الحوار المتمدن - موبايل



كآبة الكاتب -1-

إبراهيم الوراق

2017 / 10 / 11
سيرة ذاتية


كآبة الكاتب
رقم 1
لعلنا قد أدركنا في سعة هذا المدى الذي يحاصرنا غموضه، أننا قد اجتزنا على مراحل كثيرة، واقتطعنا مسافات طويلة، وارتحلنا من أشياء ‏قد اخترنا لها مهدا في عقولنا إلى حقائق لم تكن من صنعنا، ولا من كدنا، واختلسنا نظرات إلى ما هو أصيل في مكنون وضعنا، أو إلى ما هو ‏هجين في مألوف واقعنا، بل استوقفنا على بابها تلك الأقدار التي تجرنا إلى مصير لا ندرك كنهه، ولا ماهيته، ولا نعرف بدايته، ولا نهايته، ‏ومشينا مقيدين بالأوضار، ومكبلين بالأوزار، وحدونا بالأغاني الحزينة، والألحان الثخينة، وكأننا ما وجدنا لشيء غير هذا الذي زرعت فينا بذرته، ‏وغرست فينا شجرته، وما حططنا رحل الأماني بواد من الأودية، إلا لنجني منه خسارته، ونكسب فيه هزيمته، إذ ما من مرحلة نقطعها، أو ‏مسافة نخترقها، إلا وأدركنا أننا كنا أغبياء، وبلداء، وأيقنا بأننا لم نعثر في دائرة الحقيقة إلا على كلام تشدق به متحذلق، أو رأي فاجر به متملق. ‏وقد بقينا على هذا زمنا حسيرا، لا تأتينا فاجعة، ولا تدهمنا قارعة، إلا وظننا أنها الأخيرة في لعبة الأقدار المتعبة، والأولى في طريق سنعدو عليها ‏إلى أمل يبدو لنا هادئ المناخ، وطري الفخاخ، لأننا لم نتشبث بالوجع، إلا لأننا ننتظر فرجا يفك آصارنا، ويسرحنا من إسارنا. لكن هل أدركنا ‏حصون تلك المدينة العتيقة التي نتَّزر بأسمالها البالية، وصافحنا أهلها المحدقين على شمعة الآمال اليائسة، وجلسنا بين ربوعهم ضيوفا مبجلين، ‏ومقدسين.؟ أم غدر بنا الزمن الغامض الملذات، وصارت الحجارة المبللة بعطر التاريخ رمادا، أو حطاما.؟ ‏
شيء من هذا قد حدث مع العواصف التي لم تحترم خريفنا، ولم تشفق على ربيعنا، بل انهالت علينا بما يجعلنا نصدق بحقيقة أخرى، هي في ‏غلوها صعبة على الإدراك، وعصية على قنص ما يمكن فيها من يقين، لأننا كنا فيها بين خيارين متطرفين، لا نحدق في أحدهما بالعين الفاحصة، إلا ‏وانهال علينا الآخر بالرفض، أو الربض، فإما أن نوقن بأننا فقدنا الرشد في الجزء المخصص بواقع نذرف الدموع على فقدان روحه، وإما أن ‏نؤوب إلى حصون أعماقنا المبللة بعطر الذكريات، فنقيم حربا ضروسا على قناعاتنا التي ندمر شاخصها، لئلا يبقى لنا في أحشاء ذاتنا عرق إلا ‏وأدنفه المرض، وأدماه الوجع. كل هذا يحدث في الكيان الدوي، والوعي الشقي، إذ مقتضى هذا الانتهاك الذي نال عزائمنا الخائرة، أن نجرب ‏تحطيم الصنم الذي نملك سره القائم فينا بالإلهام، أو الإحجام، وهي العملية الشاقة التي تبوء في غالب احتمالاتها بالإخفاق، وتقضي في سائر أحوالها ‏على زمن نشاطنا الذهني فوق بساط الوجود، لكي تقربنا إلى الوهن الذي لا نطيق له ردا، ولا صدا، لأن الانتقال من وضع البيئة إلى ملكوت ‏الطبيعة، لن يسرح أنظارنا إلا في