الحوار المتمدن - موبايل



الفكرة الحضارية عند حسن حنفي( 3-3)

ميثم الجنابي

2017 / 10 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


البديل الحضاري الإسلامي
لقد توصلت في المقال السابق، عن ان أحكام حسن حنفي عما يدعوه "بالدورة المكتملة لحضارة للغرب الأوربي" ومسارها صوب "السقوط والانتهاء" لا تخرج عما أسميته بأوهام الأحلام التي ميزت بعض أمزجة التأمل الفلسفي منذ القدم. فهو يتكلم عما يدعوه "باكتمال الوعي الأوربي في دورته الثالثة في العصر الحديث". ويتطابق هذا "الاكتمال" عنده في "الكوجيتو من ديكارت إلى هوسرل". وما قبل ذلك "اكتمل" أولا في "عصر آباء الكنيسة" وثانيا في "العصر المدرسي" (السكولائي). وهي مراحل ودورات ومقارنات لا تصمد أمام النقد التاريخي والفلسفي. وفي أفضل الأحوال هي مجرد صيغة متعارف عليها في الكتب المدرسية، اي لتدريس نوعية المرجعيات المتحكمة في تطور المناهج والعلوم والرؤية العملية. بينما تاريخ "الوعي الأوربي" أكثر تعقيدا من أن يجري حصره ضمن هذه الصيغة المدرسية المبسطة. وعموما يمكن القبول بها ضمن الكتب المدرسية العادية لتدريس تاريخ الفلسفة "الأوربية"، في حال إدماج تاريخ آباء الكنيسة ضمنها، مع أنها من طراز وثقافة أخرى من حيث أصولها وجذورها ورجالها ومفاهيمها. وفيما لو جرى إهمال هذا الفعل (اكتمل) الهلامي المعنى، فانه فيما يبدو يتطابق مع ما استنتجه بهذا الصدد عما اسماه بتجربة الوعي الأوربي لكل شيء. بمعنى أن "الوعي الأوربي جرب كل شيء"، بحيث أدى ذلك به إلى "ضياع بؤرة التركيز". ومن ثم "أصبح غير قادر على توجيه نفسه نحو مركز يمكن من خلاله إبداع المذاهب والاتجاهات". وهي عبارة ليست دقيقة من حيث الصيغة والمعنى. كما أنها لا تتفق مع تحديد حسن حنفي نفسه للحضارة الأوربية بوصفها "حضارة طردية". ففيما لو قبلنا بهذا الوصف، فان الحضارة الأوربية لا تسير هنا صوب الزوال والموت بل تستجيب لما فيها. بمعنى استجابتها لمضمونها الغائي! وعموما أن "تجريب كل شيء" أمر مستحيل بأي معنى جرى فهم التجريب والاستحالة. فللتجارب الثقافية حدودها الخاصة. وان حدود "التجربة الأوربية" لم تؤد، كما يقول حسن حنفي، إلى انعدام القدرة على "إبداع المذاهب والاتجاهات"، والغوص في "الرفض والعدمية" وما شابه ذلك من أحكام انطباعية سطحية ومزيفة تطرب لها النفسية الإسلامية اللاهوتية، التي لا تدرك أن الأفكار يجري إنتاجها بأشكال مختلفة. والمذاهب ليست بالضرورة أبدية الإبداع. فتاريخ الفلسفة وما يدعو هو إليه من إعادة إنتاج "علم أصول الدين" يتناقض مع هذه الفكرة. لكن الشيء الأكثر جوهرية، هو أن مسار الفكر الفلسفي بمختلف ميادينه ومستوياته تتغير وتتبدل فيه الأولية والأهمية بالارتباط مع انتقال الوعي الثقافي من مرحلة إلى أخرى. فالأفكار الفلسفية و"إبداع المذاهب والاتجاهات" هي الصفة الأكثر تمييزا وقوة زمن الدخول إلى مرحلة الوعي الديني السياسي والخروج منها إلى مرحلة الوعي السياسي الاقتصادي، وما بعده إلى العلمي التكنولوجي. ففي مرحلة الخروج "تموت" و"تندثر" قيم اللاهوت التقليدي، ويتحول الوجود الإنساني إلى محور وجوهر كل شيء بالنسبة للفكر من اجل الارتقاء لاحقا إلى الطبيعة والكون بمعايير الرؤية العلمية. بمعنى الخروج من ميتافيزيقا الفكرة الدينية إلى إشكاليات الميتافيزيقيا الكونية ولكن بمعايير التجارب العلمية والعملية الإنسانية الخالصة، كما تتحول على سبيل المثال قضايا الحياة والموت الجوهرية للوجود البشري إلى قضايا المعنى. الأمر الذي يؤدي إلى انتقال الوعي الفلسفي من حيث طاقته التاريخية صوب العلوم التطبيقية. وهذه فلسفة جديدة أو أنها تحتوي على مقدمات "مذاهب وتيارات" متجددة على الدوام.
