الحوار المتمدن - موبايل



جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (4-7)

عقيل الناصري

2017 / 10 / 2
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (4-7)

مبررات تعين فيصل الأول ملكاً:
لقد تجمعت، كما اعتقد، عدة دوافع لإختيار( إستيراد) فيصل ملكاً على العراق والتي كمنت في العوامل، نجملها بصورة مكثفة، وهي :
1- الجوانب الشخصية والذاتية لفيصل بإعتباره من أكثر الهاشمين دهاء، حسب رصد بطاطو، ولما له من كرازمية قيادية بين الضباط العراقيين المشاركين في (الثورة العربية) " ولما لمس فيه من رجاحة عقل وبعد سياسي ومشاعر قوية وخصال ايجابية أخرى"، حسب رأي محمد رضا الشبيبي ؛
2- يعرف جيدا حدود تحركه في علاقاته مع بريطانيا وأين يقف عندها، وهذا ما تحقق لهم من قيادته الجيش العربي وصدوعه بتنفيذ خطط القبادة الانكليزية العليا في المعارك ضد الترك والألمان .
3- نظرا لكونه غريب عن العراق لذا فإنه سيعتمد على بريطانيا أكثر لضمان بقاءه في السلطة وعدم تكرار تجربة طرده من سوريا ولأنه مرناً مطواعاً لا يعارض قوى الإحتلال في المسائل الكبرى التي تهم مصالح بريطانيا، وتمثل هذا الموقف من تعينه من قبل بريطانيا ملكاُ على سوريا رغم معرفته بماهيات اتفاقية سايكس- بيكو وأن سوريا من حصة فرنسا ؛
4- كما أن بريطانيا كانت بحاجة إليه وإلى صفته الروحية من خلال إدعائه (حقيقةً أم زيفاً) بأنه حفيد الرسول، بغية أرضاء المسلمين ؛
5- العلاقة الزبائنية التي نسجت بينه واسرته وبين بريطانيا وتعاونهما المشترك منذ عام 1916، من خلال الانتفاضة الشعبانية على السلطة العثمانية في ما أطلق عليه بـ (الثورة العربية) بقيادة أولاده ؛
6- "... لقد ذكرت أن بريطانيا كابدت خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات عند قمعها ثورة العشرين في العراق، وهذا ما دفعها إلى التفكير بطريقة أقل كلفة تضمن بها مصالحها في العراق. وعليه، أراد تشرشل أن يحصل من فيصل الأول على تعهد بتأييد الترتيبات البريطانية المتمثلة أساساً، بالإبقاء على الإنتداب بشكل معاهدة بين بريطانيا والعراق بحيث تضمن بريطانيا مصالحها من دون أن تضطرّ إلى تقديم خسائر بشرية ومادية. وفي هذا السياق تشير الوثائق البريطانية إلى أن تشرشل إراد أن يحصل على تأييد فيصل الأول لهذه الترتيبات قبل أن يسافر إلى مؤتمر القاهرة الذي عقد عام 1920 (في الحقيقة تم عقده في آذار 1921- الناصري). ولهذا الغرض، أوفد تشرشل كورنواليس، وهو من كبار موظفي المكتب العربي في القاهرة خلال الحرب الأولى وأصبح مستشارا لوزارة الداخلية للاجتماع مع الملك فيصل... من أجل التفاوض مع فيصل في إطار صفقة يتسلم بموجبها عرش العراق بعد أن يبدي تأييده للسياسة البريطانية في الشرق الأوسط عموماً، وفي العراق خصوصاً... " ؛
7- يكمن سبب أخر في الإتفاق الذي تم بين فيصل ورئيس الوكالة اليهودية وايزمان. إذ جرت المفاوضات بينهما على هامش مؤتمر فرساي، إنتهت بتوقيعهما في 3/1/ 1919 في لندن، على إتفاقٍ أعطى بموجبه فيصل بن الحسين اعترافاً ضمنياً بوعد بلفور الذي نص على لإيجاد وطن قومي لليهود في فلسطين، وذيله بتحفظ مفاده " أنه يوافق على موادها بشرط أن يحصل العرب على إستقلالهم، وإذا وقع أيّ تعديل في الوضع فلن يكون عندئذ مقيّداً بما ورد في الإتفاق ويجب اعتباره ملغى وأنه لن يكون مسؤولاً عما جاء فيه بأي طريقة كانت... "؛
