الحوار المتمدن - موبايل



حكايا من همس الذاكرة -3- ** يوم أسقطت الرب من السماء

سليمان الهواري

2017 / 10 / 6
الادب والفن


حكايا من همس الذاكرة -3-
*****************
يوم أسقطت الرب من السماء
*****************
هندية .. هندية .. زرهون ..
لكثرة ما رددتها طيلة النهار سكنت اللسان و المكان و تفاصيل الليل ..
هندية .. هندية ,, هندية .. تين شوكي ..
استفقت مذعورا و تباشير الصباح الاولى تلوح من سقف البيت المفتوح مباشرة على السماء ..
" قمْ لقد تأخرت ، و حسن ابن الجيران ينتظرك عند الباب " ..
لاوقت اذن للتثاؤب اكثر و صوت امي يأتي من الركن الآخرللبيت منزعجا وكأنها حاولت ايقاظي طويلا دون نتيجة .. نهضت وعيوني نصف مغمضة في اتجاه باب المنزل ، انحنيت كي اربط خيط الحذاء لكن الرغبة في التبول كانت أقوى .. بيد واحدة غسلت وجهي من ماء السطل الذي كان نصف ممتلئ و أنا أنادي حسن ان ينتظر قليلا حتى أخرج العربة من مكانها و أتأكد من سلامة عجلتيها .
" صباح الخير .. سلام . سربي راه مشى الحال " ..
حسن صديقني منذ ان فتحت عينيّ في هذا الدرب ، نشترك في نفس الاصول القبلية كما اغلبية من يقطن هنا ، و هو ما يجعل علاقاتنا قوية و كل ابواب البيوت مشرعة لنا كما وجبات الاكل وكل شقاوات الليل و النهار ، كنا ندرس في نفس الثانوية و ان اختلفت شعب تمدرسنا لكن سر الارتباط يكمن في هذه الكرة المملوءة بالهواء و نحن نغازلها معا و ما ان يمسكها احدنا بقدمية حتى يتقدم الثاني الى حيث ستاتيه ويداعبها بلذة و قد يعيدها لصاحبه قبل ان يقرر أحدهما تمريرها بين ارجل حارس الفريق الخصم .. هذا الخصم ليس سوى صديق آخر من اصل قبلي آخر يسكن جهة أخرى من الحي .. حسن كان مراوغا خطيرا لا يقف أمامه أحد لكن عيبه أنه كان جبانا و يكفي ان يبدأ اي اشتباك حتى يطلق رجليه للريح .. كان هذا حال حسن وظل هكذا لم يتغير ، و لذلك كان مركز سخرية الجميع و عنوان الحكايا و" التقشاب "
في أمسيات الحومة التي لا تنتهي ،، و كل مرة كان يغضب حسن ، و كل يوم تجدنا مجتمعين نعيد نفس المصائب ..
كان حسن يحكي عن كل شيء طيلة الطريق ونحن ندفع عربتينا في اتجاه المدينة القديمة و سوق الجملة في " باب الجديد " .. هناك سيشتري كل واحد منا صندوقين من الهندية ثم العودة مباشرة الى البيت كي نكمل النوم ، و عند الظهر سنخرج بعربتينا الى الشارع نطلب رزق الله المبعثر هناك ..
هندية .. هندية .. تين شوكي ..
كانت هذه لازمة الطريق بمجرد ان تغادر الحومة وتصل الى اول فيلا في الطريق الى الاقامات السكنية المجاورة لمستشفى محمد الخامس ..
لا أحد يمشي في هذه الساعة والحرارة تكاد تأكل زفت الطريق المعبد .. يصبح دفع العربة أصعب في العقبة التي توصل الى مقر العمالة .. فأضطر الى التوقف كل مرة كي أستريح قليلا قبل معاودة السير ..
" هل أصحاب الفيلات هم ايضا ياكلون الهندية ؟ "
تساءلت داخلي ، ولا أحد ينتبه لهذا الشاب ذي الستة عشر عاما وهو يدفع عربته الثقيلة في هذه الشمس الحارقة ..
هندية .. هندية .. هؤلاء الصامتون وراء جدران فيلاتهم ، لاشك انهم ممددون تحت مكيفاتهم يشاهدون فيلما رومانسيا قبل ان تحل صلاة العصر ، وتتوجه سيدة البيت مع الخادمة الى المطبخ لاعداد "شهيوات " الفطور ، بينما " سيد الحاج " سيتخشع مع خطبة الدرس الحسني يزيده لتقواه تقوىً أكبر .. هؤلاء ليسوا يقينا ممن غضبت عنهم السماء حتى تشوى جلودهم تحت لهيب هذا الجحيم ..
- بكم تبيع الهندية ؟
