الحوار المتمدن - موبايل



في القيمة النسبية

محمد عادل زكي

2017 / 10 / 5
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


في القيمة النسبية
بحث في مباديء الاقتصاد السياسي
--------------------
محمد عادل زكي

(1)
بعد ما توصل ريكاردو إلى تحديد قيمة مبادلة السلعة بكمية العمل، الضروري النسبي، المبذول في سبيل إنتاج تلك السلعة. فقد رأى أن هذه القيمة لا تتوقف فقط على العمل الحي المنفَق في الإنتاج، بل أيضاً على العمل الضروري المنفق في سبيل إنتاج المباني والآلات الضرورية لتحقيق العمل. أي العمل المختَزن. ومن ثم فإن قيمة مبادلة السلعة الَّتي تحتوي على 4 ساعات من العمل الحي، و6 ساعات من العمل المختَزن، تتساوي، نسبياً، مع قيمة مبادلة السلعة الَّتي تحتوي على ساعة واحدة من العمل الحي، و9 ساعات من العمل المختزن.(1)
وعلى الرغم من أن قيمة السلعة، على هذا النحو، باتت أكثر وضوحاً، وأصبحت في طريقها إلى الاكتمال، عما كانت عليه عند آدم سميث؛ إذ أمست تتكون من (العمل الحي بالإضافة إلى العمل المختزن)، فلسوف نجد ريكاردو يميل، عبر المراحل الثلاث لتطور فكره(2)، إلى إعادة النظر في نظريته في القيمة، ويتردد في الأخذ بمبدأ القيمة على أساس كمية العمل فحسب، ويشرع في إدخال عنصر الزمن(3). ثم يعيد النظر في منظم القيمة مدخلاً معدَّل الربح/ عائد الرأسمال(4). ولكنه لم يتمكن من مواصلة استنتاجاته قبل وفاته، وبقيت نظريته في القيمة، على أقل تقدير في الأجزاء الأولى من تكونه الفكري في مباديء الاقتصاد السياسي(5)، قائمة على أساس العمل النسبي الضروري، كما بقيت نظريته في منظم القيمة مرتهنة بكمية العمل.
والسؤال الَّذي يتعين إثارته هنا، وهو ما نتصور أنه ثار في ذهن ريكاردو، وجُل الكلاسيك، هو كيف يمكن المبادلة، ووفقاً لقانون القيمة، بين النبيذ الَّذي استغرق صنعه 60 ساعة من العمل الحي و60 ساعة من العمل المختزن وظل في القبو لمدة 120 يوماً قبل أن ينتقل إلى السوق. وبين الفخار الَّذي استغرق صنعه 60 ساعة من العمل الحي و60 ساعة من العمل المختزن وظل في التجفيف لمدة 60 يوماً فقط قبل أن ينتقل إلى السوق؟ فالسلعتان، النبيذ والفخار، وليكن 60 لتراً من النبيذ، و60 إناءً من الفخار، استغرق إنتاجهما 120 ساعة عمل، أي نفس كمية العمل. ومن ثم يكون من المتعين مبادلتهما، وفقاً لقانون القيمة، بنسبة 1:1، أي: لتر واحد من النبيذ في مقابل إناء واحد من الفخار. ولكن:
- أليس للزمن هنا اعتبار؟ ما الَّذي يجعل صاحب النبيذ يستمر في الإنتاج إذ لم يحصل على مكافأة الانتظار مدة إضافية حتى نضج منتجه؟ ما الَّذي يجعله ينتظر 6 شهور إضافية، دون الحصول على دخل إضافي في صورة فائدة أو ربح إضافي؟ ولذا وجد ريكاردو أهمية إدخال عنصر الزمن، ومن هنا أيضاً:
- سيكون، في تصور ريكاردو، من حق الرأسمال الأساسي الهاجع، دون عمل خلال الـ 6 شهور لدى صاحب النبيذ، أن يطالب بثمن الانتظار. فالرأسمال ونصيبه من الربح إنما يعود إلى صاحب النبيذ في عام، ولكنه يعود إلى صاحب الفخار في نصف هذه المدة. ومن هنا رأي ريكاردو أهمية إدخال عنصر معدل الربح.
