الحوار المتمدن - موبايل



الطيور في الثقافة غير العالمة بواحات تافيلالت بجنوب شرق المغرب بين التفاؤل والتشاؤم

لحسن ايت الفقيه

2017 / 10 / 4
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


تجري ممارسة التقية من خلال أساطير منسوبة إلى الطير خاصة والحيوان عامة. وبتحليلها يتراءى بقايا ديانات التوحيد والوثنية تقاوم الدهر. فالأساطير تحوي بدورا حكيمة لتمكينها المهتمين بالثقافة المغربية غير العالمة من التأريخ للأديان والإحاطة علما بمعالم الهوية الثقافية. ولحسن الحظ لم يهتد محاربو الأوثان، والمهتمون بكل وصغيرة وكبيرة في حياة الإنسان، إلى طمس هذه الأساطير. فالتاريخ يقاوم دواما وجوده ويختبئ في أساطير الأطفال التي يسردها الأجداد للحفدة للتعجيل بنومهم في ليالي الشتاء البارد.
اهتدى أحد الأساتذة الأعزاء، الصديق امبارك أشبرو، إلى استقصاء تمثل سكان الجنوب الشرقي المغربي حول الطير، فكلف تلاميذ السنة الأولى باكالوريا بإنجاز واجب منزلي، أن يحرر كل واحد منهم تصور المجتمع حول الطيور. والهدف من ذلك قصور امتلاك التلاميذ لناصية اللغة العربية. ويعنينا- من هذا التمرين- الوقوف عند نصوص ذات صلة بالثقافة غير العالمة، أي: تلك النصوص التي تدور حول الطير. قام التلاميذ بإنشاء المطلوب، إن بأسلوبهم الخاص، وهم في هذه الواقعة أمام امتحان تدوين التراث الشفاهي وإحيائه على شاكلة أستاذهم امبارك أشبرو المهتم بالتراث الثقافي بمنطقة تافيلالت بالجنوب الشرقي المغربي، أستاذ اللغة العربية بإحدى الثانويات التأهيلية بمدينة أرفود. ولئن كانت النصوص التي أنشأها التلاميذ خالية من تاريخ تحريرها، فهي تعكس مجهودا مقدرا، إن مستفرغة من ذاكرة الأجداد التي حافظت على تمثل الإنسان حول ثلة من الطيور، وردت في أساطير محلية تبدو وثيقة الصلة بما وراء الطبيعة. ومن الطيور التي جلبت الأنظار بواحات تافيلالت بجنوب شرق المغرب الطائر المسمى بالأمازيغية «بيقشة»، وطائر البومة، والدوري والغراب والحمام. واعتمادا على النصوص التي أنشاها التلاميذ والتي تقدم الصديق امبارك أشبرو وسلمها إلي مشكورا راجيا الاشتغال عليها، سأحاول رصد ذاكرة تافيلالت، حول الطير، من خلال الثقافة غير العالمة.
1- الطائر «بيقشة»
لم نعثر على الاسم العربي للطائر «بيقشة» لأن ملاذه الجنوب المغربي ابتداء من مدينة مراكش نحو الجنوب والجنوب الشرقي. لذلك نحافظ في المتن على الاسم الأمازيغي «تبيقشة»، أو«بيقشة» باللسان الدارج المغربي الذي هو خليط من الأمازيغية والعربية. واسم الطائر باللغة الفرنسية «le bruant striolé»، واسمه العلمي «emberiza striolata». ويحمل الطائر أسماء كثيرة بالأمازيغية كنحو:
- تيبيط Tibibt
- تمدجبيت Tamdjbibt
- تيمدجبيت Timdjbibt
- حليمة Hlima
ويحكى أنها «صاحبة الخير والسلام والمحبة والصفاء. وأن المنزل الذي يدخله الطائر يعم فيه الخير»، كتب أحد التلاميذ. ويفيد ذلك أن اعتقادا يكاد يصور الطائر مزارا حيوانيا يجري التبرك به، أو بالأحرى، التطير به بات راسخا لدى سكان الجنوب الشرقي المغربي، وخاصة «أهل القرى، بما هم يكنون للطير تقديرا واحتراما كبيرين» يضيف التلميذ. وكلهم ينتظر الضيف (الضيوف) كلما سمع صفير الطائر في البيت، في الصباح الباكر. لذلك يتجنب السكان قنصه، أو مسه بأذى، يضيف تلميذ آخر. ومحصل القول، ودون الاسترسال في ما دون التلاميذ حول الطائر، كان الإجماع على أنه يبشر بقدوم الضيوف ويبشر بالخير، لذلك يردد الناس ريث سماع صفير الطائر: «خير يا بيقشة مزيدا من أخبار الخير التي تحملينها إلينا». إنه طائر الجنة كما صوره أحد التلاميذ، وقد ساهم في إرساء أحد أركان الدين الإسلامي، إذ ورد في إحدى الأساطير – وردت بصيغ كثيرة- أن الطائر اقترح صيام شهرا واحدا، وكان العمل بمقترحه. كيف ذلك؟ ففي الصيغة الأولى، نقلها أحد التلاميذ عن جدته، مفادها أن شعيرة الصوم استفتي فيها، إلى جانب الطائر «بيقشة»، طائر الغراب والجمل الحيوان الضخم ذو الحضور القوي في حياة الإنسان البدوي في الصحراء.
