الحوار المتمدن - موبايل



رئيس عسكرى، ذو خلفية عسكرية !

سعيد علام

2017 / 10 / 6
مواضيع وابحاث سياسية




على العكس من التعبير الشهير فى دول ما يسمى بـ"العالم الثالث" "ضحايا الاستعمار"، التعبير التى تصنف به رئيسها بانه "عسكرى ذو خلفية مدنية"، على العكس من ذلك، فان مشكلة الرئيس السيسى تكمن، وبعيداً عن الخلاف على مدى شرعية طريقة وصوله للسلطة، تكمن مشكلته، كما فريقه، فى انه عسكرى لا يحمل اى خلفية مدنية، فلا يعرف عنه انه قد مارس اى مسئولية مدنية على مدى تاريخه الشخصى، لقد امضى جل حياته عسكرياً، بالطبع ليس "عيباً" ان يقضى انسان حياته عسكرياً، ولكن المشكلة ان يتولى انسان اعلى مسئولية مدنية، "رئيس دولة"، وليس لديه اى خبرة سابقة فى ادارة الحياة المدنية!، ومما يضاعف من حجم هذه المشكلة هو ان يكون فريقه يتسم بنفس الصفة!.

لقد كانت اول ممارسة للرئيس السيسى، وكذا فريقه، للادارة المدنية، فقط، عندما اصبح رئيساً للدولة!.

حتى ان النجاحات التى حققها فريق السيسى حتى الان، خاصة الخارجية، اعتمدت بشكل اساسى على خبرة عامة فى السياسة، متمثلة فى امكانية شراء معظم الولاءات بالمصالح المادية والاستراتيجيه المحددة، وذلك سواء بالنسبة للافراد او الجماعات او حتى الانظمة الحاكمة، فى الداخل كما فى الخارج، حال توفر التمويل الازم لشراء هذه الولاءات، والتى وفرته فى الحالة المصرية الحالية دول الخليج، خاصة السعودية والامارات والى حداً ما الكويت، بخلاف ذلك لم يحقق فريق السيسى نجاحاً يذكر، على المستوى الداخلى، بالرغم من الثقة التى يبديها فريق السيسى فى صحة خياراته السياسية والاقتصاية الاجتماعية، بالرغم من هذه الثقة، فانه حتى النجاح والشعبية التى حققها فريق السيسى فى تصديه لجماعة الاخوان منذ يوليو 2013، يكاد لا يتذكرها اليوم احد من الشعب، بل ان المعاناة المعيشية الغير مسبوقة للطبقات الدنيا وحتى الطبقات الوسطى، وكذلك الاغلاق التام للمجال العام للتعبير عن هذه المعاناة اولنقد او تصويب هذه السياسات، قد اوصلت مستويات الرضى العام عن الاداء الرئاسى، الى ادنى مستوى لها، على مستوى كل رؤساء الجمهورية، منذ بداية سلطة يوليو الممتدة من 1952!.


وهم الرهان على ثبات الموقف الشعبى !

لا ابدية فى الموقف الشعبى .. فبالرغم من الشعبية الجارفة التى حظى بها جمال عبد الناصر سنوات طويلة، فقد استطاع السادات، بعد توليه الرئاسة، استطاع ان يحول بوصلة الراى العام المصرى 180 درجة خلال فترة زمنية قصيرة للغاية!، باطلاق احلام الجماهير تجاه حياة الرفاهية ابان زيارته للقدس فى 19 نوفمبر 1977! .. وما حدث ويمكن اعتباره مثلا صريحاً يؤكد هذه "الخاصية"، ما حدث من عزوف واضح لقطاعات واسعة من الجماهير، عن المشاركة فى الانتخابات البرلمانيه 2015، ومن بعدها انتخابات الرئيس السيسى نفسه، رغم دعوة السيسى لهم يضرورة المشاركة!، جاء ذلك بعد مرور وقت قصير على الحماسة الواضحة من نفس هذه الجماهير لكافة الانتخابات والاستفتاءات التى اجراها واشرف عليها المجلس العسكرى بعد يناير 2011!.(1)


ده مدنى، وده مدنى !

مدنية الدولة لا تعنى ان يرتدى الرئيس ملابس مدنية، انها تعنى نظام حكم يتمثل اخر ما توصلت اليه نظم حكم المجتمعات البشرية على مدى تاريخها الانسانى، منذ المجتمع المشاعى الاول مرورراً بالقنى والعبودى ثم الاقطاعى وصولاً الى المجتمع الرأسمالى الحالى، وتمثله فى نظم حكم "الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة"، التى هى بكل تأكيد، ووفقاً لدروس تاريخ نضال المجتمعات البشرية نفسه، ليست نهاية المطاف وليست الافضل، ولكنها اخر ما توصلت اليه خبرة المجتمعات البشرية عبر نضالها الطويل نحو العدالة والحرية، حتى الان.