- عمي الحاج مرحبا ، الهندية بعشرة سنتيمات .
- أووف بزااف عشرة سنتيمات واش باغي تسرق أولدي ؟
- الله يرحم واليديك عمي الحاج ، الصندوق غال و اغلبه غير صالح
- اسمع ، سآخذها منك بخمسة سنتيمات فقط
-ستضيّعني عمي الحاج ، و هي فلوس المدرسة فقط
-اسمع ، نهاية الكلام سأشتريها منك بخمسة عشرة سنتيما للحبتين ما رايك ؟ ..
قطعْ اربعين هندية و ضعها في هذا الكيس البلاستيكي ..
بدأت أقطع له الهندية وانا أتساءل ماذا لو لم يساومني عن الثمن و هو الذي يملك كل هذه الفيلا و كل علامات الثراء واضحة عليه ؟ ماذا لو كان كلامه معي ألطف على الأقل بدل ان يتكلم من أعلى درج في باب الفيلا ؟ .. و مع كل حبة أقطعها كنت اسبه في قرارة نفسي ، وهو يحاول ان يظهر أطول من قامته القصيرة .. كان يرتدي بدلة زرقاء مكوية بشكل جيد وحداؤه الاسود يلمع في قدميه .. على راسه كان يضع طربوشا قصيرا أحمر .. " الطربوش الوطني " ..
تساءلت عن هذه " الوطني" وعلاقتها بالطربوش و كرشه المدلاة على حزام سرواله الذي ربطه فوق سرته ..يقينا نحن أبناء غير المطربشين لا علاقة لنا بهذه " الوطني " ، وآباؤنا يحمون رؤوسهم من الحر ب" تارازاتهم " المصنوعة من الدّوم ..
وضعت الدراهم الثلاثة في جيبي ثم دفت العربة امامي ..
هندية .. هندية .. كنت أقصد قنطرة محطة القطار كي استظل تحتها قليلا .. لكني وأنا في الطريق فضلت ان ان أصعد بجوار الثانوية حيث عمارات الموظفين .. هناك يقينا سيكون الرواج أكبر ..
مِلتُ بالعربة يسارا و بدأت أدفعها في العقبة .. كنت أحس بالتعب حقا ،لكن لا مجال للتوقف الآن و يجب ان استمر في الدفع اكثر .. اقترب من باب الثانوية والطريق سيصبح بعد قليل منبسطا و الدفع أسهل .. هكذا خمنت ..
لا اعرف ما الذي وقع .. كل حمولة العربة وقعت وسط الطريق ، والعربة مقلوبة على جنبها .. لاشك ان العجلة المهترئة قد تعثرت في حجرة و أنا لم انتبه من كثرة الاجهاد حتى فوجئت بانقلاب كل شيء ..
ماذا عساي ان افعل حينها ؟ ومن اين سابدأ ؟ وكأن الحياة توقفت ..
حاولت ان اجر العربة جانب الطريق وعيوني تائهة وسط صندوقيْ الهندية المبعثرين .. لازال بعضها يتدحرج على الجنبات .. بعض السيارات التي تمر وسط هذا القيظ تحاول الا تدعس الهندية المترامية هنا و هناك ..
ما أحسه ليس غضبا ، كان شيئا أكبر ..
" يا الله ؟ أين أنت ؟ " ..
رفعت عيني الى السماء .. " هل أنت الله حقا ؟ "
" هل تستحق ان نصوم لك ونبقى بهذا الجوع و هذا العطش في هذا القر بينما أنت تتلذذ بعذابنا ؟؟
هل انت من تسمي نفسك العدل ؟"
رجل كبير السن ، يشتغل حارسا في احدى العمارات القريبة ، كان قد شاهد من بعيد كل شيء .. اقترب مني و هو يحاول تهدءتي :
" الحمد لله على كل حال يا ولدي ، ربي يخلف " .
وددتُ حينها لو أمسكت هذه القوة السماوية التي تدعي التحكم في كل شيء ، من رقبتها ، و أطرحها ارضا تتدحرج مع اشواك الهندية حتى تتذوق ما يحسه أولاد الفقراء ..
حاول الرجل ان يجمع معي ما يمكن جمعه على العربة وهو ينادي أحد الاشخاص الذي أطل وراء سور الثانوية ..
" الله يرحم الوالدين شي سطل د الما " ..
مسحت ما يمكن مسحه وحاولت تنظيف ما تبقى صالحا ، ثم أعدت ترتيب الكل فوق العربة ، والرجل يساعدني حتى انتهيت ..
" الله يرحم الوالدين" ..
لم أجد الكلمات التي يمكن ان اشكره بها وهو يغادرني ناصحا بالصبر و حمد الله كثيرا على كل شيء ..