اقترح الغراب حولا كاملا ودافعت «بيقشة» عن أقل مدة: «شهير، نهير» حسب تعبيرها في الأسطورة، أي: «الشهر، النهار» بصيغة التصغير،في اللسان الدارج. وأما الجمل فقد اقترح أن يدوم الصيام في النهار، دواما، ما دام الإنسان حيا. ولا خلاف، في الأصل، بين مقترح الغراب والجمل فصيام سنة كاملة يفيد ممارسة فعل الصوم على الدوام. ودعيت الحيوانات الثلاثة إلى ممارسة السباق، غايته أن كل من تمكن من وصول المكان المعلوم لتقديم الفتوى، مع طلوع الفجر، وتمكين النبي- لم تحدد الأسطورة اسمه- من ماء الوضوء ستقبل فتواه. ولقد أدرك الجمل والغراب، مسبقا، أنهما لن يتمكنا من كسب المسابقة لأن الطائر«بيقشة» يقضي ليلته يقظا منتبها، لأنه سريع الطيران. لذلك لا بد من تدبير حيلة تثبط الطائر في غدوه. وبعد أخد ورد فكر الحليفان، الجمل والغراب أن يقوما بتفقد أحوال «بيقشة» إلى حين رواحها إلى الغار، حيث تبيث الليلة المعلومة. ولما دخلت الغار طمعا في السكون والمبيت أغلق عليها الحليفان المنفذ بالطين، وبهذا الإجراء لن يتمكن الطائر من الخروج فجر اليوم الموالي. ولما أحست «بيقشة» منهما إغلاق فوهة الغار بالطين، نشأت تتوسل باللسان الدارج: «اللي عقد ليمور يحلها، وتجي الرعدة وتبلها، وأنا نخرج من طينها، بأمر سيدي مولانا». تفسير ذلك: «من عقد الأمور سيحلها، وستقصف الرعدة وتبلل طين الغار، وسأخرج بين طينها، بأمر سيدي مولانا». إنه دعاء متأثر بعيدا باليهودية. ذلك أن اليهود يفضلون نعت الإله بالعلم: «سيدي ربي»، و«سيدي مولانا» على قياس «بابا حقي». ولأن الطائر ذا دلالة رمزية في عالم التبرك، فقد قصف الرعد، وهطل المطر، وتعرى الغار، فخرج الطائر في الوقت المعلوم سالكا مساره في رحلة الغدو إلى موضع الفتوى، فكان الصيام شهرا كاملا، ولم يقبل مقترح الغراب ولا الجمل فيسُر الصوم. وقيل على لسان الطائر، باللسان الدارج: «مول الحيلة تتحيل عليه»، أي: إن الحيلة لتعود بالسوء على مدبرها. وفي صيغة أخرى، إن طائر «بيقشة» استفتي في أمد الصوم فاقترح شهرا واقترح غيره أمدا بعيدا لم يحدده ناقل الرواية، أو سقط في متن الرواية. وجرت المسابقة بين الغراب والجمل و«بيقشة»، والذي يتوفق في بلوغ المكان المراد، مع طلوع الفجر سيقبل مقترحه. وحصل أن دخلت «بيقشة» غرفة، كدأبها، لأنها طائر يجد ملاذه في الدور والبيوت والأبراج، وأغلق عليها الجمل الباب، ونشأت تتوسل أن يهطل مطر غزير، وتأتي السيدة عائشة مجردة من اللباس ويندرس عليها البيت وينهد وتخرج «بيقشة»، في الوقت الموعود، إلى المكان المعلوم ويقرر أمد الصيام في شهر كامل. تقول في توسلها: «شتا، شتا، تجي عيشا مكشطا وتريب عليها». تحقق مراد الطائر فهطل المطر «شتا باللسان الدارج» وأتت عائشة، وهي امرأة خرافية حاضرة في الخيال المغربي: عيشة قندوشة. والمرأة لما تتجرد من اللباس تغير هيأتها وتصاحب الهلاك الذي يتجلى، هنا، في انهيار المنزل الذي دخلته امرأة لم تلتزم بستر عورتها. إنها رمز الشر الذي انهزم أمام طائر «بيقشة» رمز الخير، في حلبة الصراع بين ثنائية الخير والشر، الغراب والجمل من جهة، وطائر «بيقشة» من جهة ثانية، وبين عائشة و«بيقشة» ثنائية ثقافية حملها المنطق الثنائي القيم في العالم القديم قبل ظهور الفيلسوف الألماني هيجل.