لقد كان عبد الناصر عسكرياً، وكذلك السادات ومبارك، الا ان ثلاثتهم، قد احاطوا انفسهم، وان بدرجات متفاوتة، بكوادر مدنية ذات كفاءة وخبرات متراكمة فى الادارة المدنية، ليست احاطة شكلية لمجموعة من الموظفين المطيعين، اللذين لا يمثلوا اى اضافة للخبرة المدنية للقائد العسكرى، والتى تشرط ان يرغب ويسعى القائد العسكرى للاستفادة منها فعلياً، وهذه السمة يمكن اعتمادها كأحد المعايير الرئيسية فى قياس مدى النجاحات او الاخفاقات التى حققها هذا الرئيس او ذاك، الا ان هذه السمة الرئيسية قد تجاهلها فريق السيسى او تعمد ان يتناساها!.

لقد شكلت الجيوش فى الغالبية العظمى من دول العالم الثالث، ومازالت تشكل، العنصر الحاسم فى اى عملية تغيير فى السلطة الحاكمة فى تلك الدول، سواء لاسباب داخلية، او فى الاغلب لمصالح قوى خارجية. لقد شكلت الجيوش ومازالت، القوة الحاسمة فى اى تغيير فى السلطة الحاكمة، بسبب تخلف وضعف اطوار تطور الدولة المدنية الحديثة فى مجتمعات هذه الدول "العالم الثالث".

وبخلاف قوة الجيش الحاسمة فى دول العالم الثالث، يمكن تقسيم القوى الرئيسية فى مجتمعات تلك الدول الى قوتين رئيسيتين: الاولى، هى قوى اليمين، الدينى والمدنى، القوى المحافظة، والتى غالباً ما تتحالف مع القوى الحاسمة "الجيش"، اما القوى الرئيسية الثانية، هى قوى "اليسار"، قوى التقدم، قوى التغيير، القوى الراغبة او التى لها مصلحة فى التغيير.


التنظيم المستقل، جريمة الجرائم !

فى مصر كما فى كل الدول المماثلة، حرصت سلطة يوليو الممتدة، من اليوم الاول لحكمها على اعتبار اى محاولة لانشاء تنظيم مستقل، هو جريمة الجرائم، التى لا يمكن التهاون معها بأى شكل من الاشكال، بل يجب سحقها سحقاً، الم تكن هى نفسها تنظيماً مستقلاً!، والذى بدونه لم يكن لها ان تستولى على السلطة!، ومن هنا فقط يمكن فهم العلاقة السببية العضوية بين تجريم التنظيمات المستقلة، ونجاح سلطة يوليو الممتدة فى الاستمرار، من ناحية، ومن ناحية اخرى، وبينها وبين ضعف الحياة السياسية المصرية عموما، والحياة الحزبية وكافة اشكال التنظيمات المستقلة خصوصاً، - الاحزاب، النقابات العمالية والمهنية، منظمات المجتمع المدنى، الاتحادات والتنسيقيات .. الخ -.

الى ان تستطيع القوى الفاعلة فى المجتمع المصرى، من ان تطور من اوضاع قوى المجتمع المستقلة، وعياً وتنظيماً، فان محاولة تغيير السلطة، بطرق غير النضال المدنى، هو قفز الى المجهول / المعلوم، فى ظل ميزان القوى الحادث فى المجتمع المصرى، حتى الان، وبكل وضوح، والذى لا سبيل الى تغييره، الا من خلال نضال مدنى طويل ومضنى، ضد كل القوى الفاشية فى المجتمع والسلطة، يتحقق من خلاله نجاحات فى انتزاع اشكال تنظيمية مستقلة، يتدرج مستوى نموها مع استمرار النضال عبر الزمن، لتتحقق انتصارات حقيقية على الارض، لتغيير ميزان القوى، فى طريق بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة حقيقةً.


ان محاولة التغافل عن قوة الجيش فى اى عملية تغيير للسلطة فى مصر، هو بالاضافة لكونه يتغافل عن اوضح الامور فى مصر منذ اكثر منذ ستة عقود، هو يعنى فى نفس الوقت، انه حتى الان لم يتم استخلاص الخبرات الصحيحة من الاحداث التى تلت "ثورة" 25 يناير 2011، تلك الخبرة التى تقول ان نظام يوليو الممتد، لم ولن يسلم السلطة الى اى قوى لمجرد انها نجحت فى انتخابات هو من خطط واشرف عليها، و"اخرج" نتائجها!، من المفهوم ان ترفض جماعة الاخوان، - علنياً على الاقل -، هذا المفهوم لما تم بعد 25 يناير، وحقيقة توظيف سلطة يوليو الممتدة لهم، للتخلص فى ضربة واحدة مزدوجة، من الاخوان وتداعيات 25 يناير، فى ضربة واحدة،(2) فهذا المفهوم بالنسبة للاخوان يفقدهم اهم اسلحتهم، "الشرعية" اياً كانت الطريقة التى حصلوا بها عليها، واياً كان هدف السلطة من تسهيل حصولهم عليها، انها "الشرعية"، الايقونة التى هم مستعدون لبذل الغالى والنفيس للحفاظ عليها كورقة ضغط تفاوضية رئيسية، جاد عليهم بها الزمن بعد عقود طويلة من الشوق للسلطة!.(3)(4)

كل هذا مفهوم، ولكن من غير المفهوم ان تظل القوى المدنية حتى الان لا تفهم حقيقة ما جرى، بعد 25 يناير، وذلك بعد مرور اكثر من ستة سنوات على ما جرى!