8- "... كان عداء فيصل الأول للبلشفية أحد العوامل التي أستندت إليها الخارجية البريطانية لتفضيله على غيره ليكون سداً أمام الشيوعية في العراق وفي المنطقة ... ".
9- ما قام به الضباط الشريفيون (الذين وقفوا معه وأبيه في ما يسمى بالثورة العربية وأثناء حكمه في سوريا) من دعاية للأمير فيصل، حيث أُرسِل بعضهم إلى العراق قبيل تنصيبه ملكاً ليلعبوا دوراً مهماً في ذلك بالاتفاق الضمني والصريح مع البريطانيين، خاصةً بعد أن تم طرده من قبل القرنسيين.
10- كان"... فيصلاً يمثل عنصر الموازنة المطلوبة في هذه المرحلة لضمان مصالح بريطانيا في العراق وهيمنتها على مقدراته وإرضاء الشعب العراقي بعد التطورات الداخلية العنيفة التي توجت بثورة العشرين... ". أن سياسة فيصل التي وعدت بتنفيذ التوجيهات البريطانيا مع إقامة إدارة عربية وليس عراقية كانت الصيغة الممكنة في حينها حسب وجهة نظر المحتل والمحبذ له .
11- قدرته الفائقة على تفتيت القوى السياسية الرديكالية الوطنية المعارضة، وإغراء المساومين على التخلي من معارضتهم .
12- دعم ومساند ترشيحه كل من وزراتي الخارجية والمستعمرات البريطانية.
وتأسيساً على ما ذكر، فلم يتم تعين (أو إستيراد!؟) فيصل بدون ضمان القوى المتحكمة بالقرار السياسي في المشرق العربي الخارجية والداخلية، وتتمثل في كل من : بريطانيا ؛ فرنسا ؛ الحركة الصهيونية ؛ تعاون الضباط الشريفيين معهما، وإشراف قوى الاحتلال على عملية الاستفتاء المقررة نتيجتها سلفاً، بغية التحكم بالنتائج المرغوبة من قبيلهما حول تعين فيصل ملكاً على العراق فحسب، بدليل أنه "... نُصب بإستفتاء جماعي لأنه مرشحنا نحن ... " حسب قول مس بيل. وقد سبق (للخاتون) كما أطلق عليها العراقيون، قد أّخْلَت الجو السياسي من المنافسين الأقوياء لفيصل وبخاصة من ذوي المنطلق العراقوي، وعلى رأسهم المنافس القوي ووزير داخلية حكومة النقيب المؤقتة، السيد طالب النقيب بإعتباره من أقوى الرجال المرشحين للعرش وأشدهم تأثيرا في العراق والمدعوم من المستر جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية والمستر رايلي مستشار وزارة المعارف . بالإضافة إلى ما قام به الضباط الشريفيون من دعاية وإسناد للأمير فيصل حيث أُرسِل بعضهم إلى العراق قبيل تعينه رسمياً في مؤتمر القاهرة، للدعاية له.
الهوامش والمصادر
55 - د. علي عبد شناوة، محمد رضا الشبيبي ودوره السياسي والفكري حتى العام 1965، ص. 129، بيت الحكمة بغداد 2003. وكان الشبيبي أحد أبرز اعلام السياسة المؤسسن للدولة العراقية المعاصره، والفكر والأدب في العراق الحديث.
56 - سالم عبيد النعمان، نصف قرن، ص. 119 ، مصدر سابق.
57 - بمرور الزمن " لاحظت إدارة الشرق الأوسط في وزارة المستعمرات البريطانية أن خسارة ود فيصل وتعاونه (لكي لا نذكر شيئاً عن عدائه المستتر) سيجعل مهمتنا تكاد تكون مستحيلة ...". بطاطو، ج.1، ص. 361، مصدر سابق.