لقد فرضت «بيقشة» نفسها واحتلت مكانا في الخيال وكل طفل يقنص هذا الطائر أملا في الاقتيات من لحمه، يتوقف نموه ويظل قزما، لا يعتد به، طيلة حياته. يقول أحد التلاميذ. لماذا سمي الطائر «بيقشة»؟ «بيقشة اسم مؤنث للطائر، وأصله من أمريكا اللاتينية، هاجر إلى المغرب ويعيش في باقي مناطق العالم». ويحكى عن الطائر أنه «في سالف العصر كان بوسط كهف يدعى زرزاي، يقع في جنوب غرب المغرب وكان يقطن في ذلك الكهف أحد الرجال رفقة أسرته الصغيرة، وظل ينتظر ويترقب عودة عائلته الكبيرة. ولما رجع الأحباب، وشاءت الأقدار أن ينتهي أوان اختفائهم، استقبلتهم الأسرة الصغيرة بشوق كبير وعناق حار، وفي تلك الأثناء صدرَ عن الطائر أصوات يتخيل منها أنها تصدية التي تعني باللسان الدارج المغربي «التبقاش». لذلك حمل الطائر اسم «بيقشة» نسبة إلى التصدية «التبقاش». هكذا توفق أحد التلاميذ من استقصاء أسطورة تؤسس للاسم «بيقشة». و«التبقاش» أو«أباقا»، كلمة أمازيغية، تفيد التصدية.
وفي صيغة ثالثة كانت «بيقشة» تسكن «غارا عششت فيه، يقع في بيت أحد الأشخاص. ولما ولجت الغار لتطعم فراخها، أغلق ذلك الشخص الثقب عن غير قصد. هنالك نشأت تتوسل الرب: يا عاقد الأمور أرجو حلها، أن تقصف رعدة مصاحبة عاصفة قوية، فتعرى الثقب، وأخرج منه». وباللسان المغربي الدارج: «يا عقد ليمور حلها أوتجي رعدة وتبلها أو نخرج أنا من طينها بأمر الله الوحداني». و«كل طفل يقنص هذا الطائر ويأكل لحمه يتوقف نموه ويعيش قزما لا يعتد به» يقول أحد التلاميذ. ولئن حصل الإجماع والاتفاق على أن «بيقشة» تحمل البُشرى، بشرى الخير وقدوم الضيوف فالاختلاف قائم في الدعوات المجيبة لصوت الطائر، والمرددة رث رؤيته أو سماع صوته، كالنحو التالي:
- «خير يا بنت البطة، يا رب جيب اللي فيه الخير»، أي: «خيرا حمل نداؤك يا ابنة البطة، رب آت فيه خير». وفي جميع الأحوال، «يحكى أنه لما يزق طائر «بيقشة» أما شخص يأتيه الرزق رغدا. ولما تزق في البيت يأتيها الضيوف» يقول أحد التلاميذ. لذلك نصح بالابتعاد عنه ودرء قنصه إذ «يقال إنه من تغدى به يتوقف نموه وتقصُر قامته».
