطع الرجل أن يخرجه من دائرة الشرود ...
أم كريم وضيفتها أخذهما الفضول في هذه الخلوة التي جمعت الرجلين.. دخلت تحمل بيدها أقداح الشاي ورأت أن ولدها ما زال مطرقا نحو الأرض يتأمل تفاصيل لم تقرأها جيدا، لعل هناك ما هو سيء.... لعل هناك ما هو محير، مع صوت الأم القريب أسترجع كريم وجوده لينهض لوالدته التي وقفت بالباب تنتظر أن يتناول منها أقداح الشاي أعدتها خصيصا لضيفهم القادم من جنوب الوطن، سألته عن الباقين (أستير وأركان) لم يعودوا إلى الدار منذ أن خرجا بعد وصولهما ، قد يكونوا ضلا الطريق أو تاه عليهما المكان...
_ لا تخافي أمي قد يكون أركان غريبا وهذه أول مرة يضع قدمه في مدينه سمع عنها ولم يرها إلا اليوم، أستير أكثر معرفة بكل شوارع كربلاء وهو كأنه ولد في أزقتها الضيقة من قبل.
_ولكنهما تأخرا كثيرا والأذان على وشك الرفوع.
_لا تخافي فهما قريبان جدا...
_أتمنى أن يعودا سريعا فهم متعبان من السفر وقد يكونا جائعين وهذا وقت الغداء.
سيأتون .... سيأتون.











اخر الافلام

.. الأميران وليام وهاري في فيلم حرب النجوم الجديد


.. نشرة الرابعة .. كيف كانت السينما في جدة قبل 40 عاما؟


.. صرخات من سورية فيلم لـ يفيغيني ايفنيفسكي وخلود الوليد برومو




.. ماذا قال محمد صبحى عقب تكريمه فى بمهرجان أيام قرطاج المسرحية


.. اليامي: لدينا مواهب سعودية لافتة في صناعة الأفلام