ولكن إدخال معدل الربح/ عائد الرأسمال، من شأنه نقض قانون القيمة! فمنظم القيمة هنا لن يكون كمية العمل فقط، إنما سيصبح بجوار كمية العمل معدل الربح/عائد الرأسمال! وليس قيمة الرأسمال كعمل مختزن.
فهل كف قانون القيمة عن حكم التبادل؟ وهل تعطل منظم القيمة عن آداء مهمته كأساس مشترك للمفاوضة حين المبادلة؟ الواقع أن ريكاردو لم يتسن له إدخال أية تعديلات على المباديء، وظلت أفكاره محض نوايا، على الرغم من أنه أعلن صراحة أنه سوف يقوم بعمل بعض التعديلات، على منظم القيمة بوجه خاص، إذ ما تمكن من إعادة كتابة فصل القيمة مرة أخرى. وبالتالي يمكننا افتراض أن نيته قد انصرفت كذلك، وفقاً لخطابه إلى ماك كولوخ في مارس1820، إلى إدخال عنصر الزمن النسبي أيضاً في تحديد القيمة النسبية للسلعة. بيد أننا لا نعرف كيف كان سيفعل ذلك! ولكن كل ما نعرفه يقيناً أنه نبه أذهاننا إلى الاعتبارين: الزمن النسبي، ومعدل الربح/ عائد الرأسمال.
ولذا، ربما يكون علينا هنا انتظار تدخل ماركس، استكمالاً لمكونات القيمة من جهة، وإدخال الاعتبارين المذكورين من جهة أخرى. فعلى ما يبدو أن الرأسمال، كظاهرة، صار له، بعد مرور عشرات السنين على صدور ثروة الأمم، الغلبة والهيمنة على أرض الواقع، ولم يعد مجرد ظاهرة جديدة طارئة أو عابرة. الأمر الَّذي يجعله يبحث له عن مكان متميز لا في تكوين القيمة فحسب، إنما في منظمها أيضاً. فهل سيفلح ماركس وأدواته الفكرية في مهمة الدفاع عن قانون القيمة في مواجهة الرأسمال المطالب بنصيب في تحديد القيمة وتنظيمها عبر الزمن النسبي؟
(2)
وفقاً لكتاب رأس المال، يفرق ماركس بين زمن العمل وزمن الإنتاج. فزمن العمل دائماً هو على الدوام زمن الإنتاج. والمقصود بذلك الزمن الَّذي يبقى الرأسمال خلاله مقيداً في مجال الإنتاج. وبالعكس، ليس كل زمن يوجد خلاله الرأسمال في عملية الإنتاج هو بالضرورة زمن عمل:
"وثمة مثال طريف على التباعد بين زمن الإنتاج وزمن العمل تقدمه لنا الصناعة الأمريكية لقوالب الأحذية. إن قدراً كبيراً من التكاليف غير المنتجة ينشأ هنا من أن الخشب يتعين تركه حتى يجف لفترة قد تصل إلى 18 شهراً؛ منعاً لتمدد القالب وتغير شكله... ولا يتعرض الخشب خلال هذا الوقت إلى أية عملية عمل... ويظل الرأسمال الموظف عاطلاً طوال 18 شهراً قبل أن يدخل عملية العمل الحقيقية". (رأس المال، الكتاب الثاني، الفصل الثالث عشر) (6).
ولكن هذا المثال الطريف المذكور أعلاه، يمثل في ذاته أزمة! فكيف يمكن قياس القيمة هنا؟ وما هو منظمها بالأساس؟ فكيف يمكن لصاحب القوالب الَّذي أنفق 120 ساعة عمل في 18 شهراً أن يبادل قوالبه بالقمح الَّذي تكلف كذلك 120 ساعة عمل كذلك وإنما على مدار 12 شهراً فقط؟
أليس للرأسمال الهاجع هنا دون عمل نصيب في ربح إضافي؟ أليس من حق صاحب القوالب المطالبة بربح عن تعطل رأسماله دون أن يعود إليه كما عاد إلى صاحب القمح؟ ألا يكافيء صاحب القوالب عن طول فترة الدوران؟ ولكن، ألا تعد تلك المكافأة الإضافية، في الوقت نفسه، خرقاً صريحاً لقانون القيمة؟ لأننا في هذه الحالة سوف نعتد بـ معدل الربح/ عائد الرأسمال، إلى جوار كمية العمل، كمحدد وكمقياس وكمنظم للقيمة! ومن المعلوم بالضرورة أن عائد الرأسمال هذا ليس هو الرأسمال كعمل مختزن، لأن ما يرغب صاحب القوالب في إضافته ليس قيمة الرأسمال الهاجع كعمل مختزن، والَّذي شارك فعلاً في عملية الإنتاج، إنما هو ربح يري الرأسمالي إضافته دون سبب إلا كونه مقابل تعطل رأسماله فترة انتظار نضح سلعته.