2- الدوري
يتعذر تصور بناية في الجنوب المغربي خالية من أفراد طائر الدوري. يسمى باللغة الفرنسية «le moineau»، ويحمل في الأمازيغية نعوتا متعددة كنحو، (أزوك)، (إزكي)، (أجاوي)، (أبرطال)، (تسعة رهط). وفضل سكان تافيلالت أن يصفوه وصفا دقيقا لما يحمل من سواد على بياض في صدره. فقالوا عنه إنه (بوشام). وللإشارة فإن العلامة السوداء (الشامة) يحملها الذكر، لا الأنثى، لأن المعتاد أن تكون خشنة، عكس ما هو سائد في عالم البشر، حيث تجمل الأنثى وتلطف، ويخشن الذكر.
فالدوري، أو «بوشام» باللسان الدارج، بواحات تافيلالت، يذكرنا بوقع حضارة الموحدين، في مدينة سجلماسة التاريخية. ذلك أن الموحدين هم الذين أسسوا قيما قدحية على طائر، لا أقول، إنه الدوري. ولكنه يشبه، لنصاعة بياض صدره الذي تزينه نقطة سوداء، طائر وحسبه الإنسان ذا قلب أسود يظهر الوفاق ويبطن النفاق يسمى هذا الطائر بالأمازيغية . وحسبنا أن الأسماء التي تحمل اسم «إزركي» كثيرة بالجنوب الشرقي المغربي. فهناك أماكن تحمل اسم «زركان» أو«إزركي»، أو «أزركون». ويقصد الموحدين ب«إزركي»، نسبة إلى الطائر المذكور، الفاسق من المنظور الإيديولوجي، أي: الذي يبالغ في شرب الخمر. وتغير اسم النعت «إزركي» وتعرب، وظهر في التراث الثقافي المغربي ما يسمى «الزراجنة». وإذا تمعننا في طائر الدوري، بما هو مهلك الحرث، المحاصيل الزراعية، وتمعنا في الشريط الأسود في صدر الطائر، نلفى أن القياس على الطائر «إزركي» دقيق للغاية. وقد يكون «إزركي» هو الذي ينعت ب «إزكي» بإدغام الراء في الزاي، في الأمازيغية في وقتنا الحاضر، أي: طائر الدوري. وكيفما كان الأمر فالطائر تافه للغاية. لذلك ألفينا ذكره لدى تلميذين فقط. أحدهما قال: «يحكى قديما أنه يجري إدخال منقر الطير في فم الطفل الصغير لينفخ زقزقته في جسمه لغاية غرس الذكاء في ذلك الطفل»، وبالفعل فهو طائر ذكي للغاية. وقيل عنه «طيور لشطب لاهية السراح» أي: الطيور التي تحط على الحطب تلهو الراعاة. ويبني الدوري أعشاشه، في الغالب، في أبراج قصور تافيلالت. ويتكاثر بسرعة في أواخر فصل الربيع وبداية فصل الصيف.
3- البومة
يُسمى الطائر «موكا» باللسان الدارج، وهي في الواقع صفير، أي: المكأ في اللغة العربية. ويسمى الطائر بالأمازيغية «تاووشت»، أو «تاووكت»، حسب اللكنة. يصدر الطائر مُكأ حزينا، لذلك يتردد على الخرائب، ويحسبه السكان مصدر شؤم. تقول التلميذة فاطمة الزهراء: «ارتبط مفهوم البومة منذ قديم الزمان، بالصوت الصادر عن هذا الطائر، بالويلات. وقد يكون الطائر ندير شؤم لدى الكثير من الشعوب التي ترسخت لديها الاعتقادات القديمة. وقد يصل الخوف والشؤم من هذا الطائر مستوى التطير. إنه دليل على قرب وقوع الدمار. يسمى صوت البومة الندب، أي البكاء الحزين». ويتغذى الطائر بالفئران لذلك أشارت التلميذة سعيدة أن اشتهر البوم. «عند بعض الشعوب بقدرته البصرية الحادة»، وتضيف أن«هناك العديد من الشعوب التي يرتبط لديها البوم بالسحر. إنه ساحر متجول يمتص دماء الأطفال الرضع»، ومنهم من يربط، في اعتقاده، البومة بالغول (اسم مؤنث)، «وهي تتمثل في امرأة تتغذى بالأطفال الصغار»، تضيف التلميذة سعيدة. وإن «كثيرا من الناس يتطيرون من هذا الطائر باعتباره يجلب النحس والشر. ويحكى أنه كلما نزل فوق بيت ما، يتكهن الناس بقرب أجل وفاة أحد أفراد ذلك البيت»، يقول التلميذ محمد. وإنه «علامة الموت لذى كثير من الشعوب، وإذ رأى أحد البومة في المنام فقد دنا أجله. وفي نظر الأخرين فالبوم أرواح المحاربين القدماء» تعلق التلميذة هند. أليست «تدل على الشتات والرحيل؟»، تقول التلميذة صفاء. ويربط الناس البومة بالشؤم لأنهم يجهلون تاريخها. فمنذ انتشار خبر مقتل الحسين بن علي، تقول التلميذة أسماء، «بكت الطيور والوحوش، وجزعت البومة وأصيبت بالجنون فخرجت من الدور التي في القصور وقصدت الخرائب باكية...