أفق المعاني التي نستجلبها بالتذكر، ونستنبطها بالتبصر. وذلك ما تغافلنا عنه حين انطلت الخدعة علينا، وخلنا ‏ما نشهده من نظام صارم لمطالب الحرية، هو القول الفصل في كسب رهان الحقيقة. إذ لو كنا أحرارا في وضع هذه الصورة التي نتفيأ ظلالها، لما ‏تساءلنا عن الماهية، ولما تعاندنا على الهوية، لأن ما نصرح به عندما نحس بحيوية أوجاعنا، وشعورنا بالرغبة الممتلئة بالانتشاء، ليس هو الدافع ‏الذي نذود عنه حين نتعالى بأفكارنا الزائغة، وأوضاعنا الشاردة، بل هو السبب الذي نرتدي قناعه حين نرتب أقيستنا في حصر المادة بين ‏أقفاص تجرنا إلى متاهة الغلط، واللغط، وتدسنا في عتمة الأفكار، وسوداوية الأنظار. ولولا ذلك، لكنا منحازين إلى زمن غير الذي نعيش فورانه ‏بلا شهوة، ولا غاية، وهو متعب، ومقلق، وضجر، وممل، وكئيب، لأنه ينسينا شوقنا إلى غضارة الطبيعة، ووسامة الخليقة، ثم يخدرنا بسمومه التي ‏تفتك بأوصال السعادة، ونياط الكرامة. ‏
مذهل أن نستبطن هذا البرد بين أسوار المدينة المختلفة الطباع، والمتعددة المزاج، ونحن نتقدم بخطوات في بحر الحيرة، ونترجل من مدى ‏رحيب إلى مجهول غامض، ومن حياة هادئة إلى أوضاع صاخبة، لعلنا أن نضع حدا للفكرة، ونقيد حيزها بكل دقة، ومرونة، لئلا نتحسسها في يوم ‏من الأيام التي نستجيب فيها لمثيرات أخرى، فنجدها خشنة، وغير سارة الحدوث، وقد كنا عودنا أذهاننا على تصويرها رطبة، وربما لزجة، لأننا ‏إذا أخطأنا في تركيب وحدات معناها، أو في ترتيبها بين سلم الموجودات التي تلتزم بها صور عقولنا، وننجزها في مدركات واقعنا، فإنها لا محالة، ‏ستكون إحباطا لعملية الخلق، والإبداع، والابتكار، وإسكاتا لصوت الفضيلة التي تتفاوت ماهيتها باختلاف مراحل مرورنا على هذا العالم الآسر ‏بتحدياته الشاقة. وإذ ذاك، لن يفتح اليأس لنا شهية، ولن ينتج فينا صولة، لكي نتعرى من القناع الذي نرتديه بمهارة، ثم نتذوق ما تبقى من طعم ‏الحياة الخالي من شوائب الاضطراب، وعوارض الاحتراب. وما أقبحها حين يكون لونها سوادا قاتما، وحالكا، أو حين تصبح أسبابها مثيرة ‏للعصبية في ردود انفعالنا مع ما ينطبع على قوارير الكون، وصروح الوجود، لأنها لن تخلق فينا لحنا يحمل صوتنا الداخلي، ولا فعلنا الخارجي. ‏
وهنا يبدو لي السؤال محرجا، وفي كثير من ضرورات طرحه معذبا، لأنه سيقضي على حلمنا في المدينة التي نمشي بين دروبها ساعات، ‏وربما أياما، أو أعواما، عسانا أن نكتشف ما كتب على أطلالها من حروف الإنسان المجرد عن ريش كل تصنيف، وما نقش على وجوه المعابد ‏المزينة بمرايا يعلوها الغبار، ويكسوها غضب هذا الراهب الذي أضاع بسمة الإله بين أعشاش العصافير، وروضات الأطفال، وحدائق العشاق، ‏وواحات الحائرين بين الفوق، والتحت، والهائمين بين الماضي، والغد، والتائهين بين التضحية، والخلاص، لكي يخب المقعدون على أريكة الرعب ‏إلى