ليس لدى الجنرال من ينافسه حتى 2020 !

"يحلم" بعض "الجنرالات" بمنافسة السيسى فى الانتخابات الرئاسية 2018، هو حلم، ما بين احلام اليقظة، والكابوس، لنراهم يتحركون فى حركة بندولية، خطوة الى الامام وخطوتان للخلف: خطوة الى الامام، متكئة على المعاناة الطاحنة التى يرزخ تحتها غالبية الشعب المصرى، مادياً ومعنوياً، واتساع التكلفة المؤلمة للارهاب فى سيناء، وامتداده للوادى، وخطوتان للخلف، امام الهجوم الكاسح لخطوات "فريق السيسى" الثابتة. فى الداخل: تجاه ما يسمى بـ"الاصلاح الاقتصادى"، والخطوات العنيفة تجاه مناوئى النظام، اياً كانت درجة مناوئتهم!، وشبه الاغلاق التام لمجال العمل "المعارض" العام، وتأميم العمل الاهلى المستقل بدافع الارتياب، وهى الخطوات التى لم يجرؤ احد من قبله على اتخاذها، بهذا القدر من الاتساع والحدة، تلك الخطوات التى تتخذ على اعتبار انها الطريق الوحيد لتحقيق الوعود التى قطعها السيسى على نفسه للشعب المصرى، ورغم التأخر البارز فى تحقيقها، او حتى جزء منها، اوارتفاع نسب الشك فى امكانية تحققها، الا ان ثبات هذه الخطوات وجرئتها يوحى، فى جانب منه، بالثقة، لدى فريق السيسى، - على الاقل -، فى صحة هذا الطريق.(5)


مع حلول 2020 يحل موعد انتخابات مجلس النواب "مطبخ الانتخابات الرئاسية"، ويكون السيسى قد اوشك على استنفاذ المدتين الرئاسيتين وفقاً للدستور، وهما نفس المدتين الذى حددهما المجلس الاعلى للقوات المسلحة لأشتراط موافقته على تغيير وزير الدفاع!، وهو فى نفس الوقت، التوقيت الذى يستحيل فيه ان يطالب السيسى أجل اضافى لاستكمال مشروعاته، بعد يكون قد مر على رئاسته اكثر من الست سنوات التى جرى محاولة الحصول عليها فى الاقتراح المجهض للتعديل الدستورى لمادة مدة الفترة الرئاسية، انه التوقيت الذى عنده سيجد الجنرال من ينافسه، وبقوة.


ان ابناء الشعب الذين يضحوا بحياتهم عندما تتعرض بلادهم للخطر، يستحقون حياة افضل.



سعيد علام
إعلامى وكاتب مستقل
saeid.allam@yahoo.com
http://www.facebook.com/saeid.allam
http://twitter.com/saeidallam


المصادر:

(1) مع استمرار تغييب وضعف القوى المدنية:
"الثورة" القادمة فى مصر بقيادة "اسلامية"!
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=518469
(2) خبرة يناير: بين براءة الثوار، ودهاء النظام العتيق !
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=501507
(3) لم يكن انقلاباً !
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=520904
(4) رسالة مفتوحة للمدافعين عن الشرعية.
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=524219
(5) ليس لدى الجنرال من ينافسه !
http://www.civicegypt.org/?p=72821







التعليقات


1 - منطلق المقاله كذب-كل الرؤساء العسكريين بلا خلفيه م
الدكتور صادق الكحلاوي ( 2017 / 10 / 8 - 06:00 )
كميع الرؤساء العرب الذين صاروا رؤساء ليس لهم خلفيه مدنيه وليس السيسي وحده-اللهم الا ابن الشعب البار الزعيم عبد الكريم قاسم-قائد فورة 14تموز 1958 في العراق فقد كان معلما مدنيا قبل ان يدخل الطلية العسكرية ويتخرج منها ضابطا في الجيش العراقي الباسل -اما عبد الناصر والاسد وغيرهما فكلهم كان عسكريا فقط حتى الشابط السوداني النبيل النزيه سوار الذهب تحياتي

اخر الافلام

.. #تسلا الأمريكية تكشف عن أول شاحنة كهربائية ومجموعة أخرى من -


.. تخوف لبناني قبل اجتماع القاهرة


.. السلطة الفلسطينية تلوح بتعليق اتصالاتها مع واشنطن




.. اجتماع عربي طارئ.. لبنان واليمن وإيران على الطاولة


.. أهالي الغوطة الشرقية يطالبون بتحرك دولي لفك الحصار عنهم