ولذلك، كان هذا المثل الطريف سبباً في أزمة من أكبر أزمات الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، فهو الَّذى أدى بريكاردو، كما ذكرنا سلفاً، إلى أن يعلن عن اتجاهه، في بعض رسائله، إلى تعديل نظريته لا في القيمة فحسب، بإدخال عنصر الزمن النسبي، إنما في منظمها كذلك، بإدخال معدل الربح/عائد الرأسمال. وهو الَّذي قاد جيمس مِلْ(7) ورامساى(8) وغيرهما من كبار الكلاسيك، إلى الإعلان الصريح لاعتبارهما نفقة الإنتاج (بمعني معدل الربح/عائد الرأسمال، والعمل) هي منظم القيمة.
فصديقنا صاحب القوالب الخشبية يتطابق موقفه مع موقف صديقنا صاحب النبيذ والآخر صاحب الفخار. جميعهم يتعين عليهم الانتظار فترة معينة قبل أن يقوموا بطرح سلعهم في السوق... فلنفترض الآن أن صاحب القوالب الخشبية تكلف 120ساعة عمل، ولكن عليه الانتظار240 يوماً حتى تجف قوالبه قبل طرحها في السوق، وأن صاحب النبيذ، كما افترضنا، تكلف نفس الـ 120 ساعة عمل، ولكن ظلت سلعته في القبو لمدة 120 يوماً فقط قبل أن ينتقل بها أيضاً إلى السوق. وأن صاحب الفخار، تكلف أيضاً 120 ساعة عمل، ولكن ظلت سلعته في التجفيف لمدة 60 يوماً قبل أن ينتقل بها كذلك إلى السوق. كيف يمكن التبادل هنا وفقاً لقانون القيمة؟
(3)
مشكلتان إذاً أمام الكلاسيك، وبالتالي أمام ماركس: الأولى: دور الزمن في تكوين القيمة. الثانية: نصيب معدل الربح/ عائد الرأسمال في تنظيم هذه القيمة. والواقع أن ماركس تجاهل المشكلة الأولى، إذ على ما يبدو أنه تصور إمكانية حلها، ضمناً، من خلال حل المشكلة الثانية! فوفقاً لما انتهي إليه ماركس، على نحو ما ذكرنا أعلاه، سيكون على المحاسب الَّذي أستأجره أصدقاؤنا الثلاثة، صاحب القوالب الخشبية وصاحب النبيذ وصاحب الفخار، أن يقوم بحساب ثمن إنتاج سلعة كل واحد من عملائه على أساس من العمل الحي الضروري + العمل المختزن في المباني والآلات والمواد + معدل الربح الوسطي، الَّذي هو في جوهره متوسط العمل الزائد في الفرع. ولكن كيف حسب المحاسب قيمة الرأسمال الهاجع خلال فترة الجفاف والتعتيق والتجفيف؟ صديقنا المحاسب يمسك بـ رأس مال ماركس ويتلو:
"أما بالنسبة لوسائل العمل... فإن عدم استعمالها يؤدي أيضاً إلى فقدان مقدار معين من قيمتها. وهكذا فإن ثمن الناتج يرتفع بوجه عام؛ لأن انتقال القيمة إلى الناتج لا يحتسب طبقاً للزمن الذي يؤدي الرأسمال الأساسي خلاله وظائفه، بل وفقاً للزمن الذي يفقد خلاله قيمته". (رأس المال، الكتاب الثاني، الفصل الثالث عشر) (9).