قداس البكاء بذهول، واندهاش، ويسرع المتوحشون إلى ظلال الهيكل المغتصب بريقه، والمسروق حريره، ليعلنوا توبتهم بما ينشدونه من لحن ‏شجي، ويغنونه بصوت دوي، ثم ينتهي المشهد على اكتشاف ما في الصورة من انخرام، وعلى ما في الذوات من انفصام. وإذ ذاك يخرجون، ولا ‏يعودون، وإذا عادوا إلى حطيمه ضحايا، أو حملوا إليه على آلة حدباء، سمعوا أنين اليتامى، وحنين الثكالى، ونظروا إلى ما عاثوا به من لعنة ‏الدمار، ووحشة البوار. فلا غرابة، إذا كان هذا خيارا يوميا يحطم إرادتنا في الفعل، وجريا ملازما للدليل الذي نقتنع بسيره إلى الأمام، ونحن ‏نستكنه للغد حدودا تقيه من الزوال، إذ لا يفارقنا في خروجنا إلى هذا المستشرف الذي نطل منه على البحر الهادر بأمواجه الصاخبة، عسانا أن ‏نسبر أغوار ألغازه المبهمة، ولا يبرحنا في عودتنا الخائبة إلى أرديتنا المبللة بأوحال الطريق، والملطخة بخنين الأطفال المشردين، ونحيب الشيوخ ‏المعذبين. ‏
ذلك الخيار الذي يربك سيرنا بين السكك الملتوية، والمتعرجة، ونشوتنا على أجراف البحر، وشطآنه، وتوهاننا فيما اختزنته ذاكرة المعالم ‏العتقية، والآثار التليدة، هو الذي استسلمنا له حين اختل المزاج في نشاطنا العقلي، وقسى المكان بحزن الأزهار، والأشجار، والأحجار، وهو الذي ‏نواجه به غنوصية الكائن البشري، ودهاليز سره، وكبده، ونعلن به عن عقلانية شرحنا للظواهر اليومية، والعوارض الحياتية، واستبصارنا لمعالم ‏السبل الغضة بالأنواء الساهمة، والأجواء الغاضبة. إذ ليس لنا من مرفأ نلتجئ إلى هدوئه النسبي إلا سواه، ولا ملجأ نحتمي بكفهه إلا ذراه، لأنه ‏هو الذي يمنحنا متعة في محاورة المدينة الصاخبة، ومعاندة لمساءلة الأمواج الهائجة، ومجابهة لمناجاة السماء الداكنة. وإذا غازلنا الحلم بين الآمال ‏الشاسعة، وزعمنا أن في البعد ألما دفينا، لا ينفجر في الذات إلا وأقعدها بالضنى، فقد كذَّبنا ما يجري به قانون التاريخ، وصدقنا وهما يتضمن ‏رواسب أخطاءنا، وخلفيات هزائمنا. إذ البعد هو الذي يعلمنا أن في القرب بينا، وفي الفصل وصلا، وفي الصمت صوتا، وفي الحزن لحنا، وفي ‏الحرف وجعا. ولولا ما انحصر في قاع تفكيرنا من ميل، وما انبعج في تدبيرنا من ملل، وهو الذي يغذي خمود إحساسنا، ويربي همود مشاعرنا، ‏لأيقنا بأن ما نتمتع به من لذة في سكون الأشياء المتصارعة، هو الهدف الأسمى في التخطيط للمستقبل الأكمل، والتجميع لعناصر الحظ الأمثل.‏
‏ لكن لم يكتف العقل بالمهادنة لما يراه سببا في تنغيص الأسباب المشتركة، ولو لم يهدم كثيرا من شهوات أوثان عقله، ولم يختر سبيل الألم ‏لبناء أسس معاشرته الوجدانية لواقعه، بل أصر على مبارزة ذلك المكان الساحر في ذاكرة الإنسان، وهي الحافظة التي استوعبت الطبيعة ‏البشرية بعواطفها، وعنفها، وخيانتها، وفضائلها، ومخازيها، لأنه أدرك في التورية حبا يعبر عن غزارة طبعه، وجسامة