الحوار المتمدن - موبايل



فصل أخر من روايتي (حين يحزن القمر)

عباس علي العلي

2017 / 10 / 5
الادب والفن


الصدمة
لا أصدق أبدا إنها هي ..... ترسم بالفحم على الجدرن، ها هي أمام عيني مرة أخرى، ما كنت أتمنى أن أراك حلما رماديا بلج علي أن أفر من المكان.... رباه من أين لي عقل يقنعني أنها ليست هي... ماذا دهاك أيها الجميل لتكون في مهب ريح عاصفة... ويحك وألف ويحك أيها القدر.... لملمت حزن كله ورميته في قلبي في لحظة ضعف، سألعن كل من كسر فيك طينة الله وجعلك خاوية من الروح... لكن لا بأس هناك أمل طالما هناك فرصة لأن نتكلم.... قولي لست أنا من تبحث عنها أو لربما أعتذر أنا عن سوء الظن الذي يعتريني هنا.. بين الحقيقة المرة والخيال الأهوج... تعالي أيها الإنسان المكسور لألملم جراحاتك ففي نفسي كثيرا من بلسم يداويك.
أقترب منها وهي ما زالت ترسم بقطعة فحم على جدار متسخ صورة جسد مسجى وفوقه نخله محنية الرأس كأنها تبكي لحظة وداع لعزيز لم يعد أكثر من ذكرى جارحة، وقف يتأمل حركة يديها الناعمتين على سطح الجدار، إنها تغرق في لحظة تأمل حزين، همس قريبا منها.... سميرة أنا هنا أبحث عنك كعشبة خلود وهمية تعيد لي ما مضى.... لم تلتفت ولم تعر الصوت القادم من خلفها أي أهتمام، كانت كما عرفها برغم الكارثة شبه أنيقة بثوبها الذي يكاد أن يتهرى من شدة ما أستهلك...
_سميرة هل أنت بخير ... أنا كريم...
_ فقط أنظري بعيني لأتأكد أن ذلك الشعر الأسود الذي شح في رسم جلاله على محياك هو ما ترسمينه على الجدار...
_ساعديني أيتها النخلة التي لا أظن أن ريحا ما تكسرها كما أراك الآن.... فقط تكلمي
لم يسمع منها كلاما ولا حتى ألتفاته تنبئ أنها تسمعه أو يمكن أن ترد، مسكها من كتفها بلمسة حنين لعلها تنتبه أن أحدا ما يكلمها، جفلت وأرتعدت وكأن نارا أحرقتها فجأة لتلتف للوراء بقوة تنتزع يدا قد مدت عليها... هي... هي، رباه ما هذا الوجه الذي تغير وكأنني أتعرف عليه أول مرة، ما هذه الوحشة التي غطت ذلك الوجه الأليف كأنه وجه ملكة سومرية جاءت من ماض سحيق لتعيد للوجود عنوان خالد...
وقفت له وجها لوجه ترسم علامات تحدي ورفض بكبرياء ثم تمضي بسرعة نحو زاوية بعيدة من الكراج حيث أتخذت منه مسكنا من صفائح الكرتون.... تعقبها بهدوء كي لا يلفت نظر من حوله وهو يحاول أن يستفسر منها عن هذا الصد الذي كسر أخر أماله في أن يحدثها عن رحلة أغترابها الطويل....
وهو يمر يتفحص المكان كان مملوأ بلوحاتها السوداء في كل مكان، على الجدران وحتى على أرض المعبدة بالأسفلت رسمت ظلامتها بصمت الناطقين، كأنه يقرأ منها قصة مأساة عنوانها الموت ثم الموت ثم شيء تريد أن تقوله للناس.... قصة مكتوبة بلون الحزن على أرض لا تهتم وعلى جدران صامته من وحشية القدر.
في جانب بعيد كان أبو رزاق يبكي بصمت... كأنها يعاتب الله على هذه النهاية وعينيه تطارد المشهد كما تطارد عدسات الصحفين فنانا مشهورا ليحظى بلقطة تمنحه تميزا وتفرد، كا المشهد مأساويا وهو يردد بينه وبين نفسه (جابر يجابر ما دريت بكربلاء أشصار)... كربلاء هي البداية وهي النهاية وهي المظلومة دوما.. (جابر يجابر أكعد وشوف تاليها..... سميرة الحرة شعامل هذا الوكت بيها)..
