الحوار المتمدن - موبايل



حكايا من همس الذاكرة -4 - ** يوميات طفل شبه بريء

سليمان الهواري

2017 / 10 / 10
الادب والفن


حكايا من همس الذاكرة -4 -
*****************
يوميات طفل شبه بريء
****************"
كم انتظرنا هذا الصباح ..
يجب ان ننهض باكرا كي نصل الى ملعب " السلاوية " قبل ان يستيقظ اولاد " الفخارين" ويحتلوا الملعب ..
موقع السلاوية بين احياء المدينة العتيقة قرب " الحبول" عند مدخل "الرهيبات " يجعلها الأنسب لمباريات كرة القدم خاصة و انها تقع على وادي " دردورة " الذي يخترق البساتين المحيطة بالمسبح البلدي حيث شلال " العوينة الصافية " الذي يتنافس الجميع على التسلل الى أغواره المظلمة ومياهه الباردة ..كانت "غابة الشباب " تشرف على السلاوية لتجعل منها ملعبا يكون محظوظا من يحجزه الاول للعب .. وغالبا ما يتم الحجز بالقوة والسبق ؛ اذا لم تحدث مشادات وينتهي الامر الى ما هو أفظع .. تكون المناوشات كلامية في البداية لكنها تتطور غالبا الى تراشق بالحجارة .. و هو الامر شبه العادي الذي يشكل قاعدة بسيطة في خريطة يوميات الطفولة ..
لم يكن التنافس هدا الصباح فقط فيمن يربح جولة الكرة ، لكن الاهم هو من سيظفر بالخمسة دراهم التي ساهم بها كل واحد من اللاعبين السبعة رهانا بين الفريقين ..
وككل مرة لم يمهلنا حسن كي نستوعب أشواط اللعب ويندمج الكل في طقوس هذا الشيء الساحر الذي لم يكن مجرد كرة و لعبة فقط ، بل كانت عشقا وملاذا ولوحة إبداع نعيد تشكيلها كل مرة بألوان جديدة .. و كل مرة تهبنا فتحا روحيا كما رقصة صوفية نندمج فيها حد الحلول ..
دقائق معدودة بعد صفارة مصطفى الحكم الذي يتجاوزنا سنا بقليل ، تسلل حسن من الجانب الايسر كما الريح في اتجاه الزاوية ليرفع الكرة بدقة في اتجاه دفاع الخصم حيث " الكوشي " الداهية الذي خلق يساريا في كل شيء .. قدمه اليسرى كنا نسميها " البندقية " لأنه عندما يقرر إطلاق الكرة من قدميه فإنه يصوبها كرصاصة ناذرا ما لا تصيب هدفها .. القدم اليسرى ل"الكوشي" أدهى من عقله وكأنها تمتلك مخيخها الخاص ، حتى انها غالبا ما تغالطنا جميعا وتذهب الى حيث لا أحد منا يخمن ..
" الكوشي" مصيبة حقيقية ، كان خبيرا في إسقاط كل من يقف أمامه قي الغضب ، و في القلق ، و في النرفزة .. كان يهزمه روحيا حتى يحس بالإهانة وهو يقلبه يمينا و شمالا كما يريد .. " الكوشي" ولد بالفطرة لاعبا لكرة القدم ، ولأنه يتيم الأم فتربية " الزنقة " المفروضة مع زوجة الأب ، منحته كل التوابل الضرورية كي يكون منحرفا وقد يصير في سن مبكر مجرما كما كل " فتوات " الحي الذين يراكمون كل يوم إنجازا على سجل أبطال مخالفة القانون ..
لازال " الكوشي" يمارس فعل الترقيص على المدافعين المسكينين كما شيطان ، حين عاد حسن خلفه ليمده بالكرة .. و بسرعة قذيفة يضعها على يسار حارس المرمى الذي ارتمى لمجرد الارتماء بفعل عنصر المفاجأة التي كانت أسرع من بديهته ..
