الحوار المتمدن - موبايل



جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (6-7)

عقيل الناصري

2017 / 10 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (6-7)

وتاسيساً على ذلك يمكننا القول أن تأسيس الدولة العراقية الحديثة لم يكن على وفق تعاريف الفكر السياسي والقانوني الحديثين، إذ كانت دولة عصرية من حيث الشكل الخارجي أما جوهرها فكانت استمرارا للدولة السلطانية التسلطية حيث تنعدم فيها ظواهر الدولة الحديثة باعتبارها دولة مؤسسات وقانون وحقوق والسلطة فيها ملكية عمومية لم تكن قائمة على مبدأ التداول السلمي بين المكونات الاجتماعية. وهذا يفسر إلى حد كبير مأزق الدولة العراقية الحديثة منذ التأسيس عام 1921 وإعادة التأسيس عام 2003. ومما زاد الطين بله أن المؤسسات الدستورية الحديثة والافكار الجديدة لم تنبثق من خلال الصراع الاجتماعي للمجتمع، بل تم فرضها من الأعلى ولم تكن نتاجها ظروفها الداخلية، بل على وفق منظومة المفاهيم الغربية ومن مجتمعات لا تتشابه مع الوضع العراقي لا من حيث التجربة التاريخية ولا من ماهيات الصراع بكل ابعاده الاجتماسياسية والفكرية ولا من حيث المؤسسات القانونية والسياسية وبالاخص آوالية (ميكانيزم) النظم الدستورية والاحزاب والبرلمانية. لذا فقد تعمقت التشويهات البنيوية للازمة السياسية للمرحلة الملكية برمتها، وكان من إبرزها العملية الانتخابية التي كانت على درجتين منذ أول انتخابات ولغاية 1953، حيث أمست بصورة مباشرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان تدخل مثلث الحكم ( مؤسسة العرش والوزارة وقوى الانتداب لغاية 1932، والسفارة البريطانية لغاية 1958) فيها. ويذكر توفيق السويدي، احد أعمدت الحكم الملكي، يقول: "... إن مشكلات البلد ناشئة في الدرجة الأولى من ضعف الوزارات التي قامت في البلاد، لأنها لم تستند إلى مجالس تشريعية منتخبة انتخابا حراً لتمثيلها تمثيلاً صحيحاً، إن فقدان التمثيل النيابي الصحيح هو الذي باعد بين الشعب وحكومته ، فلو أن مجلساً تشريعياً تجري انتخاباته وقام في البلاد، لقلَّتهذه المشكلات إلى درجة محسوسة... ".
وعلاوة على ذلك فإن أحدى مشاكل الحكم البنيوية في العراق المعاصر، كما في إعادة تأسيس الدولة العراقية بعد الاحتلال الثالث (9 نيسان 2003- 31 كانون أول 211) قد كمنت في تأسسها "... على يد قوى ونخب محلية استقوت بالمحتل البريطاني، وإستمدت قوتها وشرعيتها منه على الرغم من الإجراءات والأساليب الديمقراطية الشكلية المتمثلة بمجلسي النواب والأعيان، مما افقدها السيطرة السياسية وكيفية الاستجابة للأفكار الثورية الناشئة من دون تقويض العلاقات الاستراتيجية التقليدية... ". إذ بدأت الافكار اللبرالية بالتسرب منذ آواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن السابق، والافكار الاشتراكية منذ أواسط العشرينيات من القرن المنصرم على يد الرواد الأوئل للفكر الاشتراكي ( حسين الرحال وجماعته ).