فإذ ما قام المحاسب بحساب ثمن الإنتاج، آخذاً في اعتباره زمن الإنتاج، أي قام بحساب قيمة العمل الحي الضروري + قيمة العمل المختزن + معدل الربح الوسطي. ثم قارن المدة الَّتي يهجع فيها الرأسمال دون أن يدر الربح المرتقب بفارغ الصبر، ووجد أن حساباته تلك لن تحقق لسلعة عميله قيمة مبادلة متكافأة. فلن يكون أمامه إلا أن ينصح عميله هذا بمغادرة الفرع، والاتجاه إلى الفرع الَّذي يحقق نفس معدل الربح، في أقصر فترة دوران. وفي مثلنا سنجد أن أقصر فترة دوران هي في فرع الفخار. ومن ثم سوف يهم كل من صاحب القوالب والآخر صاحب النبيذ بمغادرة فرع إنتاج قوالب الأحذية والنبيذ، والاتجاه صوب فرع الفخار. لأن الجميع ينفق 120 ساعة من العمل (الحي الضروري + المختزن+ الزائد)، ولكن لا يعود الرأسمال محملاً بالربح، إذ ما تركنا جانباً زمن التداول، إلا بعد 240 يوماً في القوالب الخشبية، و120 يوماً في النبيذ، و60 يوماً فقط في الفخار. فستكون النصيحة هنا الَّتي يتقدم بها المحاسب لكل من صاحب القوالب وصاحب النبيذ هي تسريح عمالهما، والتحول صوب فرع الفخار؟ ولكن، السؤال الجوهري هو: لماذا لم نزل نرى القوالب الخشبية والنبيذ في السوق؟ ما هو القانون الموضوعي الَّذي يحكم استمرارهما؟ نحن هنا أمام أمرين لا ثالث لهما:
- إما أن نقدم إجابة تبدأ من إهدار قانون القيمة. إجابة ترى أن صاحب القوالب الخشبية والآخر صاحب النبيذ سوف يضيفان ربحاً إضافياً لقاء رأسمالهما المتعطل عن العمل، أي يضيف كل منهما معدل ربح وسطي إضافي مكافأة لرأسمالهما! ومن ثم يصبح منظم القيمة كمية العمل بالإضافة إلى الرأسمال. وبالتالي تقاس القيمة حينئذ بالعمل وعائد الرأسمال، أي الربح! ليس فقط الربح المعطي كمعدل ربح وسطي في الفرع، إنما أيضاً الربح المعطى كمعدل ربح سائد اجتماعياً! وهو ما يخالف قانون القيمة.
- وإما أن نقدم إجابة تبدأ من تحقيق قانون القيمة. إجابة تبدأ من إعادة استخدام الأدوات الفكرية الَّتي يقدمها الاقتصاد السياسي على نحو يطور العلم ويستكمله. يتعين أن نلاحظ هنا، في مجرى تحليل فكر ماركس، أنه يغفل عنصر الزمن، بل ونراه يتجاهل المشكلة برمتها، ويقنع بالارتكان إلى أن صديقنا المحاسب سيقوم بحساب قيمة الآلات وهي هاجعة دونما عمل، ويعتبر أن تساوي معدلات الربح في القطاعات بإمكانها تصحيح المسألة! ولكن هذا كله غير صحيح، لأن المشكلة لم تزل قائمة، حتى بعد قيام محاسبنا بحساب قيمة الآلات الهاجعة، هذا من جانب. ومن جانب آخر، فإن الاكتفاء بقدرة تساوي معدلات الربح على توجيه المنتجين إلى فروع الإنتاج ابتداءً من إقدام وإحجام الرساميل وفقاً لمعدل الربح الوسطي فحسب يفضي إلى حتمية التسليم بأن صاحب القوالب والآخر صاحب النبيذ، سوف يتجهان إلى فرع الفخار، وهذا لا ولم ولن يحدث،ابتداءً من استخدام الأدوات الفكرية الَّتي كشف عنها ماركس نفسه.