لحظة الدهشة مرت سريعا و حسن يعانق الكوشي بقوة و يرفعه بين يديه بينما نحن نلتف حولهما في فرحة هستيرية .. لم ننتبه أن حارس الفريق الخصم يكاد يصفع الحكم و هو يصرخ في وجهه محتجا عليه بدعوى أن الكرة مرت عالية في غياب شبكة مرمى حقيقية ، وأنه فقط يحابينا من خشية "الكوشي" الذي يسبقه صيته ..
لم ننتظر طويلا حتى انطلق الشجار و علا السب و القذف ، وكان طبيعيا ان نقف مع قرار المصطفى ليتحول ملعب " السلاوية" الى ساحة معركة وكل وسائل الحرب متوفرة من أفران الزليج التقليدية الموجودة هنا على أطراف " الفخارين " .. كنا نتراشق بالحجر و قطع الزليج و الآجور الأحمر .. لا يهم من سينتصر و من سينهزم .. كان علينا ان نعتلي الربى الصغيرة التي تتوسط العقبة المطلة على " السلاوية" و نشرع في الرجم الذي قد يستمر لساعة و قد يتحول الى قذف السيارات التي تعبر الطريق القريب من المكان ، قبل ان يتجاوز أحدنا و يصوب على بيوت " المخازنية" القريبة ، لتبدأ جولة الهروب في كل الاتجاهات . نقوم بعدها بإحصاء الخسائر و نحن نقترب من المدرسة .. كل واحد منا يتسلم من " الكوشي" مساهمته التي أخذها من الحكم في عز المعركة .
الصباح في بداياته والحرارة ترتفع في السماء ، و لاشيء محدد يؤثث مسافة النهار الطويلة ..
" من منكم ينزل معنا الى "الكلتة" ؟"
من غيره ؟ .. " الكوشي" سيقود عصابة السباحة حتى الظهيرة ؟
لم نستغرق وقتا طويلا حتى انسحب البعض بينما نحن سلكنا الطريق الخلفي للمدرسة الذي يقود الى فيلات المنظر الجميل .. ومنها مباشرة الى الحقول المحصودة عند " الحارة " .. ننزل منحدرات صعبة تشرف على معمل الآجور الوحيد الموجود في المدينة ، و جنبه مباشرة توجد " الكلتة" أو مسبح الشعب كما كنا نسميها لأن أغلبنا لم يكن يملك ثمن الدخول الى المسبح البلدي على هزالته ..
بركة الماء تمتد أمامنا على مسافة ثلاثين متر في كل الاتجاهات و ماؤها الأخضر يغري بالارتماء ..
كنا ننزع ملابسنا و نحن نقترب ، نكومها في مكان قريب و نداوم على حراستها بالتناوب مخافة تعرضها للسرقة كما يحدث في كل مرة ..
عشق الماء لا يقاوم فكيف و حرارة الصيف تلفح الجلود فوق اربعين درجة ..
الفرحة التي تغمر وجوه الاطفال و هم يقفزون الى الماء لا يمكن وصفها ..
لا أعرف من دفعني من الخلف و أنا أرتمي وسط البركة ، هوت أقدامي نحو الأسفل والماء يتجاوز صدري .. كان شبه مستحيل أن أنزع قدماي من الوحل الطيني الذي يغطي أرضية " الكلتة" .. لم أعرف الا متأخرا أنها ليست بحيرة طبيعية كما كنا نعتقد و لكنها مجرد حفرة كبيرة توسعت مع الزمن تحت مفاعيل معمل الآجور المجاور .. كل يوم كان العمال يحفرون في هذه الصخور أكثر ، ينقلون الطين عبر حاويات صغيرة داخل المعمل لتتكفل أفران النار بتحويله الى آجور أحمر بدأ يغزو بنايات المدينة .. كل يوم كانت حفرة الطين تكبر حتى صارت بحيرة تملأها مياه الامطار .. كنا نقطعها جيئة و ذهابا مستعينين ببراميل زيت صغيرة نحكم إغلاقها فارغة و نضعها تحت صدورنا و نحن نشاغب وسط هذا الماء النتن ..
