الحوار المتمدن - موبايل



أوراق في فلسفة الفيزياء الحلقة الثانية

مؤيد الحسيني العابد

2017 / 10 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أوراق في فلسفة الفيزياء
الحلقة الثانية
يعتبر العالم الدقيق (الميكروسكوبي) عالماً مهما كونه يمثّل نموذجا جيدا وقريبا يمكن ان نستطلع عالمنا الاكبر (الماكروسكوبي) من خلاله (هكذا!). لكن الطريف في الامر انّ الكثير من الباحثين ينطلقون من البعيد (الماكروسكوبي) الى القريب (الميكروسكوبي) ومنهم من يتحرّك في العمل من القريب الى البعيد! من هذا العالم الى العالم الآخر. وهذا لعمري من اطرف واجمل عمل في الوصول الى نتائج جميلة ودقيقة وفي زمن أسرع! أي أنّ الانطلاق هذا من الإتجاهين (إن عبّرنا عن مثل هذه الحركة بالحركة الاتّجاهية! وأخذنا إتّجاه الحركة كعامل أهم في الدراسة).
إنّ العامل الذي يلعب الدور المهم في قياسات الحركة والتغيرات التي تحصل للمادة هو الزمن! فلا يمكن أن ندرك التغيّر مالم نفهم علاقته بالزمنّ. وسنرى!
إنّ أفكارنا الحالية حول حركة الأجسام تعود الى غاليليو ونيوتن. قبل أن يعتقد الناس أنّ أرسطو قال (أنّ الحالة الطبيعية للجسم هي حالة السكون وما عدا ذلك فهو مدفوع بقوّة أو دفع ما لتتغيّر حالته السكونيّة أي الإعتياديّة)(1)
نبتديء من مفهوم الزمن، للوصول الى الجواب المتعلق به. لنعرّج قليلاً على هذا المفهوم الحسّاس الذي يتعلّق بالمادة ووجودها.
قبل، أثناء، بعد.....
لقد أثارت الأبحاث العلميّة الحديثة الكثير من الشجون عند علماء الفيزياء والرياضيات بشكل واضح وملموس، منذ بدايات القرن العشرين الى الان بل وصل الامر الى التقريب الواضح بين العلم والنظريات العلمية من جهة والدين من جهة أخرى، بل سمّها النظرية الدينية التي تعتمد بشكل مباشر على تفسير كلّ الظواهر التي تحصل لتُحِيلها الى الخالق الواحد والى مدبّر الكون بالإضافة الى التركيز على محدودية قدرة الاستيعاب عند الانسان في فهم كلّ مكنونات الكون بالرغم من إعطاء الامكانيات لهذا الانسان الى السعي الى فهم ما يدور حوله من قريب ومن بعيد. والتركيز على مساعدته في بلوغ ما يريد من خلال إرسال الوسائل الخالصة والدقيقة والمسدّدة لمساعدته في إدراك الفهم الكامل، هذه الوسائل متعددة منها، الانبياء والرسل وغير ذلك من الوسائل (!) (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان‏) سورة ‏ الرحمن‏: الآية 33‏
(ليس من الغريب الربط بين النظرية العلمية والدينية اذا ما عرفنا مثلاً ان من اقترح الصورة الجديدة للكون وتطوره الفيزيائي ليس ذا علاقة بالكون ولا بالرصد الفلكي بل كانت له مساهماته الدينية حيث كان من القساوسة وهو المعروف بلوماتر
Lemaitre
هذا القس الذي كان طموحه ان يكون عالما طبيعيا فصار عالما(!) لاهوتياً! وقد اقترح من خلال النظرتين صورة لهذا الكون! وقد إشتهر بقوله (ليس هناك تعارض بين العلم والدين). ولو عرفنا عمله العظيم لزال عنّا كل إندهاش! حيث قام هذا القس (العالم!) بجولات عديدة لنشر آرائه في هذا الاتجاه من خلال التطرّق الى ظاهرة الانزياح نحو الاحمر والتي قام بها كل من هابل وسلايفر قبل ان يضع الاول قانونه الشهير وقبل تقديم نظرية توسّع الكون من خلال دراسة الانزياح المذكور. وقد أشار لوماتر الى قضية مهمة من خلال الولوج ما بين العلم واللاهوت! الى ان الكون بدأ كنقطة متناهية في الحجم، لانهائية الكثافة والحرارة وقد أشار الى معنى رياضي لهذا المفهوم بقوله ان للكون حدّا بالمعنى الرياضي (حينما كان نقطة!)