ولنفترض الآن، أن صديقنا صاحب النبيذ استجاب، بلا وعي، لنصيحة محاسبه فأغلق معمله وباع معصرته وسرح عماله، وانتقل إلى فرع إنتاج الفخار، رغبة في جني نفس معدل الربح في أقصر فترة دوران. فنحن الآن نراه أمام مشكلة لا تختلف نوعياً، فهي مشكلة ترتبط بالزمن كذلك، فصاحب النبيذ مضطر إلى أن يجلس بجوار سلعته في السوق منتظراً أن تتحول من شكلها السلعي إلى شكلها النقدي، أي أن يقوم برسملتها، أي تحويلها إلى رأسمال مرة أخرى. ولكن انتظاره هذا قد يطول. فلنفترض، وفقاً لمثال ماركس، أن رأسمالاً يبلغ 900 جنيهاً، ينشط خلال زمن إنتاج قدره 9 أسابيع، وزمن التداول مقداره 3 أسابيع. عندئذ يبلغ إجمالي فترة دوران الرأسمال 12 أسبوعاً. وعليه، لا يمكن لفترة الإنتاج الجديدة أن تبدأ ثانية إلا في بداية الأسبوع الثالث عشر، أي أن الإنتاج سوف يتوقف لثلاثة أسابيع (هي عمر زمن التداول). ولكي يتجنب صديقنا صاحب الفخار هذا الانقطاع (بسبب التداول) يقوم بضخ رأسمالاً إضافياً، يفترض ماركس أن قيمته 300 جنيه ويتم ضخ هذا الرأسمال الإضافي في ختام الأسابيع التسعة من فترة العمل الأولى ليبدأ فترة عمل ثانية فور انتهاء الأولى دون توقف، كي يضمن التدفق المستمر للإنتاج، والرأسمال والربح معاً.
"... إن فترة عمل الرأسمال البالغ 900 جنيه... تكتمل في نهاية الأسابيع التسعة، ولا يتدفق عائداً إلا بعد 3 أسابيع، أي في بداية الأسبوع الثالث عشر، غير أن فترة عمل جديدة تبدأ على الفور بالرأسمال الإضافي، وبتلك الطريقة يتم الحفاظ على استمرارية الإنتاج". (رأس المال، الكتاب الثاني، الفصل الخامس عشر) (10).
(4)
حتى الآن لم تحل المشكلة. ولا يمكننا الارتكان إلى الحل الضمني الذي يقدمه ماركس. ولذلك سنعمد إلى طريق آخر؛ طريق يقدم إجابة تبدأ من تحقيق قانون القيمة. إجابة تبدأ من إعادة استخدام الأدوات الفكرية الَّتي يقدمها الاقتصاد السياسي على نحو يطور العلم ويستكمله؛ فنحن نعلم أن الاقتصاد السياسي انتهى إلى أن قيمة السلعة تتحدد بكمية العمل الضروري المبذول في إنتاجها. أما قيمة مبادلة السلعة فهي تتحدد بكمية العمل الضروري النسبي. وتقاس تلك القيمة بعدد ساعات العمل. ولكن ما وصل إليه الاقتصاد السياسي على هذا النحو لا، ولن يسعفنا، في سبيل التعرف إلى سبب بقاء الثلاثة في السوق، دون تحول أحدهما أو كلاهما، أي صاحب القوالب وصاحب النبيذ، إلى فرع إنتاج الفخار؛ لأن كل واحد من الثلاثة يتكلف 120 ساعة من العمل (الحي+ المختزن+ الزائد)، ولكن لا يعود الرأسمال محملاً بالربح، إذ ما تركنا جانباً زمن التداول كما وذكرنا من قبل، إلا بعد 240 يوماً في فرع إنتاج القوالب الخشبية، و120 يوماً في فرع إنتاج النبيذ، و60 يوماً فقط في فرع إنتاج الفخار.
ان الفرضية الَّتي نتقدم بها هنا هي: أن السبب في استمرار الثلاثة في السوق هو أن القانون الَّذي يحكم بقاءهم، كلٌ في فرع إنتاجه، منطوقه، ابتداءً من قانون القيمة: أن قيمة السلعة النسبية لا تتحدد بكمية العمل الضروري النسبي المبذول في إنتاجها، إنما تتحدد بثمن إنتاج هذه السلعة مقسوماً على زمن إنتاجها، مقارنةً بثمن إنتاج السلعة الأخرى المتبادل بها مقسوماً كذلك على زمن إنتاجها. والسلع حينما تتقابل على نحو طبيعي إنما تتبادل وفقاً لهذا القانون(11)، وحينما تتأرجح أثمانها في السوق فإنما تتأرجح حول هذه القيمة النسبية.
الهوامش
(1)
"Not only the labour applied immediately to commodities affect their value, but the labour also which is bestowed on the implements, tools, and buildings, with which much labour is assisted".
David Ricardo, On the Principles of Political Economy and Taxation (New York: Barnes & Noble, 2005).