لم اكن اسمع كلماته جيدا وانا اركن العربة تحت الشجرة الوحيدة التي تعمر الرصيف المقابل للثانوية ، ثم جلست في ظلها على حجرة كبيرة ..
حاولت ان استجمع انفاسي لعلي استوعب ما يقع .. لا أحد سواي موجود في هذا الطريق ..
من عساه هذا المسخوط الذي يخرج في هذه الساعة من الصيام كي تحرقه ظهيرة صيف غشت ؟ ..
نظرت طويلا في شقق العمارات العالية .. كنت اعرف كثيرا من اسماء ابنائها الذين يدرسون معنا في الثانوية .. هم يقينا لا يعرفون معنى تقطيع الهندية ولا كيف يثقب جلد يديك باشواكها .. هم كانوا يختلفون عنا في اشياء كثيرة الا في هذه المصيبة التي اسمها " الدراسة " و كأننا خلقنا فقط كي نكون الاوائل في تحصيلها ، بالرغم من كل شيء ..
آه لو كان هناك إله عادل .. ما كنت ساكون هنا أتجرع كل هذه المرارة ورفاق الدراسة من سني مرتاحون على الشواطئ و في المسابح و المنتزهات .. هكذا حينها فكرت ..
رغبة في ان ارمي العربة و ما عليها في الحافة أمامي و كأني لست انا الذي يقع له كل هذا و لست انا المقصود بالعدل االالهي حين يرتبط الرزق باشواك الهندية فيما الآخرون لا يعرفون حتى وجع السؤال ، يكتفون بانتاج الرغبات و التلذذ في الوان الاستهلاك ..
لم تعد لدي رغبة في اي شيء وآذان العصر يرتفع من صومعة مقابلة ..
كان علي ألا أبقى هنا وأن أدفع العربة مرة أخرى في طريق العودة ..
حاولت ان اسلك طريقا آخر يمر من الشارع الرئيسي وسط المدينة الجديدة ..
هناك قد تكون فرصة البيع افضل و الوقت يقترب من صلاة المغرب ..
توقفت بجوار السوق المركزي حيث كانت عادة تجتمع عربات بيع الفواكه ..
على غير العادة كان المكان فارغا ..
أحد المارة نصحني بمغادرة الشارع لان رجال السلطة يحجزون كل عربات الباعة المتجولين .. كانت حملات السلطة معروفة عندنا ، و كانت تكفينا عشرة دراهم لكل عربة نسلمها رشوة لرجل القوات المساعدة كي تسلم الجرة ..
لكن يبدو ان هذا النهار ليس ككل النهارات .. سيارة الجماعة الكبيرة باغثتني في مكاني و لم يتركوا لي كثيرا من الوقت كي اناقشهم فيما يفعلون .. شرطي مرفوق بفرد من القوات المساعدة يأمراني بدفع العربة الى مقر البلدية مقابل سينما " ريجان " ..
عبثا كنت اتوسل اليهما لأن " القائد " كان يراقبهما من داخل السيارة واليوم لا رحمة في هذا النهار الرمضاني المبارك .. وعداني انها مسألة ساعة و سآخذ عربتي و اذهب لحالي ..
هناك كانت عشرات العربات محجوزة ..
أصبحت تائها وسط هذه البناية الغريبة ولا أحد يجيب على توسلاتي ..
" غدا صباحا ارجعوا جميعا ، كي تدفعوا ذعيرة حجز عرباتكم " ..
كان هذا صوت احد " المقدمين " المعروفين هنا و هو يغلق الباب الحديدي ل " البلدية " ..
ضاع راسمال " الهندية " و العربة قاب قوسين أو أذنى من الضياع ..
لا اعرف حينها ان كنت حزينا ام غضبانا ..
فقط هو بياض يغشى الروح و الاحساس ، و لا يخضع للتوصيف ..
ماهو يقين اني أضعت الله ذاك النهار ..
طال طريق العودة للبيت كي اصدمهم بالخبر ..
و عند اول صنبور للماء في الحديقة القريبة من الحي شربت حتى ارتويت ..
لم يعد هناك شيء اسمه رمضان .. مات الإله ..
* سليمان الهواري *







اخر الافلام

.. الأميران وليام وهاري في فيلم حرب النجوم الجديد


.. نشرة الرابعة .. كيف كانت السينما في جدة قبل 40 عاما؟


.. صرخات من سورية فيلم لـ يفيغيني ايفنيفسكي وخلود الوليد برومو




.. ماذا قال محمد صبحى عقب تكريمه فى بمهرجان أيام قرطاج المسرحية


.. اليامي: لدينا مواهب سعودية لافتة في صناعة الأفلام