نفسه، وفي الألم كناية تغننيه ‏عن نظام المعاني المتلاشية بين فراغ وصفه، وضياع حظه، إذ لا يحق له أن يلمس الأشياء في تشابهها، وتماثلها، وتناظرها، إلا إذا أحس بما فيها ‏من سذاجة، أو هزالة، أو اصطناع، أو امتناع، ولو اختار الانحناء في معبد المداراة، والتأم مراده على أن يوقف جهاز المعارضة، ويقيد معنى ‏المعاندة، ويعطل إدراكه بما يدبره من رضى، أو بما يفترضه من قبول، لأن غيابه، واغترابه، وبعده، وعبثه، وفوضاه، هي التي تكسبه لغة ‏الأشياء الجميلة، وتعلمه كيف لا يكترث بالأحكام المبسطة، والآراء المركبة. فأحر به في مخاطرته، أن يدرك في معانقة الزوجين تنافرا، وفي مخادنة ‏الخليلين تناكرا، وفي ملامسة الحقيقتين تضاربا، وفي ملازمة الشبيهين تسابنا، إذ هي لا تعبر عن حقيقتها بمجرد الاقتران، أو بمطلق الالتصاق، بل ‏تكون واقعا حين يسمو بها الروح إلى أعلى مراقي الوعي، والاستقلال. هكذا يحس في ذوقه بالنفور، وفي شهيته بالفتور، لأنه يرى صريح العشق ‏خارج قفصه الذي تحكمه ضرورة الصيغ المنسوجة من أقنعة المثالية. وإذا لم يجرب الحظ بمشاركته الوجدانية، ولو بالتحايل الذي يعيش به ‏الاستثناء في عرضه الخارجي، واجتاز شباك العقل الذي يقدس القياس بالتواطؤ، والالتفاف، فإنه لن يظفر بأودات معرفته، ولن يطيق أن ‏يستعير الألفاظ لحروفه، ولا أن ينتقي المعاني لعباراته. وهل العقل في غاية بذله إلا مدرك للقرائن، والروابط، والصلات.؟ كلا، إذا زالت عنه ‏صفته، وفقد استنتاجاته، فلا حرج إن قلنا بأحديته في النظر، والتحليل، والتصنيف، والتأليف. وحاشا أن لا يكون متعددا في مواقفه التي ‏تعتريه بالموت، أو بالحياة، وهو يخترط في صلادة الأماكن طريقا إلى السماء، وفي سواد الفضاء جلباب الأمل، والأحلام الزاهرة. ‏
هذا العبث الذي يشخص الحقائق بما في الذات من فروق بين المفاهيم الملتبسة، هو الذي يريح توقعات العقل، وترقبه للفرج، ويكسبه طرقا ‏لوصل رحم السوداوية الكامنة في عمقه، لأنه ولو أحس بعدم الجدوى في مطارحة خياره، وأضمر الانتحار البطيء في معاندة تياره، فإنه يغدو في ‏وحدته كئيبا، وفي تشاؤمه رهيبا، وإذ ذاك، لا يرى خلاصا إلا أن يزور قبة ذاته التي تحول مادة الصورة إلى خيال جانح، وطيف جامح، وتنقل ‏ما فيها من جو التسلية إلى فعل إيجابي، يرسم تلك الحقيقة الهاربة بين كهوف متغضنة بكائنات عنيدة، وشقية، ومزاجية، وعصابية، ومتعنتة ‏بضجيج، وجلبة، وخصام، وعراك، لأنها هي التي تفتح له آفاقا في تحليل مفردات كيانه، وتجيبه عن كثير من الأسئلة التي تحتاج إلى يد حنونة، ‏وجسة عطوفة، تزيل عنه غي الوعي المصطرخ بأوجاع واقعه، وتمحو من نكهته كل طعم يسلبه لب فكره، ومد نظره. فما أجملها من منة تشمله ‏بوشاحها البنفسجي، وهي تغرقه في المدى السحيق، وتذيبه في المجهول الطليق، لكي تنشئه طفلا غريرا، يسرح بأماقيه في النجوم