بصعوبة فككت رجلاي من الطين و رجعت الى حافة البركة ثم جلست على الارض أتنهد من التعب و صورة "صابر " تلاحقني ..
" صابر" كان زميلي في القسم منذ ولجنا صف "التحضيري" .. تذكرت كيف تصير الشجاعة و التهور رديفين للموت !!
الله يرحمك يا صابر ..
صابر ابن المعلمة حليمة التي كانت تدرسنا في القسم الثالث ، كانوا يسكنون في الطابق السفلي لفيلا بالمنظر الجميل و كانت حكاياتنا كل يوم تغويه أكثر حتى صار واحدا منا لا يفارقنا رغم ان أمه تمنعه من مرافقتنا ، كانت تعرف أن جنوننا سيستلبه و هوسنا باللعب سيعديه و قد تفقد السيطرة على ولدها صابر ..
في ظهيرة صيف مضى ، خرج صابر من بيتهم و لم يعد .. لقد ابتلعته " الصراطة" التي تسكن قلب " الكلتة" .. انه التيار الذي يشبه البالوعة ، يحتل وسط البركة ولا نعرف كيف يغضب بين الحين و الآخر و يسرق منا أحد الاطفال ، يدخله في أحشائه كما قربان نقدمه باسم بؤس ابناء المقهورين لعل إله الحزن و الفقر يديم نعمته على الاغنياء الذين نجانا من لعنة ثرواتهم و بحبوحة عيشهم .. كنت ارى " الكلتة" أجمل من كل شواطئ العالم .. و لو تخطف منا كل يوم طفلا لن يمنعنا هذا من معاودة السباحة هنا و كأن شيئا لم يقع .. كان الخيار اكبر منا .. و كنا نستمتع حقا في هذا الماء الاخضر و الضفادع تتطاير حولنا .. كانت هنا اسماك لا أعرف اي قدر أحمق قادها الى هذا المصير الاسود ،كنت دائما اقارنها في ذهني باطفال الشوارع رغم اني لا اجد علاقة مباشىرة بين أطفال يأكل مناخيرهم سائل " السيليسيون" المخدر و سمكة تتسكع وسط بركة نتنة كما لو أنها تعاني من نوبات امراة مغتصبة ولا احد يهتم باصطيادها ..
كنا نسبح و نلعب بلا نهاية حتى يتوسط النهار ، و يقترب بعض الرعاة مع أغنامهم من المكان ..
كنا نضع ملابسنا على أكتافنا و نحن نصعد الجهة المقابلة للمعمل في اتجاه " الجنانات" و العرسات التي تغطي كل الأفق الممتد حتى جبال مولاي ادريس زرهون .. والبداية من البئر التي تم حفرها مؤخرا على جنب الطريق حيث نستحم في حصة التنظيف الاجبارية بعد " الكلتة" رغم مائه المصقع .. هناك غالبا ما كنا نجد نساء الحي تغسلن فراش بيوتهن ، و كان على بعضنا مساعدتهن في نقل أثقالهن .. لم نكن نجرأ ان نرفع أعيننا فيهن .. كن جميعهن فيهن شيء من أمهاتنا .. بعد الحمام البارد تحس و كأنك شربت طاقة جديدة من الأرض يستحيل معها ان تتذكر زجاج البيوت الذي قد تكون كسرته بعد غزوة "السلاوية" .. الوجهة الآن واضحة و علينا ان نتسلل بين " الزروب" في اتجاه سكة القطار حيت شجر " التغزاز" ..
" التغزاز" فاكهة صغيرة تشبه النبق ، كنا نقطع مسافات طويلة كي نصل الى اشجاره التي نستمتع بظلالها الوارفة لكن ما يهمنا فيها لم يكن طيب الفاكهة و لذتها و انما نواتها الصغيرة التي كنا نجمع منها كميات كبيرة نستعملها كسهام و قذائف صغيرة نرميها من خلال جعبات قصبية تصلح لتجميع كبات الحرير عند الخياط التقليدي .. كنا نتراشق ب" التغزاز" في البيوت و نتخذها لعبة في من سيظفر باصابة هدف نحدده و نتنافس حول من يصيبه أكثر .. و كان منا من يناوش به في فصول الدراسة قصد تكسير رتابة الاجتهاد .. تكون المتعة كبيرة وألف حكاية تدور في القسم والمعلم المسكين يصرخ وحده امام السبورة دون ان يدري بشيء ..