وضمن هذا السياق أيضا يمكن النظر إلى تحديده العام عن أن الحضارة الأوربية هي حضارة طردية وان الإسلامية نقيض لها بوصفها حضارة مركزية، فانه تحديد مفتعل، لا علاقة له بالواقع والتاريخ وحقيقة الثقافة ومرجعيات "الحضارة الغربية" والإسلامية. فقد عرفت القارة الأوربية حضارات مختلفة في العالم القديم، وبالأخص اليونانية والرومانية. وكلاهما ليست "أوربيتان" أو "غربيتان". ولكل منهما مركزيته الخاصة ومرجعياته الفلسفية والعقائدية الكبرى. وإذا كان بالإمكان الحديث عن "حضارة أوربية" موحدة نسبيا فهي "الحضارة النصرانية القروسطية"، وكذلك الحضارة الأوربية الحديثة، التي أخذت ملامحها بالتبلور منذ القرن الثامن عشر- التاسع عشر وحتى الآن، بأثر الانقلاب البنيوي الهائل الذي رافق انتقال الوعي الثقافي الأوربي من المرحلة الدينية اللاهوتية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. من هنا تباين واختلاف فاعلية "مركزيتها الثقافية" ومن ثم مركزيتها الحضارية. إذ لا معنى للحديث عن طابع طردي جوهري في الحضارة الأوربية والتمسك بفكرة "المركزية الأوربية". فالأخيرة هي الذروة الضرورية لكل تطور ثقافي وحضاري كبير. ومن ثم لا معنى للحديث عن خصوصية إسلامية في الحضارة يجري إرجاعها إلى "مركزية" ما. وذلك لان كل حضارة هي مركزية بالضرورة، بمعنى أنها تدور حول نفسها وحول مرجعياتها التاريخية الثقافية الكبرى.
إن عدم إدراك هذه الفكرة المنهجية يؤدي بالضرورة إلى أحكام تاريخية وسياسية لا يمكنها العمل على بلورة وعي ذاتي سليم فيما يتعلق بالحاضر والمستقبل. إضافة إلى ما فيها من مضيعة للجهود والوقت. ومن الممكن أن يشكل اهتمامه الكبير بتصنيع "علم الاستغراب" احد الأمثلة النموذجية بهذا الصدد. وذلك لان محاولة تأسيس علم يواجه الاستشراق والرؤية الأوربية الغربية ككل انطلاقا من فكرة المواجهة والتحدي لا يمكنها النجاح. فالاستشراق الأوربي هو جزء من تطور تلقائي لفهم الشرق بمعايير المركزية الأوربية وثقافتها، تماما كما فعلت الثقافة العربية الإسلامية في التعامل مع ثقافات "الشرق" و"الغرب". وبالتالي، فان "علم الاستغراب" لكي يكون علما بالمعنى الدقيق أو حتى أن يكون "استشراقا معاكسا"، يستلزم في بادئ الأمر أن يكون للشرق مركزيته الثقافية، أو مركزياته الثقافية. وإلا فان "الاستغراب" هو مجرد رد فعل وليس فهما. أما البحث عن جذور خاصة به في التراث العربي الاسلامي القديم من خلال تتبع العلاقة بالتراث اليوناني، انطلاقا من أن اليونان جزء من الغرب جغرافيا وتاريخيا وحضاريا، فهو استنتاج لا علاقة له من حيث الجوهر بالجغرافيا والتاريخ والحضارة. بل يمكن قول العكس. إن أوربة اليونان والتراث الإغريقي هو جزء من المركزية الأوربية الحديثة، وما قبل ذلك، في كل مجرى القروسطية الأوربية، فقد كانت علوم الإغريق هي علوم "الوثنية". إضافة لذلك أن "علم الاستغراب" يخلط بين مواجهة الاستشراق والمركزية الأوربية. بينما هما يمثلان علاقة الكل بالجزء. والمركزية الأوربية هي نتاج التطور الأوربي وذروته في ميدان وعيها الذاتي وتمثيلا لمرحلة الانتقال من الوعي الديني إلى الوعي السياسي الاقتصادي. بعبارة أخرى، إن القيمة النظرية والعلمية والمنهجية والعملية والثقافية للاستغراب تكمن في روحه النقدي ومحاولة النظر إلى النفس بمعايير التجارب الذاتية. وهذه فضيلة كبرى. لكنها ينبغي أن تجري ضمن سياق تناول إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للصيرورة والكينونة العربية أولا وقبل كل شيء، وبل وفي كل شيء. أما ما قام به حسن حنفي في كتابه فهو مجرد استعراض عادي مدرسي مبسط لتطور الفكر الأوربي. بعبارة أخرى انه مجرد استعراض عادي وسهل لما هو متداول في الكتب المدرسية. ولا يرتقي إلى معنى "الاستغراب" بوصفه علما محاذيا أو موازيا للاستشراق. إذ للأخير قيمة علمية هائلة، رغم كل المآخذ عليه. أما الأبعاد الثقافية فيه فهي أبعاد الصيرورة التاريخية للكينونة الأوربية ووعيها الذاتي.