جلست في مكانها وكأنها تعرفت على أن الشخص الذي يلاحقها شخص مسالم لا يريد أذيتها... قدمت له كارتونه صغيره ليجلس عليها، فقط كانت عيناها شاردتان كأنهما يبحثان عن نقطة ما في السماء أو في أفق ممتد يذكرها به، كلمها كثيرا وبلا إنقطاع حدثها عن البصرة وعن حمدان وعن العشار والتنومة .... حكى لها ذكرياته في القطار الصاعد والنازل ... عن حجي حميد النجار وأم سامر... عن المراكب التي تصنع على ضفة النهر.... عن النوارس وشجرة الحناء... عن الشط والبحر... حدثها كثيرا لكنها لم تنبس ببنت شفه وكأنها ترفض كل هذا العالم الذي يدور من حولها....
سألها عن الحجية رزيقة وأين هي... طلب منها أن ترد عليه بكلمة واحدة.... أخيرا أنتبه أنها لم تعد تسمع أبدا... جرب أن يرفع صوته قليلا كي تسمعه، أخيرا أخرج ورقة من جيبه من ذاك الدفتر الصغير الذي فيه الكثير من الذكريات المشتركة وكتب لها... سميرة أرجوك ردي أنا كريم ... عرفت للتو أنك لا تستطيعي أن تسمعيني.... أرجوك لنترك هذا المكان ونعود إلى كربلاء.... الكل هناك ينتظر عودتك أمي وأبي وأبو رزاق الذي ينظر لك من بعيد ... ذاك هو الذي يبكيك قرب محل المرطبات... أرجوك ردي ... أين والدتك؟.
أمسكت الورقة وقرأت المكتوب وأعادتها له بكل هدوء ثم قامت متجهة نحو أبو رزاق....بقى متمسمرا مكانه يراقب ما سيجري عند بعد.... أستعدل الرجل وأخرج منديلا من جيبه ليمسح دموعه مستبشرا بقدوم سميرة إليه، المسافة التي قطعتها حتى تصل له كأنها ذات المسافة التي كنا نقيس بها البعد اللا متناهي أيام زمان حين كنا أطفالا لا نفقه شيئا بالقياس والمقياس (منــــــــــــــــــــــا لمكة)، لم تفعل شيئا وهي تقابل الرجل الذي منحها عاطفة الأبوة سوى أنها قبلت يده.... ورحلت لتختلط بحشد الناس وتزوغ عن الأنظار.
أي صبر لديك أيها الرب
لتبقى صامتا هكذا
دون حراك
قتلوها وتركوها تمشي وحيده
جثة تحترق كل دقيقة
روح أنتزع الموت منها كل الحقيقة
كيف ترضى
أيها الجالس فوق عرش الأقدار
أن تبقى سميرة
أسيرة........
نهض من مكانه سريعا متجها صوب تلك الحشود من الناس التي تتدافع كل جاء باص ليمتلئ سريعا بالأجساد المتصارعة على مقعد، أو مكان في زحمة غير طبيعية.... تذكر أنه يوم الخميس كالمعتاد نرى المشهد متكرر حتى تهدأ الحركة أخر النها وكل يمضي إلى هدف.... نادى أبو رزاق كريم وقال له ... لا تذهب ستعود ... أنا متأكد سوف تعود ... إنها في مكان ما هنا قد ترقبنا أو تراقبنا ... فقط عليك أن تصبر عليها، فما جرى لها ليس بالقليل دعها قليلا سوف تعود وتتذكر .... إنها مصدومة وخائفة من كل شيء يجري حولها.
عرف صاحب الكشك الذي يبيع المرطبات في مدخل الكراج وهو يتابع ما يجري بأهتمام أن الشخص الذي قبلت يده هذه المجنونة أما أباها أو قريب لها، فتح قنينة بيبسي وقدمها له....
_عفوا منك أنا لا أشرب البيبسي ممتن منك أيها الطيب.
_لا بضر يا عم ولكن أحببت أن اسألك ولو هذا تطفلا مني..
_ لا عليك إسأل..
_هذه المرأة المجنونة هل هي بنتك أو قريبتك؟ منذ أن حلت هنا منذ شهر أو أكثر لم تكلم أي شخص ولم تقترب من أحد ما.
_الحقيقة يا ولدي إنها بنتي وقد فقدناها منذ فترة طويلة وها هي أمامنا ولكن ليس باليد حيلة أن نتصرف معها بشيء...
_وكيف فقدت يا عمي وكيف سكتم كل هذه المدة؟ الظاهر من تصرفاتها أنها من عائلة محترمة رغم أن البعض حاول الإساءة لها أو ضربها....