، وقد أشار الى ان لا زمن قبل هذا الحدث والفضاء فيه لا نهائي الانحناء، كل ذلك عبّر من خلاله عن كون بصورته البدائيّة! (في البداية حدث إنفجار نوويّ ذو جمال لا يتصوّر.. وكان الانفجار الذي أدى الى ملء السماوات بدخان. واليوم نقف متأخرين فلا يسعنا إلاّ تصور روعة ذلك الخلق والميلاد) هذا ما قاله لوماتر أمام أنشتاين عام 1933! فتصوّر وتأمّل! ليأتي العالم الروسي غاموف ليضع هذه التصورات بنظرية مهمة بعد تطويرها وخرج من خلالها بنتائج وتنبؤات خلال عقد الاربعينيات من القرن الماضي. (سنشير الى هذه المواضيع تباعا!).
لقد تطوّر العلم بدرجة كبيرة منذ القرن العشرين الى قرننا الحالي حتى بات الباحث لا يلحق بفكرته ما يحصل بشكل متسارع لهذه الاحداث والوقائع العلمية الملحوظة! ومن هذه الأبحاث التي باتت الشغل الشاغل للعلماء هي كيفيّة مجيء الكون الى حيز الوجود! مع التأكيد على أنّ الكون كان لا نهائيّاً، خلق من العدم وسيستمر اليه اي الى الابدية! حيث الزمن المفتوح! وقد وضعت له مسميات منها الكون الساكن او الكون بلا بداية ولانهاية.
والكون عبارة عن مجاميع من المواد الثابتة والساكنة (إفتراضاً) أو غير المتغيّرة وهذا ما شكّل في حقيقته قاعدة فلسفيّة ثابتة هي القاعدة الماديّة في فهم هذا الكون، وبالتالي ترفض هذه القاعدة وجود خالق لهذا الكون. على أية حال، ونتيجة للأبحاث المتعددة في المجالات العلمية والفلسفية ومن خلال التقنية المتقدمة والمتطورة باتت هذه النظريّة (نظريّة الكون الساكن) قريبة الى الاجتثاث، إن لم نقل قد إجتثّت بالفعل. حيث أثبت العلماء في حقول الفيزياء الكميّة وفيزياء الفلك بالاضافة الى إستخدام الاساليب المتطورة في محاكات الحاسوب وتطور الذهنيّة الانسانية في مجالات أخرى أثبت كلّ ذلك أنّ لهذا الكون بداية وأنّه بالفعل قد حصل له حدث ما، أوْلدَ هذا الكون وقد أطلق عليه العلماء نظرية أسموها بنظرية الانفجار العظيم أو الكبير، (للطرافة أنّ أوّل من ذكر كلمة الانفجار العظيم هو هويل ساخرا من فكرة لوماتر حيث كان من الذين لا يؤمنون بفكرة الخلق بشكل تام!) حصل هذا الانفجار في فترة زمنية ثمّ تلت هذا الإنفجار فترة بين عشرة للقوة 43 بالسالب الى عشرة للقوة 36 بالسالب ثانية، أي:
10^-36 - 10^-43
حيث يشير خط الزمن لوصف الانفجار العظيم الى تأريخ الكون وفقا للنظرية العلمية المذكورة في نشوء الكون وخروجه الى حيز الوجود بإستخدام بارامتر الزمن الكونيّ للإحداثيات الكونيّة في اللحظة التي يعتقد أنّ الكون قد بدأ بالتوسّع بسرعة من كثافة عالية للغاية، ومن هذا الإنفجار المسمّى بالإنفجار العظيم.
وبذلك يمكن أن يقال أنّ الكون يمرّ بعمليات من الحركات المتعددة والتوسّع وهذه الإكتشافات هي في حقيقة الامر المسامير الاخيرة في نعش نظريّة الكون الساكن! وكلّ الحقائق التي أشار لها العلم الحديث باتت في حكم البديهيّة (على الاقل في الزمن الحالي زمن التقدم العلميّ الهائل!). وقد قيل أنّ غاليليو أثبت أن اعتقاد أرسطو كان غير صحيح من خلال إسقاط الأوزان من برج بيزا المائل، ولو لم يتمّ التحقّق من ذلك حول عمليّة الاسقاط!
أريد أن أوضّح بعض النقاط المهمّة:
1) حينما نتحدث عن أي جانب من الجوانب الحياتية المعاشة أو الفكرية المختزنة، وجب علينا وضع المعيار الذي يمكن لنا أن نسير عليه آخذين بالإعتبار بعد الزمن الذي يسعى فيه الانسان الى التطور والرقي. هذا المعيار هو الثابت الشخصي وفق التصور الوقتي المشار اليه. لذلك وجزء من اخلاق الذات الحقّة ان تلتزم بما ألزمت به نفسها. وجزء من ذلك هو السير الحثيث لتحقيق الهدف الاسمى. وهذا لعمري إتجاه اخلاقي رفيع قد اكدته السماء وقوانين الطبيعة الطاهرة.
2) لقد أوضح أرسطو أنّ الحالة الطبيعيّة لجسم ما في حالة سكون ولا يتحرّك إلاّ إذا أثّرت عليه قوّة ما أو دفع ما (كما أشرت). وقد قال الفيلسوف ان الجسم الثقيل يسقط اسرع من الجسم الخفيف بسبب كونه اثقل من الآخر! بسبب قوة السحب التي تسلطه الارض بما يعرف بالجاذبية حيث تسلط قوة اكبر على الثقيل من الجسم الخفيف فتكون حركته باتجاه الارض (مركزها)! (هذا ما قاله هو لا نحن!)
يشمل ما نشير اليه الجانب المعرفي أو المعرفة عموماً. فالمعرفة يمكن تعريفها بالشكل: هي الإدراك او الوعي او فهم الحقيقة المطلقة وفهم الحقائق المحيطة وحينما تشمل المعرفة عموميات في المسمّى نقول بأهمية ادخال التجربة كطريق من طرق الوصول للمعرفة، لكنّ الاهم هو ادراك الاشياء والسير في طريق النفس الى عليين. وقد عرف الفلاسفة واهل اللغة والعلم، المعرفة بعدّة صور او تعريفات منها:
بالانكليزية هي
knowledge
وتعني بالروسية
Знания
بالايطاليةConoscenza
وبالسويدية مثلاً:
Kunskap
وادراجي لهذه المعاني ليس من قبيل العبثية انما اريد ان اشير الى نقطة مهمة كما اتصورها، هي ان المعاني المذكورة من لغات قد ألِفْتُ موسيقاها، وصوتَها وصورتَها وليس بالضرورة معرفتها الكاملة! اقول ان المعاني هذه قد اشارت الى صوت كونيّ عجيب فيها. فالسويدية: تعني كوناً(الكاف والواو والنون) والانكليزية: كنو...(الكاف والنون والواو) والايطالية كونو(الكاف والواو والنون والواو) اما الروسية فهي قريبة من المعنى اذا ما قلنا من معنى آخر هو:
Вселенная
وكلمة
Bce
تعني كل شيء او نحو ذلك
وهنا العمومية والكونية والكلية، كلها تصبّ في قناة المعرفة التي يمكن القول: هي العمومية في الفهم والكونية في الادراك والكلية في التأمل للوصول الى الحقيقة.
فمعرفة الشيء لا تكتمل الا بتصور بدايته في الشكل والمضمون ونحو ذلك. والوسيلة المثلى للوصول الى ادراك ما يمكن ادراكه في الصعود الى الهدف المطلوب.
ربّما تسأل ماذا؟ وما؟ وكيف؟ أقول:
هنا جزء من حقيقة المعرفة هي فهم بداية الكون كما اشرنا في اكثر من مقال سابق. والبداية عند علماء الفيزياء فيها اشكال كبير حيث لم يحددوا مثلاً صفات او مواصفات الجسيم الاول كي يمكن رسم صورته في الذهن، هل هذا الجسيم كروي، اهليليجي، مضلّع ام احداثياته غير تلك التي نعرفها! وهل هذا الجسيم ممتد شكله نحو الزمن، اي لا يتغيّر ام هو قابل للتغيّر، هل يخضع لقوانين الفيزياء من تأثير القوى عليه أم لا؟ واذا كان الزمن عاملاً في تغييره هل ستتغيّر صفاته او مواصفاته؟
لقد اعتقد الفيزيائيون ببساطة تكوين الجسيم الاول لكن التجربة الاخيرة اثبتت تعقيده.
عندما نقول بالكونية والشمولية والاحاطة ينبغي لنا ان ندرك ان المعرفة بهذا الجسيم، معرفة قابلة للتغيّر حيث لا مواصفات للجسيم كي نحدّد البداية والوسيلة والهدف.
ان الجانب الذي يعنيني هنا هو الاتجاه الاخلاقي السلوكي، الصدق والامانة عنصران يدخلان في صلب البحث المعرفي هنا وعنصران لبلوغ الحقيقة المطلقة(كل الاديان يثبت على جوانب حساسة منها جانب الصدق وجانب الامانة).