وما فتئت أن كفت عن البكاء، لتعود إلى حياتها العادية. لكن البومة ودت «أن تبكي على الحسين طيلة الليل». وإن انقطاعها للبكاء ليلا في الخرائب جعلها «مصدر شؤم». إنه طائر «معروف ب(موكا)، اتفق مع الطيور أن يجتمعوا في المزرعة (الغابة) لكن البوم تأخر عن الموعد، فعاتبته الطيور: «يا بومة يا عرَّت الطيور والله أنا ما عرت الطيور، إلا أنا هي لالة الطيور اللي دار الخير أو ما يصيبوا واللي يأمن في طليبو» ذلك ما حكته التلميذة كوتر، باللسان الدارج. تفسيره : أيتها البومة الطائر الحقير»، أجابت البومة: «والله، إني سيدة الطيور، وما كنت بالمرة أحقرها. إني فاعلة خير، ولم أجد خيرا، ولا أمان لي في طلبه». وتكرر التلميذة سكينة: «البومة أو بصيغة أخرى «موكا»، ترمز للشؤم، حسب الأسطورة القديمة، وكلما حطت على سطح المنزل كلما تنبأ السكان بقدوم السوء». و«إنها روح شريرة تحوم بصمت، في السماء، في كل ليلة، بحثا عن ضحايا بشرية، ما فتئت توقع بهم الاذى. إنها ندير القدر المشؤوم والدمار والهلك. قد تذكرنا بالمجرم المختلس كلما برزت للطواف ليلا، أو اللص أو القاتل الذي يتربص تحت جنح الظلام) يقول التلميذ لحسن وتحبذ البومة العيش «في العزلة، وتمارس قنص طعامها أناء الليل. ويطلق على البومة الحارس الليلي للحدائق ما دامت تتغذى بالقوارض الضارة. وتصنف البومة ضمن الجوارح، لذلك تتردد على مطرح الجثث»، ذلك ما كتبته التلميذة شيماء. «أليست أقبح الطيور صوتا؟ لما يصدر مكاءها – ويغشى- مكانا ما تعصف بالقاطنين فيه، وتحبذ البومة النوم في سطوح البيوت»، تقول التلميذة سعاد. وأوردت التلميذة خديجة بالحرف ما سطره التلميذ لحسن، ويبدو أن كلاهما أخذ من منهل الأنترنيت، فلا علاقة لكلامهم بواقع تافيلالت.
4- الغراب.
لئن كان الغراب يفضل المرتفعات والأجواء الباردة فإن قصصه حاضرة بتافيلالت و«كلما أتى الغراب استصحب معه أهوالا على مستوى المجال الزراعي. وكلما قدم في موسم الحرث ينبئ السكان بمحصول زراعي ضعيف وقد يعقب الجفاف مجيء الغراب، وتسود الندرة»، هكذا وصف التلميذ المسمى الصديق الغراب. ولم يكن الغراب «أحسن حالا مما سلف ذكره عن الطيور. لونه أسود رمز الشؤم وصوته «غاق، غاق» يحسبه القرويون يحاكي:. «الغرق، الغرق». إنه يدعو على السكان: «الله يغرق ليكم الروايض». أي: غرق عجلاتكم»، بئس الوصف أورده التلميذ أشرف. و«يحكى أن الغراب كان من قبل بشرا فتى طوعت له نفسه أن يتوضأ بالحليب فمسخ غرابا» تقول التلميذة سكينة. وأقدم بعضهم على «تعطش الغراب ولما وفروا له ماء، قدموه له في إناء عميق، فنشأ الغراب يملأه حجرا، فصعد الماء، فتورد الطائر وأطفأ عطشه»، ذلك ما أورده التلميذ رضوان، منقولا عن إحدى القصص، ليقف عند ذكاء الغراب، والذي فسرته التلميذة هالة باللسان الدارج. وللغراب قدرة في البحث عن «أرواح الملعونين من البشر. ويعتقد أن صوت الغراب ينسب للأشخاص الذين قتلوا ولم يجر دفنهم بشكل لائق. ومن الناس من يعتقد أن صوته لموتى عملوا عملا سيئا في حياتهم. وهناك من يصور الغربان طيور الشياطين. وكانت تنزل سنويا جهنم فيتطاير ريشها ليلتقطه الشيطان. لذلك، لا إحساس له بالزمان، فهو حاضر، الآن، وحاضر في المستقبل، في الوقت نفسهỊ وفوق ذلك فهو ندير شؤم». تلك هي صورة سيئة للغاية حملتها التلميذة فاطمة الزهراء لتؤسس للمعتقد السيء حول الغراب من ذلك أنه: «ندير شؤم، يندر بالموت والخرام، ويدل على الفراق. ولما لا فاسمه مشتق من الاغتراب والغراب». تقول التلميذة هند. إنه ندير شؤم بالفعل: «ينيئ السكان بالشجار والشنآن بينهم فمن شهد الغراب في الصباح يصادف يوما لا مثيل له من حيث الغيظ والكراهية» تقول التلميذة صفاء.