القاعدة الاجتماعية للحكم الملكي:
لقد استندت الدولة الجديدة عند انبثقها عام 1921 إلى ثلاثة عناصر أساسية أندمجت مكوناتها الأرأسية في كل موحد، لتمثل قاعدة الحكم الجديد المنطلق نحو مركزة ذاته وتقويتها في السيطرة على الحكم، رغم التناقضات الكامنة بين مفردات كل عنصر من هذه العناصر من جهة ؛ وبين هذه العناصر المتنافرة ككل من جهة ثانية ؛ وللمحدودية التاريخية لأفق تطور بعض هذه العناصر من جهة ثالثة ؛ ولإختلاف وأهمية دور كل عنصر في سياق توطيد الحكم وإعادة إنتاج قاعدته الاجتماعية على وفق منطوق تطوره الداخلي من جهة رابعة ؛ وطموح كل عنصر منها، فِراداً، لتوطيد مكانته على حساب العناصر الآخرى من جهة خامسة. وهذه العناصر هي:
1- قوى الاحتلال الأجنبي والكادر الإداري المرافق لها ؛
2- القوى الاجتماعية التقليدية المحلية المتكونة من :
2.1- المدينية : وتتمثل بالأشراف والعوائل الارستقراطية القديمة والتجار والملاكين ؛
2.2- الريفية المتمثلة بمجموعة القبائل والعشائر وخاصة الكبيرة منها.
2.3- الدينية بخاصة الإسلامية ( السنية) واليهودية ؛
3- مجموعة الضباط العراقيين في الجيش العثماني بخاصة الشريفيون منهم .
هذه القاعدة الاجتماعية تتماثل مع رؤية قوى الاحتلال لعراق المستقبل، وقد لخص برسي كوكس المعتمد البريطاني في العراق هذه الرؤية كما أوضحها في مذكراته المعنونة ( مستقبل ما بين النهرين) والمؤرخة في 12 نيسان 1918 حيث يقول: "...إن العناصر التي ينبغي علينا تشجيعها هي الآتية :
أولاً الطائفة اليهودية في بغداد ؛ ثانياً : الوجهاء والأشراف العرب من سكان مدينتي بغداد والبصرة إن هؤلاء عنصر مفلس متأخر بعض الشيء، إلا أنه من الضروري تشجيعهم وآخذ آرائهم قدر الإمكان؛ ثالثاً: عنصر الملاكين الأغنياء من العرب واليهود على السواء والشيوخ الأكابر للعشائر المتوطنة... ". ولهذا نرى أن قوى الاحتلال الأول قد غيرت من جملة التشريعات وبخاصة تشريعات الأرض منذ عام 1916 بغية تقوية العشائر الموالية لها، كما تعاونت مع الضباط العراقيين في تأسيس الدولة وسلمتهم المفاتيح الأرأسية للسلطة، في حين عززت من الارستقراطية القديمة والملاك والتجار وسلمتها مفاتيح السلطة الرئيسية والثانوية واستوردت لنا ملكاً.
ومن تحليل هذه البنية الاجتماعية نرى أن الدولة العراقية المعاصرة قد قامت على قاعدة اجتماعية أكثر ملائمةً نسبية للتطور آنذاك مقارنةً بالمرحلة العثمانية (المظلمة)، رغم أنها كانت تستند على ثنائية متناقضة هي الحداثة والتقليد،كما مر بنا، نظرا لما اكتنفها من عناصر وفئات جديدة ( الضباط العراقيين في الجيش العثماني، الطاقم الاداري لقوى الاحتلال، مؤسسة العرش، فئات اجتماعية وطبقية جديدة كالعمال والانتلجنسيا والفئات المتوسطة والطلبة وغيرها) ؛ واخرى تقليدية (الارستقراطية التقليدية في المدن والمؤسسة