وينسحب ضعف الإدراك الحقيقي لماهية الحضارة وقوانين تطورها على موقفه من البديل الحضاري الاسلامي. فالقول على سبيل المثال، بإمكانية بلورة "حضارة إسلامية بديلة" في العالم المعاصر من خلال إعادة النظر بعلم أصول الدين، لا يعني في نهاية المطاف سوى إرجاع التاريخ والفكر صوب مرحلة تاريخية ثقافية ينبغي تذليها. فالحضارة الدينية (الإسلامية) هي صيغة خاصة تاريخية وثقافة مناسبة لمرحلة الانتقال من الوعي الإثني الثقافي إلى الوعي الديني الثقافي. وقد استطاعت أن تصنع إحدى أعمق وأوسع المركزيات الثقافية في التاريخ الإنساني وحضارة تناسبها. وبالتالي، فان البدائل الممكنة هنا تقوم في تأسيس مرجعيات ثقافية كبرى، أو ما ادعوه بالمرجعيات المتسامية القادرة على إعادة توحيد الفرد والجماعة والمجتمع والأمة والدولة بمعايير المستقبل واحتمالاته العقلانية عبر نقله إلى مرحلة الوعي السياسي الاقتصادي. ومن ثم تذليل كل بقايا اللاهوت ومدارسه وفلسفاته وأنماط تفكيره وعقائده. لا أن يجري تخيلها بمعايير الرغبات، مثل القول، بأنه "إذا كان للوعي الأوربي الريادة في القرون الخمسة الماضية، فقد تكون لنا الريادة في القرون القادمة. وكما بدأت الحضارة قديما في الشرق ثم انتقلت إلى اليونان والرومان وأوربا، فقد تعود في عصرنا إلى الشرق من جديد وتكتشف الحضارة الإسلامية رسالتها نحو الشرق". إن هذه الصيغة وأمثالها العديدة المتناثرة في كتابات حسن حنفي لا تخلو من طرافة وأمل إنساني ورغبات مقبولة ومعقولة، لكنها غير مؤسسة بمعايير الرؤية النقدية الفعلية. أما محاولة بناءها استنادا إلى قوى الحاضر وتوحيدها من الإخوان المسلمين بوصفهم إخوة في الله، ومن الماركسيين بوصفهم إخوة في الوطن، ومن الناصريين بوصفهم إخوة في الثورة، ومن الليبراليين بوصفهم إخوة في الحرية، فهي مجرد أضغاث أحلام لا علاقة لها بالواقع والحاضر والمستقبل. كما لا يمكن إنقاذها بتوحيد تراث الإصلاحية الإسلامية القديمة (فلسفة ابن رشد، وكلام المعتزلة، وتاريخ ابن خلدون، وفقه ابن تيمية)، وتراث الإصلاحية الإسلامية المعاصرة (محمد عبده والكواكبي وإقبال وشريعتي والسنوسية وثورة عمر المختار والمهدية وعبد الحميد بن باديس وسيد قطب)، فهي مجرد خلطة غريبة لا علاقة لها بما يمكن دعوته بتاريخ المستقبل.
إن هذه الخلطة عاجزة عن أن "تمثل تحديا للحضارة الغربية وبديلا عنها". فهي مجرد صيغة أيديولوجية. وذلك لان البدائل الحقيقية هي ذاتية وتلقائية. وبالتالي فإنها بديلة ضمن سياقها بوصفها نفيا منظوميا لما فيها. بعبارة أخرى، إن الفكرة الحضارية لا تستقي مقومات وجودها، بوصفها حركة تلقائية، من تأمل مسار الرؤية الفلسفية للحضارة الإسلامية وتاريخها الفعلي، ولا من تأمل الحالة التاريخية الفعلية والاحتمال المستقبلي للبدائل في العالم العربي. بعبارة أخرى، انه، كما هو الحال في فكرته السياسية، محكوم بعقائد يجري تأويلها، وليست تجارب حرة ضمن سياق الانتقال من الوعي الديني السياسي إلى الوعي السياسي الاقتصادي.(انتهى)
*** *** **







اخر الافلام

.. واشنطن: قواتنا بالعراق تلقت تهديدات من ميليشيات إيران


.. د. اعلية العلاني يوضح لماذا استشرس العداء بين طالبان والقاعد


.. ترامب يستعد لإعلان استراتيجية أمنية جديدة




.. واشنطن: ملتزمون بجنيف وروسيا ليست وسيطا نزيها


.. -ألعاب- تغري جيلا من الأطفال للعب القمار