5- الحمام
كل يذكر الحمام مقرونا بالجمال. وقد حاول الغراب أن يقلده، ولم يتوفق في ذلك. ولما قرر العودة إلى مشيه، وجد نفسه قد نسي مشيه وصار أقبح الطير مشيا. حمل التلميذ حميد هذه الرواية من أحد الكتب المدرسية القديمة، وهي رواية شائعة. والحمام نوعان، «حمام بري ذو اللون الرمادي، رمز الدمار والخراب، يتردد على البيوت المهجورة والأبراج والمغارات والهضاب والجبال»، ولم يُقدر بالسوء، لأنه أنقذ نبي الإسلام في الغار. و«حمام أبيض مقرون بالخير والجمال» يقول التلميذ خالد، لكن هناك من يرى «أن الحمام في البيوت سبب الفتن». تقول التلميذة شيماء. وسردت التلميذة إبتسام قصة «سيدي حمام بلا يمام»، قصة «رجل غريب الأطوار يشبه الحمام، يقدر على الحديث مع الحمام ويطير مثلهم. تزوج بامرأة تدعى عائشة [امرأة خرافية]، وبعد مرور عدة أيام من زواجهما نشأ يضع، قرب رأسها ورجليها، سبع حبات من الياقوت. وفي يوم من الأيام عاتبته، أن منذ تزوجت به لم تر منه خيرا. قال لها زوجها: إنه لا تعتنين بفراشك وقت يقظتك. والذي يحدث أن زوجة أبيهان هي من ترتب الفراش، وتعد المقام للنوم. وفي اليوم الموالي، انقلبت عائشة على عقبيها، ورتبت فراشها وأعدت بيت النوم أحسن الإعداد، فعثرت على سبع حبات من الياقوت. ولما دخلت زوجة أبيها البيت وجدته مهيأ مرتبا، ولم تلف بالمكان أي ياقوت، فاشتد غضبها وكسرت الزجاج أمام غرفة النوم. ولما قدم الزوج (سيدي حمام بلا يمام» جرحه الزجاج في رجليه وغضب، وهاجر البيت، وهاجر الزوجة عائشة. ولما قامت عائشة من مقامها اشترت حصانا ولبست زي الرجال ومضت تبحث عن زوجها. قضت في مسيرها يوما واحدا. ولما أوشكت الشمس أن تغرب استطعمت قبيلة فأضافتها وقضت ليلة هناك، ثم واصلت السير في اليوم الموالي حتى جن عليها الليل، وفضلت أن ترقد بين الأدغال. وفي منتصف الليل سمعت الأشجار تتحدث عن شأنها قالت إحداها: «أنا شجرة قطفت مني سبع ورقات لتشفي جرح (سيدي الحمام بلايمام)». وقالت الأخرى «أنا من قطف مني ثلاث ورقات ووضعها مع صليب وتحولت إلى زبدة». اهتدت السيدة عائشة إلى قطف الأوراق العجيبة، واستمرت في مسيرها، في اليوم الثالث، من رحلة البحث عن زوجها. استطعمت قبيلة أخرى في اليوم الثالث فأضافتها شريطة أن تصنع لها زبدة فقبلت، ولبثت هناك ثلاثة أيام تصنع الزبدة من تلك الأوراق، كل يوم تستعمل ورقة واصلت المسير، في اليوم الخامس، قاصدة الغابة. وهنالك يقيم (سيدي حمام بلايمام). وقبل دخول الغابة وجدت حمارا أمامه عظم، ووجدت كلبا أمامه تبن، فاستبدلت التبن بالعظم أمام الكلب وفعلت العكس للحمار، فسمحا لها بالدخول فوجدت زوجها وعالجته. وحصل، في البدء، أن حسبها رجلا يصادقه، وكان يقول : عجبا، وجهك وجسدك يشبهان وجه عائشة زوجتي. وطالب من الصديق الطبيب القادم لعلاجه، أن يكشف عن عورته، في واد ليتبين ما إذا كان الشبه حقيقا، أم كتب عليه أن يواجه وهما وخيالا. دبرت عائشة، هي الأخرى، خطة، أن لما يدخلان سرير الواد للسباحة، ستعد حصانها للهروب، واختطاف زوجها. لكن خطتها باءت بالفشل، ولم يتوفقا من الخروج من الغابة.
