الحوار المتمدن - موبايل



التقديم والفواتح البيضاء في -قصائد مختارة- مريد البرغوثي

رائد الحواري

2017 / 10 / 7
الادب والفن


التقديم والفواتح البيضاء في
"قصائد مختارة"
مريد البرغوثي

من الجميل أن يفتتح الشاعر قصائده ببدايات بيضاء، فالبياض دائما يريحنا ويقدمنا من الفرح، وعندما يستخدم الشاعر/الكاتب الألفاظ البيضاء فأن ذلك يعكس مكنون عقله الباطن، والذي يشير إلى رغبته وميوله نحو الفرح، ونفوره من الواقع/السواد، "مريد البرغوثي" في هذه المختارات يغلب البياض على السواد، حتى أننا بالكاد نجد قصيدة فاتحتها سوداء إذا ما استثنينا قصيدة "قبل الأوان" والتي هيمن فيها وقع الحدث على الشاعر بحيث جعله يستخدم بداية قاتمة، وهي قصيدة شاذة بفاتحتها عن بقية القصائد، لأن هناك موت غير أخلاقي/غير عادل أصاب الشاعر "أمل دنقل" لهذا فقد شاعرنا قدرته على تجاوز الحدث واندمج معه تماما بحيث قدم لنا قصيدة فاتحة ومضمون والألفاظ سوداء، أما بقية القصائد فنجد غالبيتها بيضاء والقليل منها جاء بلون "الرمادي".
ليس من السهل الحديث عن مشهد الموت والقتل الذي يمارسه المحتل بحق اطفالنا، فهو يحمل ألما إضافيا لنا، من هنا نجد العديد من الشعراء الذين تناولوا أحداث الانتفاضة استخدموا الفاظ ولغة وأفكار تحمل الحرقة على الشهداء الذي ارتقوا دفاعا عن الارض والإنسان، لكن "مريد البرغوثي" له لغته والفاظه الخاصة، بحيث نستطيع القول انه من الشعراء الذين استطاعوا أن يكتبوا قصائدهم بخصوصية مميزة، فرغم مشاعية الانتفاضة التي كتب عنها مئات القصائد، إلا أن شاعرنا يقدمها لنا بقصيدة "مشهد يومي" بطريقة استثنائية:
"ناعم هذا النهار الشتوي
بين أصداء على البعد
وإصغاء الرذاذ
حجرة واحدة، شباكها المكسورة شفاف
فلا حاجز بين الغيم في العالي
وأطراف الحصيرة
ويد الطفل، بغمازاتها الخمس
تحط الآن في لين
على الثدي المغطى بالزغب
طالبا رضعته ما بين جوع ونعاس
وبعين الأم فخر احتفالي
وآثار التعب
ووراء النفاذة
استمر المشهد اليومي:
أولاد يعدون المقاليع
وأصوات هتافات ورايات
وعسكر
يطلقون النار في زهو وفوضى
وصبي آخر يهوي شهيدا
فوق أسفلت الطريق" ص7و8.
ما يمز هذا القصيدة فاتحتها البيضاء، الذي يعكس الأمل عند الشاعر، فهو تحرر تماما مع عقم الواقع، ووضع نصب عينيه الأمل بهؤلاء الأطفال الذي يسطرون بحجارتهم أعظم ملاحم العصر، متجاوزين النظام الرسمي العربي وراء ظهورهم.
دائما الشعراء يكمن فيما يقدمونه لنا من شعر الأمل، حتى لو استخدموا الألفاظ السوداء والمضمون القاسي، فهم يقصدون/يريدوننا أن نتجاوز واقعنا إلى ما هو أفضل، لكن أن يتحرر الشاعر تماما من المباشرة السوداء، فهذا عمل خارق، لا يمكن أن يقدم عليه إلا من هو استثنائي، فمشهد الموت قدم لنا وكأنه لعبة يعلب بها الأولاد، فهناك "جنود يطلقون النار في زهو وفوضى" وكأنهم أطفال وليس قتلة، فهل أراد الشاعر بهذا المشهد أن يقدم المفارقة/المساحة بين عقلية الأولاد والجنود؟، أم أنه أريد أن يشير إلى حقهم في اللعب بعيدا عن الموت الذي يطاردهم؟، أعتقد أن الشاعر من خلال استخدمه لألفاظ "ناعم، رذاذ، شفاف، الغيم، لين، بالزغب" أردنا أن نتأكد بأن هناك حالة/واقع مسالم وبريء تماما، يتم الاعتداء عليه بطريقة غير إنسانية، وعندما نقول "غير إنسانية" نؤكد عليها، لأن الشاعر تعمد ـ بوعي أو في العقل الباطن ـ أن لا يلوث عالم الأولاد الجميل بألفاظ قاسة أو مؤلمة لهذا قدم المشهد بهذا الشكل:
" وعسكر
يطلقون النار في زهو وفوضى
وصبي آخر يهوي شهيدا
فوق أسفلت الطريق"
من هنا نقول أن "مريد البرغوثي" قدم قصيدة استثنائية لا يمكن لأحد ان يأتي بمثلها.
ونجد حيادة الألفاظ في قصيدة "لا مشكلة لدي" والتي يتحدث فيها عن واقع المنطقة العربية وما فيه من انكسارات وهزائم وقمع وجوع واضطهاد وتخلف، بطريقة استفزازية، فالشاعر يتحدث عن واقعنا بهذا الشكل:
" أتلمس أحوالي .. لا مشكلة لدي
شكلي مقبول لبعض الفتيات
أبدو بالشعر الأبيض جذابا
نظاراتي متقنة
حرارة جسمي سبع وثلاثون تماما
قميصي مكوي وحذائي لا يؤلمني
لا مشكلة لدي." ص123.
كلام عادي يشير إلى عادية الحياة، ولا يحمل أي ضغينة للواقع أو للقائمين عليه، لكن ماذا سيكون عليه الحال عندما يتعلق الأمر بالشاعر؟:
" كفاي بلا قيد.. ولساني لم يسكت بعد
لم يصدر ضدي حكم حتى الآن
ولم أطرد من عملي
مسموح لي بزيارة من سجنوهم من أهلي
وزيارة بعض مقابرهم في بعض البلدان
لا مشكلة لدي" ص123،
يدخلنا الشاعر إل الواقع العربي بشكل انسيابي، وكأنه لا يريدنا أن ننفر منه عند أول الحديث، لهذا نجده يقدمه على شكل "جرعات" تسهل علينا تقبله/استيعابه، لهذا نجد الألفاظ السوداء والقاسية سبقها حرف النفي: "بلا قيد، لم يسكت، لم يصدر، لم اطرد" فهذه الفاظ مؤلمة لكن الشاعر أراد أن يقدمها لنا مخففة، حتى لا نتأذى منها، فهناك حكمة تقول :الحديث عن الألم ألم في حد ذاته" إن كان للمتحدث أو للمستمع، لهذا يحرص الشاعر على أذن ونفسية مستمعيه/قراءه ويقدم لنا همومه بهذه الشكل المخفف.
"لا يدهشني أن صديقي
أنبت قرنا في رأسه
وأحب براعته في إخفاء الذيل
الواضح تحت ملابسه
وهدوء مخالبه يعجبني
قد يفتك بي، لكني سوف أسامحه
فهو صديقي
وله أن يؤذ1يني أحيانا
لا مشكلة لدي" ص124.
أصعب الضربات هي التي تأتي من الأصدقاء/الأقرباء، لما فيها من قوة وشدة ألم تحدثه فينا، إلا ان الشاعر قدمه لنا بطريقة ساخرة، تحمل شيء من الفكاهة، وكأنه يريد أن يخفف من وقع هذه الخيانة عليه وعلينا معا، لهذا لا يستخدم المباشرة في ما يقدمه من أحداث/حقائق تجرحنا وتؤلمنا كما تجرحه وتؤلمه.
"ما عادت بسمات مذيع التلفزيون
تسبب لي أمراضا
وتعودت على توقيف الكاكيين لألواني
ليلا ونهارا. ولهذا
أحمل أوراقي الشخصية حتى في المسبح
لا مشكلة لدي" ص124.
إذا كان المشهد السابق يتحدث عن همم الشاعر كفرد وعن علاقته المحبطة بصديقه، فهو هنا يتحدث عن مشكله عامة تمس كل فردا منا، فنحن جميعا نمتعض من مشاهدة التلفزيون الرسمي، ونتعرض لمسائلة رجال النظام، حتى بات حمل الأوراق الثبوتة كالحذاء، لا نستطيع الخروج بدونها، ومثل هذا الواقع القاسي كان لا بد من استخدام شيء/طريقة/اسلوب يخفف عنا من وقعه علينا، لهذا نجد الشاعر أنهى المقطع بشكل ساخر:
" أحمل أوراقي الشخصية حتى في المسبح".
"أحلامي ركبت أمس/ قطار الليل
ولم أعرف كيف أودعها
وأتتني أنباء تدهوره في واد
ليس بذي زرع
(ونجا سائقه من بين الركاب جميعا)
فحمدت الله، ولم أبك كثيرا
فلدي كوابيس صغرى
سأطورها إن شاء الله إلى أحلام كبرى
لا مشكلة لدي" ص124و125،
ينقلنا الشاعر من الاسلوب الساخر إلى الفانتازيا، فالواقع لم يعد أن يحتمل، لم يعد قدرة للعقل على استيعابه، فكان لا بد من الرد عليه بذات الطريقة المجنونة، لهذا كان شكل الفانتازيا هو المناسب، وإذا ما توقفنا عن هذا المقطع، نجد الشاعر يحرر أحلامه/الضغط الواقع عليه، ويجعلها مستقلة عنه تماما، وكأنه يريد ان يخفف عنه ذاته أولا، ثم علينا نحن المتلقين/القراء ثانيا.
وينهي الشاعر مقطع الفانتازيا بمشهد يسخر فيه من الواقع:
" فلدي كوابيس صغرى
سأطورها إن شاء الله إلى أحلام كبرى"
يدفعنا الشاعر إلى التوقف عن استخدام الخطاب الإيماني/الديني من خلال قوله "ليس بذي زرع، فحمدت الله، إن شاء الله" فهل جاء هذا الاستخدام فجأة أم أرد به الشاعرـ بوعي أو في العقل الباطن ـ أن يشير بطريقة غير مباشرة إلى أثر الخطاب الديني في ترويض وتأفين المجتمع بهذا الخطاب؟ اعتقد بأنه يريد أن يؤكد على دور الخطاب الديني المستخدم من قبل رجال الدين والنظام الرسمي في ترويضنا.
يكمل الشاعر ما يطرحه الخطاب الديني المتعلق بالحياة الرغيدة بعد الموت فيقول:
"أتلمس أحوالي منذ ولدت إلى اليوم
وفي يأسي اتذكر
أن هناك حياة بعد الموت
ولا مشكلة لدي.
لكني أسال:
يا الله!
أهناك حياة قبل الموت" ص125، هذا تأكيد على أن المقصود هم مستخدمي الخطاب الديني، الذين يوعدوننا بالحياة الرغيدة في الآخرة، لكن الشاعر يدهشنا من خلال سؤاله الأخير، "أهناك حياة قبل الموت" وهذا السؤال يوقع فينا الدهشة، هل من المعقول أن نحيى ضمن هكذا أحوال ونبقى نحلم بحياة أخرى رغيدة يمكن أن لا نكون من أصحبها، فنكون "كمن أسلم في الليل، لا المسلمون قبلوه ولا ظل على دينه" فنخسر الدنيا والآخرة معا.
بهذا التقديم والفواتح البيضاء استطاع "مريد البرغوثي" أن يقدم لنا واقعنا بعيدا عن التشنج والمباشرة، وقدم فكرته بأدوات ولألفاظ وأسلوب لبق، جعلنا نتقبلها وننحاز إلى موقفه مقتنعين ومتفقين معه.
الديوان من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية بالتعاون مع دار الفاروق، نابلس، فلسطين الطبعة الأولى 1996.







اخر الافلام

.. عمرو يوسف وكندة علوش ووفاء عامر وصبا مبارك فى افتتاح مهرجان


.. فساتين مثيرة للنجمات غادة عادل وهنا شيحة وسلاف فواخرجي فى اف


.. إطلالة أنيقة للنجمات مى عمر ودينا وايتن عامر وروجينا فى افت




.. شرح الجزء الثاني من -شباب تسامي للعلا وكهول- في مادة اللغة ا


.. نجوم الفن على السجادة الحمراء فى افتتاح مهرجان القاهرة السين