المتوقدة، ويمرح ‏بفؤاده بين آفاق الكواكب المنيرة، وأجرام السماء العلوية. أجل، فاحتياجه في ملماته إلى إنشاء السلوك المتعلق بباطنه، لا يغذيه النسيان، ولا ‏يطويه الكتمان، لأنه ولو انحبس صوته، وانحصر في سواد جونه، فإنه يصرخ، ويبكي، ويضحك، ويقهقه، ويشتم، ويلعن، وربما في شدة فقده ‏لخيط مراميه، وكنه مقاصده، يجامل حبيبته الساكنة في فؤاده بشيء من الهمس، هو أقرب إلى الشعور من الشعر، فيقول لها في انتعاش سحَره ‏بوارد الفيض الغامر لجوانحه الثملة: أنت لعبة القدر. أنت المنى، والأمل. سأحكي عنك بهمس قصائدي. وأزفر في فضائك بمكتوم حسراتي. وأحلق ‏على ربوة الشوق بجذوة الرجاء العليل. لعل أناملي تلمس ما في نايك من ألحاني. فغني معي، وارقصي. وإن فتر الحس فيك، فانخلعي. فأنا ‏سأغني نفَسي بحرق أصواتي. وأهيل رميم عذري على رفاتي. فرددي معي، أو انحسري. فما أنا وأنت إلا ألوان وردة بين حقول ذابلة. وقد يقول ‏غير ذلك، وهو موقن بضياع حلمه بين عشب النهر، وشعاع القمر، وفقدان أمله في غابة تختبئ وراء آجامها كائنات بشرية، هي أقرب في صورتها ‏إلى الثعابين، والسحالى، ووربما يهدم ما يبنيه بمرسوم شك، ومعلوم حيرة، فيمحو سطوره التي تكتب خواطره، ويحرق ما تبقى من أوراقه، ثم ‏يودع أذواقه مسرعا، ومهرولا، ومجرولا، وكأنه في خروجه عن هذا العالم البائس شعورُه، لا ينحدر إلا إلى بركة هامدة في ذهنه، تنطبع عليها ‏صور هذا الكائن العاقل بشخوصها القاتمة، والداكنة. فلا يكاد يتأمل ما تدل عليه ملامحها من لغة تاريخها، وأدب حضارتها، إلا وعاتبها بأقذع ‏ألفاظه، ونعاها بأفجع أوزانه. وربما من حدة اليأس، وشدة الملل، يبجل الوحدة، فيراها حصنا حصنا، وحرزا أمينا، ثم يختار الصمت، ويطرد ‏هواجسه، ويقتل أفكاره، لعله أن يذوب في لحظة هادئة، تعيد إليه شيئا من سكينته، وطمأنينته. ‏
تلك هي ضرورته التي لا يغضي عنها بعينه، وحاجته التي لم تحقق إشباعها إلا في قاع ذاته، لأنها سبب في الوجود الذي يمنحه نوعا من ‏الزهو، والفخار، وأحيانا كثيرة، يلبسه لباس الرعب، والوجف، فيتشتت بين ذاكرة مهجورة، وغاية مأبونة، إذ لو لم يتجاوز هذه اللحظة في بعض ‏متاهاته التي يلج باب حرفها منفعلا، وغاضبا، وهائجا، ولو في سبات حدسه عن التفكير فيما هو مفتقر إليه من آمال خابية، فإنه سيتيه في ‏قنصها مرتين؛ مرة يبتهج بها حين تذهله ألفاظه التي يكتبها مشوشة، ومبللة بعرق جبينه المتقد بحمية الأنفة التي ورثها من التاريخ المزيف، ومرة ‏يخجل من سرد حكايتها، لأنها تأسر مشاعره بين شهوة الغموض، ونشوة التوري وراء الإشارات المستعرة بالإغواء، والإثارة المجنونة، والمحتدمة ‏بالرغبة المحظورة في سعادته المنكوبة، وعلاقاته المهدورة. وأنى لها أن تكون حقيقة إلا في مثاله الذي يأسره نصه المتعالي عن قيود دائرته، وهو ‏علة تأليمه، ووجه تعذيبه، إذ لا يقاومها إلا لكي يخرج منها كائنا مشتتا بين طاقة سجينة، وحيوية رديئة. فهل تحقق منها شيء في زمن من أزمنته، ‏فاستطاع أن يشعر بأنه حر في إرادته، وسلوكه.؟ لا، لو لم تكن لها صورتها المعنوية في معاني ذاته، وقالبها الذي هو قلبه المظلم، وقلبها ‏القاسي، فإنه سيتضيق من مكنونه الذي يتلذذ بمضمره في ساعة سارحة بين أطياف الأمنية الكليلة. وإذ ذاك، سيعيش بين مهامه الضجر، ‏ومغارات الكمد الذي ينحت صورة أخرى للكون، والطبيعة، ويهيأ لها مهدا تنعطف فيه الهامات لسخرية القدر، وازدراء الإنسان، واحتقار كل ‏الفلسفات التي لم يستطبها العقل المنكسر إلا حين استعبدته، ولطخت وجهه بعار الذل، والمهانة. وذلك ما يعيشه حقيقة عند حافة الغابة التي ‏يستبطنها غوره، لأن البحث عن بقيتها في أعراض الإنسان الخارجية، لم يفارقه في طريقه المستغرق لكل أوحال فكره، وأوزار عشقه، وربما ‏يضيف إليه ذلك ألما حادا، فتعدو احتمالاته غير قادرة على معرفة ما يفيده من تعليمات، وتوجيهات، إذ احتمال العثور عليها، ولو في هذا العالم ‏الذي يعزف ألحانه في قلبه، هو الذي يروح عن نفسه، ويصيره قابلا لما تجود به الساعات من هناءة، ومهما بدت مجوفة، وفارغة، وغير كاملة في ‏مداعبة مواطن فكره، ومغازلة مفاتن عقله، لأن اختلاط الحسي بالمعنوي في الصورة التي تتضمن خصائص شخصيته، ومعالم كنه المثالي الذي ‏يتعاظم به لرغبة التوازن، يركب فيه نشوة نبيلة، تساعده على تسويغ يأسه، وانحساره عن الخوض في علاقات لا تعبر عنه، أو لا يطيق تحمل ‏تبعات مسؤوليتها في الالتزام، والمشاركة. وما أجملها حين تنطبع على صفحة ماء البحر الهادر، وهي توجز قصة العقل الحائر، وتختصر حكاية ‏الأمل الذي يعبر جسر المدن المتدفق تيارها بالظلمة إلى زوايا ذلك المحيط الأبيض المشاعر، والأحاسيس، لأنها أغنية يسمعها بفؤاده، فتشد على ‏عضده، وتغرس في صدره نزوة تهديه إلى معايشه بشريته في أقفاصها الذهبية. ‏
هذا الناسك المتحنت، يداعب جوارح صوره الذهنية في معبد وجداني، ويغازلها في طقس طفولي، وهو يشعر بارتياح يفوق تكهنه، ويربو ‏على تخرصه، لأنه يؤلف ذاته في توليفة تسمو عن عقل الأرض التي فقدت ألحانها المغرية، وأنغامها الممتعة، لكي تستوعب قلب الطبيعة المترع ‏بالأحاسيس الظريفة، والمعاني اللطيفة، ثم يتجرد من كل تصنيف، ويتخلص من كل تنميط، إلا من تفكيره الذي يراه محتاجا إلى فعل يختزن ‏دموعه، ومشاعره، وحاجاته، ورغباته. فأي حدث سيحدث هذه الطاقة المفعمة بالصوت الخافت، وهو في جنون الحلم الذي يدرأ معرة ألغازه، ‏تثبطه معيقات شتى، لا يطيق أن يزيل غصتها، ولا أن يبرأ من شرتها، ولا أن يطاوع وضعها في قرارها المختلف عن خياره، والمبتعد عن صراعه، ‏لأنها بمقدار ما تلبس عباءة الطهر بين الديار المبتهجة بخريف الأحلام، والأماني، فإنها تزداد في غلوها اهتياجا، وتحررا، ولو أنكرها اللسان ‏بالبيان، وحاربها بما يتقيه من عواصف العري، والسفور، إذ هي القيد الذي لم يقع محل الاختيار عند صياغة العقد المحصل للغايات، ولا موضع ‏الرجاء فيما يحبره العقل من توقع، وانتظار. ولو أعيد النظر في تركيب صورتها، وتحديد مدارها، وكان للاختيار محل مضمخ بالأمان، ومكلل ‏بالسلام، لانتهى كثير منا إلى نبذ أحدوثتها، وطرح أسطورتها، لأنها غشاء يحكي خلله عن أزمة الإنسان حين يفقد بشريته بكره، ويفارق كيانه ‏بعنف، ويلتزم بحدود تفصل بين فضائه الداخلي، وعنوانه الخارجي. فهي إذن شيء ابتلعه الكائن العاقل في غفلة، أو في سرية، ولم يتذوق ما فيه ‏من شروق، ولم يستكنه ما يحوم حوله من غروب. فما هو مستقبلها الذي يعد به الكاهن حين يعتلي ربوة غروره، فيرى عبث أطفال المدن ‏خروجا عن جادة الصواب.؟ ‏
تتألم الروح حين تنتابنا الحسرات، وتعتادنا العبرات، ولم نجد في غمرة الكمد إلا أن نقول: يا أيها العقل المخدوع بهذه اللحظة الآسرة، تعال ‏نطرح قديم السؤال، ونستفهم ما وراء جبة العراف من مقال: هل من حقنا أن نسرع الخطى على الطريق اللاجب بأنين المارة، وأحزانهم الغائرة، ‏ونلتزم الصمت، ونحتقن الغربة، ونغيب عن مشاهدة ما نجتازه في مهيعنا من شفاه الأشجار العسلية، وعيون الأحجار الزرق.؟ إن لم يكن من حقنا ‏ذلك، ولم لنا في سالف العهد ود، ولا ذمة، فعلمنا كيف نتمهل في تتبع فضولنا، وكيف لا نستعجل في تأمل فصولنا، بل بين لنا كيف لا نستهدي ‏في ترنحنا إلى جمال الظلام الساطع، والسواد البارع. لو فعلت هذا، واستطعت أن تقيد مشاعرنا بأحلامك الواهنة، وتضع لكل صورة ظلالا ‏تناسبها في أفكارك الخاسئة، فإن ما يزفر في جوننا من توهج، وما ينطوي عليه فراغنا من توجه، لن ير النور بين مراح الربوع المثقلة بالهموم، ‏والمكبلة بالغموم، ما حيينا بين هذه الدروب التي تدبر مصيرنا بعمليات معقدة في التركيب، ومختلة في الترتيب. لكن لا تنس أن الزمن يخب سريعا ‏بلا التفات، والمدى طويل المسافات، والمجهول عليل المساحات، والرواحل التي تحمل توابيت الأسرار مزمومة، والأدلة التي تفقه لغة الأنواء ‏مكتومة، والطرق التي تهتف بالحلم زافرة بالمتاعب الفجة، والمفاجآت الغضة، فلا تدعنا نثق بوعدك المأبون، أو بصدق المحتوى الذي تدندن به في ‏توددك المأفون، فتنتشي به في مغازلتك، ونترنح به في مداعبتك، ثم نضيع في عشقنا المفصول عن حركة سؤالنا، ودبيب آمالنا المستلهمة ‏لوجودها من امتعاضنا، وأحزاننا، وإحباطنا.‏







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | الخارجية الأمريكية: جولة لتيلرسون تشمل #السعو


.. أخبار خاصة | طفلة أردنية تستطيع الطيران على جهاز المشي متحدي


.. قريبا على فرانس24- تركمانستان : الدكتاتور وألعابه




.. حكومة إقليم كردستان ترحب بدعوة العبادي للحوار


.. هذا الصباح- التجارة الرقمية بمؤتمر -عرب نت- بالكويت