58 - بعد احتلال بغداد عام 1917 بدأت قوات الاحتلال من أتباع مدرسة المكتب العربي، الأنفة الذكر " يشيدون بذكر الثورة العربية وذكر قائدها الشريف حسين، وشرع البريد العسكري في العراق يوزع جريدة (القبلة) الناطقة بلسان الثورة العربية، كما شرع يوزع جريدة (المقطم) و(الكواكب) اللتين كان المكتب العربي في القاهرة يشرف عليهما ويغذيها بالمقالات الرنانة في تمجيد الثورة. وكان قد صدر في القاهرة كتاب لأسعد داغر عنوانه (ثورة العرب) فاستوردت السلطة نسخاً كثيرة منه ووزعتها في انحاء العراق على وجهاء المدن ورؤساء العشائر" لأجل تهيئة الرأي العام لقبول فيصل على وفق خطتها ليصبح ملكا على العراق. إذ سبق لفيصل أن فاوض البريطانيين والحركة الصهيونية وتم الاتفاق بينهم قبيل عملية ترشيحه في مؤتمر القاهرة. راجع د. علي الوردي، لمحات اجتماعية،ج. 4،ص. 363. كذلك للمزيد راجع روفائيل بطي، الصحافة في العراق، 1955 بغداد ؛ محمد مهدي البصير، تاريخ القضية العراقية،ط. 2 ، دار لام ، لندن 1990.
59 - محمد حديد، مذكراتي الصراع من أجل الديمقراطية في العراق،ص.131 دار الساقي بيروت 2006. ويشير المؤلف إلى أن نص الاتفاق مدون بخط كورنواليس ومحفوظ في مركز الوثائق البريطانية ومؤرخ في 7/1/ 1921 ورقم الملف: F0371/6349. وحول ذات الموضوع يشير د. كمال مجيد إلى موافقة فيصل الأول على شروط بيرسي كوكس القاضية " ببقاء السياسة الخارجية والاقتصادية واحتكار النفط بيد الحكومة البريطانية"؛ النفط والأكراد، ص.14، دار الحكمة، لندن 1997. وكانت بريطانيا ترغب في تعين فيصل إذ كتب كورنواليس تقريرا عن مقابلته له في 7 كانون الثاني 1921 فكتب: " أن هناك طريقين مفتوحين لحل مشكلة العراق هما: أن يذهب عبد الله إلى العراق، أو يسعى كوكس نحو جعل العراقيين ينتخبون فيصل بشكل هادئ غير ظاهر. ويقول كورنواليس أن الطريق الأول أسهل ولكن الطريق الثاني أنفع لأن فيصل أفضل من أخيه عبد الله كثير اًو أنه سوف يخدمنا بإخلاص وكفاءة "، مستل من د. الوردي لمحات أجتماعية، ج.6،ص.47، مصدر سابق. ويقول ساطع الحصري في مذكراته حول هذا الموضوع: " أن احاديث عبد الله عن حقه في عرش العراق شاعت كثيراً حتى انعكست على صفحات الجرائد، وحتى أن أحدى الجرائد التركية اتخذت ذلك ذريعة للطعن في بالثورة العربية...". مذكراتي في العراق، ج. 1،ص. 24-25، دار الطليعة بيروت 1967.
60- محمد حديد مذكراتي،، ص. 86،مصدر سابق. وقد أطلع حديد على نسخة مصورة من نص الاتفاق وقد أطلعه عليه مزاحم الباجه جي الوزير المفوض آنذاك في لندن. أما نص الإتفاق فيراجع، جورج أنطونيوس، يقظة العرب، ت. ناصر الدين أسد وإحسان عباس، ص. 592، بيروت 1966. في حين يحاول مؤلف الموسوعة الهاشمية في القرن العشرين، نفي وجود مثل هذه الاتفاقية وأن فيصل أكد " بأن فلسطين جزء لا يتجزء من سورية وأنه يضمن لليهود المساواة مع بقية السكان والتمتع بكافة حقوقهم في مناطقهم الدينية وشؤونهم العلمية وأنه سوف يؤيد هجرة محدودة إلى فلسطين التي ستشكل جزءاً من