لقد حدّد الفيزيائيون صيغاً عن جسيم البروتون والنيوترون وهما ناتج من نواتج الجسيم الاول، حيث اشاروا الى ان هذه الجسيمات عبارة عن تركيبات أو بنى ذات كتلة ولبّ أو قلب كثيف في الوسط اما محيطها فهي اقل كثافة من القلب(إنتبه لجسم الارض الذي تنعكس فيه الكثافتان!). إذن اذا اردنا ان نتحدث عن معرفة بروتونية أو نيوترونية سنصل لا محالة الى نتائج جميلة لها صوت عذب يريح النفس كأنّه سمفونيّة من سمفونيّات باخ أو فيفالدي في فصوله الأربعة أو بتهوفن في موسيقاه العذبة.
الآن لنعود الى معنى الزمن وتفاصيله!
سؤال ربما يطرح جزافا هل يحصل للجسيم تغيّر ما بمرور الزمن؟ وإن كان نعم فهل يغيّر من كينونته ووجوده شيء؟ والسؤال الاخر هل التغيّر هو تغيّر في ذات الجسيم ام هو ادراك في التغيير الجسيميّ؟
لنفهم معنى الزمن في الإطار الذي نقصده:
هناك صورتان متناقضتان لطبيعة الزمن، لكنّنا نقسّم الزمن الى ثلاثة أقسام هي: الزمن الماضي والزمن الحاضر وزمن المستقبل. والشيء الذي نشير به الى الزمن هو التعبير القواعدي أو التركيب القواعدي الذي يشكّل الاساس حول الفرق الاساس لمفاهيم الزمن. وفي الحقيقة أنّ الزمن الماضي ليس من الصعوبة فهمه بإعتباره قد طوي مع مرائيه ومعايشاته عموماً أي هو ما إرتبط بك وبالاخر الذي مضى معه. ويمكن أن نعبّر عنه بإصطلاح:
Eternalism
أي الشيء في الوجود الذي مضى أو هو ذلك الذي ودّعناه وإنزلقت حدوده في الوجود السابق. لكنّ المشكلة تكمن في فهم المستقبل فإنّه غامض مازالت تفاصيله عديمة الشكل. وكلمة الآن في الوعي الانساني هي الرقي والسموعلى طريق الصعود بثبات. والاحداث المتدفّقة الى الحاضر ستكون في الماضي بعد برهة. أي أنّ المستقبل بالنسبة لنا عديم الشكل إلاّ أنّ الحاضر والماضي لهما شكلان واضحان يمكن وصفهما بسهولة في الوعي الانساني يكمنان ويبرزان في أيّ وقت من الاوقات (حسب الطلب!). المستقبل تدفّق عديم الشكل، عديم المفهوم.
لقد إرتبط مفهوم الزمن بالكون وتكوينه وتمدده وتغيّره إلى الأشكال المتعددة والتي تتغيّر تبعاً لتكوين ما ينشأ ويخلق فيه(كما يقول أنشتاين في نظريّته النسبيّة العامة). حيث يرى الفيزيائيون إلى أنّ الزمن (بحكم إرتباطه بالكون) وكأنّه يتمدد إلى الخارج أي أنّه يتحرّك بإتّجاه بعيد عنّا. إذن يمكن لنا أن نعتقد أنّ تصوراتنا عن الزمن وبالتالي عن الجسيم ستتغيّر حتماً!
لم يتطرّق العلماء والفلاسفة الى مفهوم مطلق للزمن حيث لا مطلقيّة في المفهوم إنّما في التعامل معه يمكن القول هناك مطلقية أوجدها أنشتاين والتي سببت لغيره من العلماء الأرق المستمرّ! وستعرف كيف؟!
لقد كانت ومازالت الفيزياء العلم الوحيد الذي يبحث عن معنى الزمن رياضيا وفيزيائيا وبشكل مقبول في الاطار العلمي. ولكن ليس بمعزل عن المكان أو الفضاء كما أشرنا! لكنّ الفلسفة لعبت الدور الاكبر لشرح معنى الزمن (ان كان له معنى!) بذاته وقد أشارت الدراسات التأريخية لهذا. وسنأتي عليه في حلقة قادمة!
يتبع الى الحلقة الثالثة!
مؤيد العابد
Moayad Al-Abed







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | الخارجية الأمريكية: جولة لتيلرسون تشمل #السعو


.. أخبار خاصة | طفلة أردنية تستطيع الطيران على جهاز المشي متحدي


.. قريبا على فرانس24- تركمانستان : الدكتاتور وألعابه




.. حكومة إقليم كردستان ترحب بدعوة العبادي للحوار


.. هذا الصباح- التجارة الرقمية بمؤتمر -عرب نت- بالكويت