الدينية وشيوخ العشائر وبخاصةً الكبرى منها). لكن كانت الغلبة في إدارة الدولة للعناصر الجديدة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية وضباطها المحوريين التي "... لم تكتف بدورها الطبيعي السيادي، بل نهضت بأدوار سياسية داخلية أيضاً. فكانت منها النخب السياسية والأحزاب وكانت– في عدّةِ من الحالات- مصنع القرار السياسي. حتى أن طبقة الإداريين (البيروقراطية) التي أدارت أجهزة رئيسية في الدولة كانت منها آحياناً! ولعل الكثير من النتائج نجم عن أداء هذه الوظيفة السياسية الداخلية من قبل الجيش، وليس أقله ما أتصل بالحق العام في السياسة والسلطة الذي صودِر... ".
والدليل الملموس أن منصب رئيس الوزراء طيلة المرحلة الملكية قد استحوذ عليه من ذوي الأصول العسكرية، وعدد المرات التي ترأسوها فهذا ما يوضحه الجدول التالي:
جدول يوضح الأصل المهني لرئيس الوزراء خلال المدة 1920-958 ونسبتهم المؤية.
الأصل المهني العدد * النسبةالمئوية% الزمن المفترض بالشهر** %
المدنبون 23 39,7 184 39.6
العسكريون 35 60,3 280 60.4
أ - الشريفيون 29 50 232
ب- آخرون 6 10,3 84
المجموع 58 100
** أحتسب الزمن على أساس المعدل العام لعمر الوزارة الملكية، وهو ما يقارب 8 أشهر. المصدر: مستل من كتابنا الجيش والسلطة، 322، مصدر سابق.
ومن الجدول أعلاه يتضح بأن الذين تسنموا رئاسة الوزارة 58 شخصاً،( لم تحتسب الوزارة النقيبية الأولى لانها تشكلت قبل تأسيس الدولة المركزية) كان 23 منهم من ذوي الأصول المدنية أي بنسبة لم تتجاوز الـ 38.9%، في حين بلغت هذه النسبة أكثر بقليل من 61.1% لذوي الأصول العسكرية، الذين تسنموا رئاسة الوزارة 35 مرة، وبالتالي مكثوا في الحكم 280 شهرا من اصل 464 شهراً وهي المدة بكاملها أي بنسبة أكثر بقليل من 60.4 %. ومن الملاحظ أن الضباط الشريفيين كونوا النواة المركزية للنخبة الأوليغاركية، حيث كانت مدة مكوثهم في رئاسة الوزارة أكثر 50% .
وهكذا استحوذ ذو الأصول العسكرية ومن ضباط الجيش العثماني الآخرون، على منصب رئيس الوزراء، فقد ترأس كل من: نوري السعيد الوزارة 14 مرة، جميل المدفعي 7 مرات، عبد المحسن السعدون 4 مرات، علي جودت الايوبي 3 مرات، جعفر العسكري وياسين الهاشمي وحمدي الباجه جي وأرشد العمري مرتين لكل منهم. وكل من ناجي السويدي وناجي شوكت وحكمت سليمان وطه الهاشمي ومزاحم الباجه جي ومصطفى العمري ونوري الدين محمود، مرة واحدة لكل منهم. ليس هذا فحسب، بل هيمن وتسنم ذوي الأصول العسكرية على شاغلي المناصب الوزارية السيادية كما يوضحه الجدول التالي:
جدول يوضح عدد شاغلي مناصب الوزارات السيادية حسب الأصول المدنية للفترة 1921-1958 ونسبتها
عدد شاغلي المنصب من المدنيين % عدد شاغلي المنصب من العسكريين
% المجموع
30 39 47 61 77
عدد مرات تسنم المنصب
115 32,1 243 67,9 358