(2) من التأثر بآدم سميث، مروراً بما اكتسبه من أفكار بمناسبة مناقشات قوانين الغلال، وانتهاء بنضجه الفكري من خلال الجدل الدائر بينه وبين مفكري الكلاسيك آنذاك وفي مقدمتهم روبرت مالتس وماك كولوخ. انظر:
J.H. Hollander, The Development of Ricardo`s Theory of Value, Quarterly Journal of Economics, Vol. 18, August 1904, pp.455-91.
(3) في رغبته إدخال الزمن النسبي الذي تستغرقه السلعة قبل طرحها في السوق، انظر رسالته إلى ماك كولوخ:
"After the best consideration that I can give to the subject, I think that there are two causes which occasion variations in the relative value of commodities: 1 st, the relative quantity of labour required to produce them 2nd, the relative times that must elapse before the result of such labour can be brought to market. All the questions of fixed capital com under the second rule".
Letters of David Ricardo to John Ramsay McCulloch, 1816-1823(ed. Hollander, New York, 1895).p.65.
(4) في اتجاهه إلى اعتبار معدل الربح/ عائد الرأسمال أحد أجزاء منظم القيمة، انظر رسالته إلى ماك كولوخ:
"I sometimes think that if I were to write the chapter on value again which is my book, I should acknowledge that the relative value of commodities was regulated by two causes instead of by one, namely, by the relative quantity of labour necessary to produce the commodities in question, and by the rate of profit for the time that the Capital remained dormant, and until the commodities were brought to market. Perhaps, I should find the difficulties nearly as great in this view of the subject as in that which I have adopted."
Letters of Ricardo to McCulloch, op, cit, pp.71-2.
(5) أي قبل أن ينتقل إلى نظرية في نفقة الإنتاج.
Karl Marx, Capital: A Critique of Political Economy, vol I, (New York: The Modern Library, 1906).p.529. (6)
(7) يقرر جيمس مِلْ صراحة أن نفقة إنتاج السلعة هي التي تنظم قيمة مبادلتها.
"Cost of production, then, regulates the exchangeable value of commodities. But cost of production is itself involved in some obscurity. Two instruments are commonly combined in production Labour and Capital".
James Mill, Elements of Political Economy (London: Henry G. Bohn, 1844), p.93.
(8) يعتنق رامساي هذا التصور باعتباره الرأسمال أحد أجزاء منظم القيمة، على الرغم من وعيه بأن الرأسمال هو نتاج العمل، وهو يستند إلى تفرقة آدم سميث بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المعاصرة، فقبل تراكم الرأسمال، تحديداً تراكم الرأسمال الأساسي، كان يمكن اعتبار العمل بمفرده منظم القيمة، أما بعد تحقق التراكم فقد صار المنظم موزعاً بين كمية العمل وقيمة الرأسمال.
"...It would appear then… that quantity of labour regulates the value not of those commodities only which has been produced by it alone, but of those also which have been raised´-or-fabricated after the creation and co-operation of capital that it is, in short, the sole regulator of value… The use of fixed capital modifies to a considerable extent the principle that value depends upon quantity of labour... After some fixed capital has been accumulated in the hands of those who toil, so as to facilitate their exertions, we have farther seen that value comes to be determined immediately, partly by the quantity of labour -dir-ectly applied, partly by the value of the capital".
G.Ramsay, An Essay on the Distribution of Wealth (Edinburgh: Adam and Charles Black, 1836), p.12.
(9) op, cit. P.394-95. Karl Marx, Capital,
(10) op, cit,p.411. Karl Marx, Capital,
(11) وحين إعمال هذا القانون نقابل ثلاث فرضيات: إما أن تختلف أزمنة الإنتاج وتتساوى أثمان الإنتاج، أو تختلف أثمان الإنتاج وتتساوى أزمنة الإنتاج، أو تختلف معاً كلٌ من أزمنة الإنتاج وأثمان الإنتاج. في جميع الأحوال ينطبق قانون القيمة النسبية، أي ثمن إنتاج السلعة مقسوماً على زمن إنتاجها.







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | الخارجية الأمريكية: جولة لتيلرسون تشمل #السعو


.. أخبار خاصة | طفلة أردنية تستطيع الطيران على جهاز المشي متحدي


.. قريبا على فرانس24- تركمانستان : الدكتاتور وألعابه




.. حكومة إقليم كردستان ترحب بدعوة العبادي للحوار


.. هذا الصباح- التجارة الرقمية بمؤتمر -عرب نت- بالكويت