لا يمكن ان تمر وسط " الجنانات" ولا تتسلل داخلها عبر الثقوب التي صنعناها مع الايام كي نتذوق فاكهة الوقت .. انه فصل التين الذي بدأ ينضج والكروم المتناثرة هنا و هناك لا تقاوم .. كان علينا ان نأكل بسرعة ما أمكن و وضع الباقي داخل الجيوب ، كنا نرى ان هذا ابسط حقوقنا الطبيعية .. عيوننا مشرئبة في كل اتجاه لأن عصا الحراس هنا لا ترحم و قد تتكسر قدماك و انت تحاول الهروب لكنك تسقط مباشرة في الهاوية ..
ضريح سيدي احمد بن قاسم وسط هذه الخلجان تهاوت جدرانه و لم يعد يظهر منه الا قبر صغير تغطيه الأزبال و قنينات الخمر .. هذا "الولي الصالح" كان متخصصا في شفاء أمراض " العواية" و امراض الحنجرة .. أتذكر كيف كانت جدتي "رحمة" تأخذنا مع جاراتها الى هذا " السيد" و هن تحملن شمعات تضئنها عند جنباته و مكنسات من الدوم تعطينها "مقدم" الضريح و بعض ريالات .. كان عليه ان يقرأ على رؤوسنا بعض آيات من القرآن الكريم ثم يستعمل قصبة صغيرة تشبه ريشة الكتابة يمرغها في تراب القبر قبل ان يمررها على أعناقنا واحدا واحدا و هو يتمتم ، لعل الحمى التي تأكل أجسادنا تخف ..
كان يجب ان نشفى و لا خيار لنا غير ذلك ..
تجاوزنا سيدي احمد بن قاسم و نحن نتسابق في اتجاه شجر " التغزاز" الذي تغطي أغصانه اعشاش طائر البقر ..
لم نكن محظوظين هذا اليوم و لم نتذوق أية حبة "تغزاز" فالمكان غاص بالناس و شيء ما حدث على سكة الحديد ..
إنهم أولاد حينا ، و شخص ما ممدد على الارض تغطيه جلابة بيضاء ..
إنه " عادل" الذي يقترب من العشرين سنة ، كان وصديق له يحاولان سرقة الاسلاك الكهربائية من داخل سكة الحديد ، فصعقه الكهرباء العالي التوتر .. هو الآن مجرد جسم مفحم ..
لا احد منا يجرأ على الاقتراب منه و هم يحملونه داخل سيارة الاسعاف التي وصلت بعد ساعات من وقوع الحادثة ..
كان علينا ان نعود الى البيوت بأسرع ما يمكن و الشمس تقترب من المغيب .. لاشك ان لائحة الحساب ستكون طويلة هذا المساء ، و خبر عادل سبقنا اليهم .. تمنيت لو ان عادل مات حقا و لم يبق على قيد الاعاقة و هامش الحياة .. لكنه لم يمت مع الأسف ..
" الله يدير شي تاويل د الخير هاذ الليلة "
كان هذا كل ما اطلبه و أنا أسمع خطوات أمي تقترب من الباب ..
"" جيتي .. جيتي .. واخا عليك !!! "
*** سليمان الهواري / حكايا من همس الذاكرة ***







اخر الافلام

.. أفلام سينمائية سعودية في مهرجان دبي السينمائي


.. كواليس واسرار مهرجان دبي السينمائي


.. بيلسان.. من ملجأ إلى مشغل لتدريب الأطفال على التمثيل والرقص




.. دور السينما تعود للسعودية اعتبارا من مطلع العام


.. -البنفسجة- يفوز بجائزة أفضل فيلم عراقي في مهرجان السماوة الس