المصدر: كتابنا الجيش والسلطة، ص.329 ، مصدر سابق.
ومن الجدول أعلاه يلاحظ سيطرت ذوي الأصول العسكرية على الوزارات السيادية وتوجيهاتها حسب تصوراتهم وفلسفتهم وبهذا فقد ركزوا مصادر القوة ومركزة القرار المركزي للدولة بأيديهم، وإذا اضفنا نسب رئاسة الوزارة إلى ما ذكر أعلاه، فسوف تتضح الصورة بجلاء وهي سيطرة ذوي الأصول العسكرية على المفاصل الأرأسية والرئيسة للسلطة الملكية.
ليس هذا فحسب، بل إمتدت سيطرت ذوي الاصول العسكرية حتى على السلطة التشريعة (مجلس الأمة: الأعيان والنواب) إذ تولى رئاستهما 49 شخصاً كان 24 منهم من ذوي الأصول العسكرية، اي بنسبة 49%، وإن تباينت هذه النسبة بين مجلس وآخر، فكانت نسبتهم في رئاسة مجلس الأعيان في حدود 38,5%( 5 من 13)، أما رئاسة مجلس النواب فكانت نسبتهم 52,8% ( 19 من 36).
أما إذا اضفنا مؤشراً آخر لحضور المؤسسة العسكرية، المتمثل في سريان مفعول الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية (الجزئية والكلية لعموم العراق)، ومضمونها الحد من سريان مفعول الدستور، وقد بلغ عدد هذه المراسيم للمرحلة الملكية برمتها،27 مرسوما . وعلى ضوء هذا المعيار وفعاليته، فيمكننا تقسيم المرحلة الملكية إلى فترتين: الأولى:
- 1921- 1932( مرحلة الانتداب) وسريان مفعول الأحكام الاستثنائية برمتها ؛
- الثانية : 1932-1958 (مرحلة الاستقلال الشكلي) حيث أعلنت الأحكام العرفية 16 مرة، غطت أكثر من 40% من المساحة الزمنية. وقد إزدادت كثافتها منذ الاحتلال الثاني ( 1941- 1947) حيث بلغت مدتها ما مقداره 3138 يوماً، اي 8 سنوات من أصل 17 سنة. .
ومن المعايير الأخرى لسيطرة المؤسسة العسكرية تتمثل في التوسع المضطرد لوزارة الدفاع طيلة المرحلة الملكية وبخاصة منذ عام 1935، إذ عدل نظامها الداخلي في عهد الوزارة الهاشمية الثانية( 17/3/1935- 29/10/1936) بغية إستيعاب التوسع الكمي الذي حدث في الجيش نتيجة إقرار التجنيد الإلزامي. ولهذا ارتفعت ميزانية وزارة الدفاع في ذلك العام أكثر بقليل من نصف المبلغ الإجمالي لميزانية الدولة العراقية (55%).
الهوامش والمصادر
83- عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات، ج. 7، ص. 5، مصدر سابق.
84 - مستل من طارق مجيد العقيلي، مقدمة في تاريخ العراق، ص. 438، مصدر سابق.
85 - حول هذه الجماعة راجع : حنا بطاطو ج.2 ؛ د. عامر حسن فياض، جذور الفكر الاشتراكي، مصدران سابقان.
86- للمزيد راجع كتابنا، الجيش والسلطة في العراق الملكي، مصدر سابق.
87 - مستل سالم عبيد النعمان، نصف قرن، ص. 52، مصدر سابق.
88 - عبد الإله بلقزيز، السياسة في ميزان العلاقة بين الجيش والسلطة ص.14، مصدر سابق.
89 - لقد شرعت حكومات كل من: نوري السعيد 15 مرسوما، رشيد عالي الكيلاني 7 مراسيم، جميل المدفعي 4 مراسيم ، وياسين الهاشمي مرسوماً واحداً.
90 - للمزيد حول هذا الموضوع راجع للمؤلف دراسته الموسومة : جدلية التغيير في 14 تموز 1958 ومعضلة قدوم العسكر للسلطة، ثقافة الجديدة العدد المزدوج 390-391، تموز 2017، بغداد.
91- د. صادق البلادي، تحويل الجيش إلى مؤسسة لإعمار الوطن، الثقافة الجديدة، العدد 266، ص. 55.
92- راجع للمؤلف: الانتفاضات الشعبية، إرهاصات مهدت للثورة الثرية، الثقافة الجديدة







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | الخارجية الأمريكية: جولة لتيلرسون تشمل #السعو


.. أخبار خاصة | طفلة أردنية تستطيع الطيران على جهاز المشي متحدي


.. قريبا على فرانس24- تركمانستان : الدكتاتور وألعابه




.. حكومة إقليم كردستان ترحب بدعوة العبادي للحوار


.. هذا الصباح- التجارة الرقمية بمؤتمر -عرب نت- بالكويت