_القصة طويلة ولكن المهم أننا عثرنا عليها الآن...
_تعال يا عم أيها الطيب بعيدا عن الناس سأحكي لك كيف جاءت هنا..
أنفرجت أسارير أبو رزاق وهو يسمع القصة من الرجل الذي كان شاهدا على تواجدها لأول مرة هنا، في صباح أحد الأيام وأنا من عادتي أن أفتح محلي مع أذان الفجر شاهدت سيار (فيات GL) بيضاء اللون توقف أمام الجامع المجاور وأنزلوا منها هذه البنت وكانت معصوبة الأعين ورموها أمام الجامع بعد أن رفع أحدهم العصبة عن عينها).
ضلت جالسة في المكان ذاته لأكثر من ساعتين تنظر في الوجوه وتتفحص ما حاولها، في الأول حسبت أنها من بنات الليل ولكن ما تنبهت عليه أن السيارة لها خصوصية لا يمكن أن تكون لأحد، فقررت أن أمتنع عن تقديم أي مساعدة لها وعرفت أن القضية كبيرة ومن خلفها مصائب.... هكذا قضت كل الفترة السابقة أما أن ترسم على الجدران بالفحم الذي تأخذه من المطعم المجاور أو تمشي بين الناس تتأملهم بصورة مستفزة أحيانا.... هكذا كل ما أعرفه عن هذه المرأة....
كريم وهو معير أذنه تماما للحديث كانت عيناه تتفحص المشهد أمامه لعله يلمح لها أثر أو يعرف أين هي بالضبط، سأل بائع المرطبات عنها أسئلة تبحث عن جواب محدد، هل غابت فترة ما كيوم أو يوميتن، هل غادرت المكان أو بدلته؟ كيف لها أن تأكل وتشرب ومن أين لها بالمال؟ أكد له الرجل أنها لا تستعطي أحد ولم تشحذ ولكنها تتردد يوميا إلى الجامع فهناك رجل كبير يخدم في الجامع أظنه هو من يساعدها ويجلب لها حتى بعض الملابس...
مرت أكثر من ساعتين ولم يظهر لسميرة أثر مما زاد في حنق كريم وأستأذن أبو رزاق في البحث عنها، كان ما يخشاه هو أنها هربت من المكان بعد أن عرفتهم كردة فعل أو كتعذيب شخصي، المهم حاول الرجل أن يثنية لكنه ذهب ليختفي هو الأخر في الزحام الذي بدا يتضخم مع قدوم ساعات أنتهاء الدوام الرسمي، طلاب جامعات على الغالب وعساكر شباب، والبعض من النسوة التي يتجمعن على شكل جموعات منفردة على أمل أن يحصلن على مساعدة من أحد، خاصة تلك العجائز أو البنات التي يظهر من قيافتهن الخارجية أنهم طالبات جامعيات أو موظفات يتنقلن من بغدا إلى مدهن الجنوبية والوسطى... زحام غير عادي وهرج كبير كيف له أن يجدها بين تلك الأجساد البشرية المتلاطمة.
مرت دقائق قليلة حتى لمح أبو رزاق وجو سميرة في مكانها المعتاد تنظر له وكأنها تدعوه ليجالسها هنا في مملكتها الجديدة، تبدو أنها قد غيرت ملابسها وأغتسلت من أثر السخام الذي كان على وجهها ويديها، جلس قريبا منها في نفس المكان الذي كان كريم قد جلسه من قبل، أقترب هي منه ووضعن رأسها على كتفه كمرتحل أشتد به التعب فسكن على جدار ليسند ظهره، أنفاسها التي أخبرته عن شعورها بالسعادة أن وجدت أخيرا ظلا لتأمن له فقد غفت قليلا والرجل لا يمكنه الحراك خوفا أن يقطع عليها تلك الرحلة من الراحة النفسيه وعينه ما زالت تصب الدموع... (جابر يجابر ما دريت بكربلا أشصار).











اخر الافلام

.. الرياض تحتضن ليالي السينما السعودية


.. هذا الصباح- عقيل أحمد.. استلهام الموسيقى والشعر العربي بالرس


.. بوكس أوفيس| تعرف على إيرادات السينما الأمريكية لهذا الأسبوع




.. دردش تاغ - ما رأيكم في الأفلام المستقلة؟


.. مهرجان الفيلم العربي بواشنطن يدخل عامه الثاني والعشرين