هنالك أقدمت أسرة (سيدي لحمام بلايمام) على منعهما من الفرار. ولم تنج الزوجة عائشة من هول حامتها التي تطلب منها أمرا عجيبا أن تملأ سطح المنزل بريش الحمام دون علم زوجها. هنالك استحوذت عليها حيرة وأصابها قرف ودوار لعجزها عن الاستجابة للطلب انتبه زوجها إلى حالتها واستفسرها عن هولها فباحت بالسر. إنه لأمر هين لدى الزوج (سيدي لحمام بلايمام) الذي لم يتردد في استدعاء الحمام وإطعامهم شريطة أن تضع كل حمامة ريشة مقابل حبة من الذرة. هنالك فوجئت أم الزوج بتحقيق المراد، وطالبت منها أمرا ثانيا، أن ترش السطح بالماء، فقام زوجها باستدعاء الحمام لجلب الماء بريشها. وكان كلما طلبت أمرا تعجيزيا يقدم الزوج (سيدي لحمام بلايمام) باستعمال قواه الخارقة)». ووردت سرديات حول الحمام الزاجل، ولا نرى أنها ذات صلة بثقافة المنطقة.
6- الديك والملك السماوي
جل سكان تافيلالت يصورن الديك ذا صلة بالملك السماوي. أوردت ذلك التصور التلميذة إلهام، والتلميذة فاطمة الزهراء، وشيماء، وتلاميذ آخرون. وبجوار تافيلالت يحضر الديك في الزي، يقلده الموسيقار «بوغانيم». وهناك عشائر حرمت على نفسها أكل لحم الديك..
07- استنتاجات عامة
يستنتج من القصص الذي نقله التلاميذ طغيان ثنائية الخير والشر، أي: التطير بفهم الصابئة. ولا غرو، فقد تأثر سكان الجنوب الشرقي المغربي بالصابئة، لاحتفالهم بيوم طعام التواب الذي يصادف 08 من شهر محرم، ترحما على ضحايا سفينة نوح. وقد حاولت بعض القصص، ربط التشاؤم بمقتل الحسين بن علي، والسير على تمذهب الشيعة الذين اتشروا بعض الوقت بأحواز سجلماسة، فكان تمييزها لطائر البوم عاليا. وللغراب صلة بسفينة نوح، إذ أخبر بهدوء الوضع وتراجع الطوفان. وأما الدوري، أو طائر الزراجنة فقد تغلف بالفسق، واحتقار الآخر. ولو بحثنا في الآدب الأمازيغي الشفاهي لوجدنا قصصا مماثلة.
بدأت واحات تافيلالت تخسر هذا التراث الشفاهي لتراجع الاعتناء به. فهل ستعم صيحة إنقاذه في العقبى؟







اخر الافلام

.. أخبار عربية وعالمية - دبلوماسي كوري شمالي: امتلاك سلاح نووي


.. أخبار عربية - -سوريا الديمقراطية- تعلن تحرير مدينة الرقة بال


.. حصري - بعد نجاته بأعجوبة.. صحفي صومالي يتحدث عن تفجير مقديشو




.. اخبار رياضية - رقم قياسي بالمشي على الحبل في الروشة


.. خريجو جامعات يديرون مطاعم متنقلة في شوارع بغداد