الدولة العربية..." ص. 541، ويقول: " استنبط المسؤولين الأنكليز هناك فكرة إتفاقية تعقد بين الأمير فيصل ووايزمن يثبت فيها مبدأ انفصال فلسطين عن الدولة العربية المرتقبة وتمهد لقيام الدولة الصهيونية فكانت صيغة الاتفاقية...". ويحاول المؤلف تبرير عقد الاتفاقية بالقول، ص.545 :" إن توقيع الأمير فيصل على الاتفاقية كان إلغاء لها.. ومن الطبيعي لم يكن في مقدور الأمير رفض الاتفاقية وذلك بسبب حراجة موقفه من الضغوط البريطانية والصهيونية والتهديد بالتخلي عنه." رغم أن فيصل حاول التنصل منها من خلال التصريحات الصحفية من جهة ومحاولة اتهام المؤلف لمرافق الملك، لورانس في تمرير الاتفاقية. راجع د.إبراهيم العطار، الموسوعة الهاشمية في القرن العشرين، المجلد الثاني، المطابع العسكرية، عمان 1995 ؛ كذلك د. علي الوردي، لمحات اجتماعية، ج.6 ص98، مصدر سابق.
61- د.صادق البلادي، التطور التاريخي وتأسيس الجمهورية العراقية، ص.39ث.ج. العدد 325 تموز 2008
62- للمزيد راجع، حسين جميل ، شهادة سياسية 1908-1930، دار لام 1987.
63 - ينقل محمد جميل بيهم عن جريدة (الطان) الفرنسية في عددها الصادر في 8 /11/1920 عن خروج فيصل من سوريا: " وأتفق الأمير، منسجماً مع فرنسا على انتدابها على سوريا كافة وأضافة لذلك، وعندما رفض فيصل تكليفه من قبل الزعماء الوطنيين السوريين، بالسفر إلى أروبا دونما سبب مبرر أو مسوغ تكاثرت التكهنات عنه في العاصمة وغيرها وخصوصاً بعد أن كشفت جريدة المقطم المصرية وجريدة التايمز الانكليزية والطان الفرنسية تواطؤه مع الانلكيز بقولها: أن بين سموه وبين أنكلترا اتفاقاً سرياً على انتداب فرنسا على سورية". العهد المخضرم في سورية ولبنان1918، مستل من حليم أحمد، موجز تاريخ، ص. 79، مصدر سابق .
64 - غازي دحام المرسومي، البلاط الملكي في العراق ودوره في الحياة السياسية 1921 -1933، ص. 13 الدار العربية للموسوعات، بيرون 2002 .
65 - راجع كتابنا، الثورة الثرية، الفصل الأول صص.،42-126، مصدر سابق.
66- لما بلغت شعبية ابو الوطنية العراقية محمد جعفر أبو التمن ، فلقد غدا هو وحزبه الوطني ذو قاعدة اجتماعية واسعة ،حتى "... تدخل الملك فيصل في الانتخابات وشجع بعض قادة الحزب الوطني على الإنسحاب لقاء تعينيهم نواباً وقد انسحب فعلاً بعض هؤلاء الأعضاء وكانت تدخلات فيصل سبباً في إعتزال أبو التمن... " من العمل السياسي آواخر عام 1933، راجع سالم عبيد النعمان، نصف قرن، ص. 188، مصدر سابق.
67- غازي دحام المرسومي، البلاط الملكي ص. مصدر سابق.
68- د. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج.6، ط.2، ص. 45، دار كوفان ، لندن 1991. ،
69- عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات، ج. 1، ص.37، مصدر سابق.







اخر الافلام

.. واشنطن: قواتنا بالعراق تلقت تهديدات من ميليشيات إيران


.. د. اعلية العلاني يوضح لماذا استشرس العداء بين طالبان والقاعد


.. ترامب يستعد لإعلان استراتيجية أمنية جديدة




.. واشنطن: ملتزمون بجنيف وروسيا ليست وسيطا نزيها


.. -ألعاب- تغري جيلا من الأطفال للعب القمار